19 كانون الأول 2018 م الموافق لـ 11 ربيع الثاني 1440 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: خطاب القائد ::2018

كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه الوفد الرياضي الإيراني في دورة الألعاب الآسيوية



كلمة الإمام الخامنئي لدى لقائه الوفد الرياضي الإيراني المشارك في دورة الألعاب الآسيوية البارالمبية 14/11/2018

بسم الله الرحمن الرحیم(1)

والحمد لله ربّ ‌العالمین، والصلاة والسلام علی سیدنا ونبینا أبي القاسم المصطفی محمد، وعلی آله الطیبین الطاهرین المعصومین، لا سیّما بقیة الله في الأرضین.

قدمتم خير مقدم أيها الإخوة الأحبّاء والأخوات العزيزات والشباب الذين هم مبعث فخر واعتزاز بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى.

الرياضة قيمة، سواء على المستوى الفردي - ذلك أن الشخص الرياضي يتمتع بقيمة مضافة مقارنة بالشخص الذي لا يمارس الرياضة - أو على الصعيد الوطني وعلى مستوى البلد. فإن البلد الذي انتشرت فيه الرياضة، بما فيها الرياضة العامة أو الرياضة البطولية التي تعدّ أسوة للرياضة العامة، يتسم بقيمة مضافة مقارنة بغيره (من البلدان)، وقد أضحت هذه القضية اليوم مقبولة في العالم، وبات الجميع يتفهّمها ويُدركها. ولذلك ترون كم ينفقون من أموال ويبذلون من جهود على رياضاتهم البطولية ولمساعدة أبطالهم، حتّى إنّهم أحياناً يجعلون سياساتهم ظهيراً وسنداً لها. ففي العالم المعاصر اليوم، وعلى الرغم من المناداة بعدم تسييس الرياضة وعدم إقحام السياسة في المسائل الرياضية وما شاكلها من شعارات، إلّا أنّهم في بعض الأحيان يجعلون السياسة ظهيراً للرياضة، من أجل ماذا؟ من أجل أن يرفعوا رأس بلدهم بالرياضة وبريقها. هكذا هي الرياضة. ولذا، عليكم أنتم الذين تبذلون جهوداً في ميدان الرياضة أن تشعروا وتؤمنوا حقاً بأنكم تُنجزون عملاً قيّماً معنوياً، ولو جعلتم نيّتكم خدمة البلد والجمهورية الإسلامية، ستسجّل لكم لا محالة حسنة عند الله، وستُثابون على عملكم الذي يتبدّل حينذاك إلى عبادة.. هذا هو الأمر فيما يتعلّق بأصل الرياضة.

وأما فيما يتعلّق بكم أنتم فقد دوّنتُ هنا بضع نقاط أطرحها عليكم.
[النقطة الأولى هي أنّ] الرياضة البطولية مظهرُ الثقة بالنفس، وتجسيد للعزم والإرادة. وهذا هو حال جميع أبطال العالم، فإنّ في حضورهم البطولي وقدراتهم البطولية دلالة على إرادتهم القوية وعزيمتهم الراسخة، وهذا الأمر يتضاعف لدى المعوّقين والجرحى ضعفين أو أكثر أحياناً. فلو أنّ شخصاً على سبيل الفرض لا توجد لديه مشكلة جسدية واستطاع إحراز البطولة وحيازة مرتبة عالية في اللعبة الرياضية الفلانية، واستطاع شخص آخر لديه مشكلة جسدية أن يحوز المرتبة نفسها وأن يُظهر القدرات نفسها، ففي هذا مؤشر على أنه يتمتع بعزيمة راسخة مضاعفة، وعليه، فإنّ قيمة هذا العمل تتضاعف ضعفين أو عدة أضعاف. وأنتم رغم ما تعانونه من مشاكل جسدية تمكّنتم من أن تتألّقوا في هذا الميدان، وهذه مسألة بالغة الأهمية. وعليه فالذين يعانون من مشاكل جسدية - بمن فيهم الجرحى والمعوّقون - تتضاعف قيمة رياضتهم وبطولتهم مقارنة برياضة وبطولة الذين لا يعانون من مشاكل جسدية ضعفين أو أكثر، وتدلّ على عزيمتهم الراسخة. حيث كان بإمكانكم، بمجرد طروء مشكلة جسدية في يدكم أو رجلكم أو أي مكان من بدنكم، أن تتركوا ساحة السباق البطولية والرياضية تحت هذه الذريعة، ولكنكم لم تفعلوا ذلك، بل نزلتم إلى الساحة وتجشّمتم العناء وبذلتم الجهود وتدرّبتم وشققتم على أنفسكم، ثم انطلقتم بعزيمة راسخة حتى وصلتم إلى القمة في هذه الحركة الرياضية؛ لأنّ الرياضة البطولية كالقمة والرياضة العامة كالسفح، والجميع يتوجّه نحو القمة ويتطلّع إليها ويستقي الدروس منها. وعلى هذا فإنّ قيمة عملكم تفوق قيمة عمل الأبطال الآخرين الذين لا يعانون من مشاكل جسدية.. هذه هي النقطة الأولى.

والنقطة المهمة الأخرى التي شاهدتها في عملكم هذه المرة - بمقدار ما أتيحت لي فرصة المشاهدة عبر التلفاز - وفي المرة السابقة أيضاً، هي أنكم بعد الفوز تشكرون الله، والبعض منكم يهوي للسجود (شكراً)، وهذا يعني أنكم ترون هذا الفوز وهذه النعمة من الله، وهو أمرٌ غاية في الأهمّيّة. إن مشكلة الإنسان الطاغي والمعاند هي أنه يرى أنّ ما لديه من رصيد هو من عند نفسه ويغفل عن لطف الله وعنايته. ولكنّكم، بحركاتكم هذه، وتوجّهكم وتوسّلكم وسجودكم ورفع أياديكم ودعائكم، أثبتم بأنكم غير غافلين، وبأنّكم تعلمون بأن هذه النعمة التي منحتكم المجد والرفعة هي من عند الله سبحانه وتعالى، وهذه مرتبة مهمّة من الشكر، وهي ستؤدي إن شاء الله إلى تحقيق المزيد من النجاح واكتساب المزيد من القدرات، وذلك لقوله تعالى: "لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"(2). إن حركتكم هذه التي تدل على معرفتكم بنعمة الله تعالى تشكل مرتبة هامة من مراتب الشكر.

والنطقة الأخرى التي بدت كبيرة للغاية في عيني هي الثقة بالنفس التي أظهرتموها في الدفاع عن أصالتكم، والمثال على ذلك هو أنّ حاملة رايتكم كانت سيدة ترتدي العباءة، وهذا أمرٌ بالغ الأهمّيّة. أنا لا أدري إن كانت تلك السيدة التي كانت ترتدي العباءة وتحمل الراية بيدها وتسير أمام الوفد (الرياضي الإيراني) في الحفل الافتتاحي والختامي، ملتفتة إلى ما لعملها من قيمة؟ وتعلم كم كانت تلك الحركة [منها] عظيمة؟ هذا يعني أنكم وقفتم لوحدكم أمام المدّ المتزايد للإباحيّة والتحلّل في العالم.. هذا يعني أنكم وقفتم أمام هجوم السياسات التي يُروِّج لها الصهاينة والشركات العالمية الهدّامة للأخلاق من خلال سَوْق الرجال والنساء إلى الفساد الأخلاقي، ودافعتم عملياً عن حجابكم وعباءتكم ودينكم ومعارفكم الإسلامية في ساحة دولية عالمية من دون مراعاة أي شيء، وهذا ما يحتاج إلى قلب قويّ جسور. فالكثير يضعف وينثني، وأنا بنفسي شاهدتُ أنّ بعضهم أحياناً لا يمتلك القدرة على الصمود في هذه الساحات الدولية أمام المطالب اللامتناهية لمعسكر الكفر والاستكبار، فينثني ويتراجع، ولكنكم صمدتم، وهذا غاية في الأهمية.

لقد أقمتم صلاة الجماعة وشاركتم في صلاة الجمعة، وهذا يعني أنكم دافعتم عن دينكم وعن معارفكم وعن مبادئكم وقِيَمكم الوطنية وعن زيّكم الوطني - ذلك أن الشادور (العباءة) يمثل زيّنا الوطني - وعن حجابكم وعن عفافكم، وهذا بالنسبة لي كان أمراً قيّماً للغاية. إنني أتقدم من أعماق قلبي بالشكر إليكم جميعاً؛ إلى القائمين على هذا الوفد الرياضي، وإلى أولئك السيدات أنفسهنّ اللواتي التزمن بهذا الأمر. فلقد كان هذا (العمل) استعراضاً للاقتدار الثقافي ومؤشراً على القوة الثقافية ودالّاً على الاستقلال الثقافي ومبيّناً للإرادة القوية. إن الحرب القائمة في العالم اليوم هي حرب الإرادات، والجهة الأقوى إرادةً والأشدُّ ثباتاً هي المنتصرة في هذه الساحات، ولقد أثبتم هنا بأنكم تمتلكون القوة ولديكم الاقتدار.

والنقطة الأخرى التي ظهرت هذا العام في وفدكم الرياضي هي الاقتصاد في المصاريف والنفقات، إذ وصلني تقرير بهذا الأمر، وكان هذا شيئاً جيّداً جداً. ولقد سمعتُ بأن القائمين على هذا الوفد الرياضي قد اقتصدوا في التكاليف، ولم يُرفِقوا معهم بعض الأشخاص الذي يرافقون هذه الوفود في الأعم الأغلب من دون سبب أو مبرّر، إلى غير ذلك من الأعمال التي كانت موضع تأييدي وتقديري، فإني أقدّر هذا الأمر وأثمّنه حقاً.

ثمة نقطة أساسية تخص الرياضة البطولية للمعوّقين والجرحى، وهي أنها [الرياضة البطوليّة] تدل على توظيف الطاقات الكامنة المودعة في الإنسان. فإن واحدة من مشاكلنا الكبيرة التي يعاني منها البلد في الوقت الراهن هي أننا نتمتع بطاقات وطنية كبيرة من دون أن نستثمرها، فلدينا الطاقات الجغرافية والثقافية والبشرية والمصادر الجوفية والطاقات التجارية، وطاقاتنا في حركة النقل والترانزيت وموقعنا المركزي فيها، إلى غير ذلك من صنوف الطاقات وأنواعها، لكنّنا للأسف لا نستثمر الكثير منها جيّداً، ولو تم استثمارها لحُلّت الكثير من المشاكل الاقتصادية الحالية للبلد. ومن جملة الأمور التي يجب الالتفات والتوجّه إليها هي أنّ الناس يتمتعون بطاقات مغفولٍ عنها. عندما ينظر المرء إلى أخ معوّق أو أخت معوّقة أو جريح أو جريحة يعانون من مشكلة جسدية، يتصوّر بأنهم يفتقدون للكثير من القدرات الطبيعية، ولكنّهم يتمتعون بهذه الطاقة البالغة الأهمية التي توصلهم إلى البطولة.

إنكم قد حزتم البطولة وفزتم بميداليات ذهبية وفضية، وهاتان البطولة والطاقة قد تتوافران في الكثير من الناس من دون أن يستثمروها، ولكنكم استثمرتموها، وهذا الأمر على جانب كبير من الأهمية. فإن رياضتكم وبطولتكم تدل على إمكانية استثمار الطاقات الكامنة في وجود الإنسان، وهذا يعني أنكم أصبحتم درساً يستلهم منه الآخرون. حيث يجب علينا جميعاً أن نتعلّم منكم حقّاً؛ بمختلف الأعمار؛ ولا سيما شريحة الشباب؛ أن يتعلّموا وأن يعرفوا بأن هناك في وجودهم وفي أبدانهم وفي إرادتهم وفي أرواحهم طاقات يمكنهم توظيفها واستثمارها في سبيل تقدم البلد وإعماره، ومن أجل أنفسهم ومن أجل دنياهم وآخرتهم. هذه بدورها نقطة مهمّة جدّاً بنظري، وهي أنكم كنتم مظهراً وتجلّيّاً لتوظيف الطاقات واستثمارها.

لقد فاز أحدكم أنتم السادة - ولا أعرفه عن قربٍ بالطبع - بستّ ميداليات ذهبية، في السباحة على ما يبدو، وهذا أمر فائق الأهمية؛ ستّ ميداليات!(3) ستّ ميداليات حازها هذا الشخص في هذه اللعبة الرياضية التي هو متمرّس فيها، وهذا أمرٌ بالغ الأهمّيّة، أي إنّه يشير إلى طاقة مذهلة. ولعلّ هذا السيد نفسه لم يكن يعلم ولمدّة طويلة بأنه يتمتع بمثل هذه القدرة وهذه الطاقة، ولكنه ورد الميدان وتحرك وبادر وأراد وعزم ووصل إلى حيث إنه استطاع الفوز بستّ ميداليات ذهبية مثلاً.. هذه هي النقطة الأخرى.

والنقطة الأخيرة هي أن لكم تأثيراً مضاعفاً في منح الدافع والمحفّز لعامة الناس. ولقد قلتها دوماً بأن الرياضة البطولية بمنزلة القمة التي يجب أن تكون موجودة في البلد لكي يتمكّن الآخرون جميعاً من ممارسة الرياضة؛ إذ يجب على الجميع ممارسة الرياضة، سواء الشباب أو الشيوخ؛ رياضة الشباب بطريقة ورياضة الشيوخ من أمثالنا بطريقة أخرى، وبالتالي يجب على الجميع ممارسة الرياضة. ولكن من ذا الذي يمنح المرء الدافع والمحفز لممارسة الرياضة؟ ذلك الذي يقف في القمة. بيد أنّ المحفز الذي تمنحونه أنتم يفوق المحفز الذي يمنحه الآخرون بضعفين، لأنكم استطعتم تحقيق هذا المجد على الرغم مما تعانونه من مشاكل جسدية.

على أي حال أتقدم إليكم بجزيل الشكر على جهودكم ومساعيكم، وأشكر القائمين على وفدكم (الرياضي) كثيراً، بمن فيهم المسؤولون الرياضيون، والسيد خسروي وفا (4) وغيرهم. وأتمنى لكم جميعاً التوفيق والنجاح إن شاء الله، وأن تتحسّن أوضاعكم يوماً بعد آخر، وأن تحافظوا على هذه الروح المعنوية وروح التوجّه (إلى الله) وهذه العزيمة الراسخة.

أمّا بالنسبة للمطالب التي طرحها هذا الأخ العزيز الجريح والأسير المحرّر، فما يتعلق منها بالحكومة يجب على الوزير (5) الحاضر هنا أن يهتمّ بها ويتابعها بكل تأكيد، فإنه لم يطلب الشيء الكثير، وإنما طلب أمراً صائباً حقيقياً، فيجب عليكم تلبية مطلبه، ولا توكله إلى من يأتي بعدكم. وأما طلبه منّا فهو معلوم، حيث طالبنا بكوفية وخاتم، وها نحن في خدمته، وسنقدّم لكم جميعاً إن شاء الله كوفية وخاتماً كذلك.

والسلام علیکم ورحمة ‌الله وبرکاته

1ــ في بداية هذا اللقاء، تعاقب على الحديث كلّ من السيّد مهدي عليزاده، والسيّدتين إلناز دارابيان، وعشرت كردستاني ــ اللتين فازتا بميداليّات في هذه المباريات.
2 ــ سورة إبراهيم/ جزء من الآية7.
3 ــ توجه القائد بالخطاب إلى السيّد شاهين ايزديار وقال: أنت؟ ما شاء الله.
4ــ رئيس الاتّحاد الرياضي للجرحى والمعوّقين.
5ــ وزير الشباب والرياضة الدكتور مسعود سلطاني فر.

21-11-2018 عدد القراءات 122



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا