16 كانون الأول 2018 م الموافق لـ 08 ربيع الثاني 1440 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

النزعة الدينية عند الإنسان ونقد نظرية الخوف



لماذا يعتنق الإنسان الدين ـ أي دين كان؟ وما هو سبب تجذّر النزعة الدينية في النفس البشرية؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش يوماً من الأيام من دون دين؟

 ان هذه الأسئلة خاطَرَتْ الكثير من العقول المفكرة، وأصحاب النظريات الفلسفية والاجتماعية، فأدلى كلٌ منهم بدلوه، وظهرت نتيجة ذلك نظريات واتجاهات متعددة، في تفسير الظاهرة الدينية عند الإنسان، ومن هذه النظريات: نظرية الخوف.

وهذه النظرية لا تختلف كثيراً عن نظرية الجهل، غير أنّها تُركز على عنصر الخوف عند الإنسان من الظواهر الطبيعية، أو الصراعات ما بين الإنسان والحيوان، أو ما بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولأنّه لا ملجأ له إلاّ الاستعانة بقوة غيبية يستمدُّ منها العون والمساعدة، فيخضع لها لتساعده على كل ذلك. أو أنّه يرى أن سبب هذه الظاهرة قوة خفية تغضب عليه فتعاقبه بتلك الكوارث، لذلك ونتيجة خوفه منها يتجه إليها بالعبادة والخضوع، ومن هنا نشأ الدين.

ومن القائلين بهذه النظرية «اك برن وليم كف» في كتابه «مبادئ علم الاجتماع» حيث يقول: «لقد كان الدين يشبه السحر إلى حدٍ كبير في المراحل المتقدمة من تاريخ الإنسان، فإن الساحر والمتدين كانا يعملان معاً في إرضاء الطبيعة الساخطة، وتوفير الأمن لأنفسهم»[1].

ومن هؤلاء أيضاً «برتراند راسل» الفيلسوف الانگليزي المعروف، الذي يقول: «في عقيدتي، أن الاقبال على الدين والتدين في تاريخ الإنسان، ينشأ عن الخوف، فإن الإنسان يرى نفسه ضعيفاً إلى حدٍ ما في هذه الحياة... وعوامل الخوف في حياة الإنسان ثلاثة:
فهو يخاف ـ أولاً ـ من الطبيعة الّتي قد تحرقه بصاعقة من السماء، أو تبتلعه بزلزال في الأرض تحت قدميه.
 ويخاف -ثانياً - من الإنسان الّذي قد يسبب له الدمار والخراب والهلاك، بما يثير من حروب.
 ويخاف- ثالثا - من شهواته الّتي قد ينجرف معها، وتتحكم في سلوكه، وتفوّت عليه ما يندم عليه من ساعات استقراره وهدوئه. ويكون الدين سبباً في تعديل هذا الخوف والرعب، والتخفيف منه»[2].

مناقشة النظرية:
نعلق ـ أولاً ـ على كلام «اك برن وليم كف» الذي شبه الدين بالسحر، وجعل المتدين كالساحر، يعملان معاً لارضاء الطبيعة الساخطة.

فنقول: إنّ من الواضح جداً أنّ هناك فرقاً كبيراً بين ما يعتقده المتدين ويتوجه إليه، وبين ما يعتقده الساحر ويعمل فيه، وذلك لأنّ (القوى السرية الّتي يدعوها الساحر والكاهن أو مُناجي الأرواح، لا تقع صورتها في أخيلتهم على أنها شيء يعلوهم فيتطاولون إليه، بل على أنّها قرن ينازلونه، أو قرين يخاذلونه، وقد يرون لاَنفسهم من العلو والسلطان على تلك القوى بوسائلهم الخاصة، ما يستطيعون به أن يقتنصوها، ويخضعوها لأوامرهم، ويسخروها لرغباتهم، كما يسخر الكيمياوي عناصر الطبيعة المادية لمآربه. أما العابد، فإنّه يقف من معبوده موقف الخاضع المتواضع، الساعي في إرضاء سيده المشفق من غضبه وسخطه.

فالفاصل الأخير الّذي يتم به تصوير القوة التي يؤمن بها المتدين، أنها قوة علوية قاهرة، غير مقهورة، يخضع هو لها ولا تخضع له)[3].

ولكي نسلط الضوء أكثر على الموضوع ينبغي توضيح معنى السحر: السحر: هو صناعة يقصد منها إحداث الخوارق بطرق خفية. وهو فَنٌ قديم جدا، ورد ذكره في القرآن الكريم، وهو يتشعب إلى شُعب كثيرة.

لكنه على العموم فن يقوم على الاستعانة بالأرواح، ودعائها لتحقيق مآرب الساحر، وهذا هو الّذي ينصرف إليه اسم السحر عند إطلاقه، وهو الّذي قد يشتبه جنسه بالأعمال الدينية، بخلاف بعض الأعمال السحرية التي تعتمد الوسائل المادية، فمن هذا القسم نوع يقوم على المهارة وخفّة اليد، وهو المسمى بالشعبذة (وهي إراءة غير الواقع واقعاً، بسبب الحركة السريعة الخارجة عن العادة)[4].

ونوع ينتفع بالخصائص الطبيعية والكيماوية للأشياء، وهذا هو سحر علماء الصيدلة ونحوهم، ونوع يعتمد على حساب سير الشمس والقمر، ومواقع النجوم، وما يظّن من الارتباط بينها وبين حوادث الكون، وهو المسمى «التنجيم»[5].

(أما القسم الروحي، فالفرق الرئيسي بينه وبين الديانات، هو أنّ الاستعانة بالأرواح فيه استعانة استخدام وتسخير، لا استعانة عبودية وتمجيد وتقديس.

هذا وقد ذكر دوركهايم ومتابعوهُ فروقاً اُخرى فقالوا: إنّ وجه الانفصال بين الحقيقيتن هو: أنّ الأصل في الشعائر الدينية أن تُؤدّى في الجماعة، وأن الفكرة الدينية تؤلف بين معتنقيها في وحدة معنوية، وليس كذلك السحر الذي هو عمل فردي سري، فضلاً عن أنّه في الغالب ينتهك حرمة المقدسات الدينية، ويعكس أوضاعها»[6].

وبهذا يظهر بطلان هذا الرأي، الذي شبّه الدين بالسحر، وأن منشأ تكوّن الدين هو الخوف.

ونناقش ـ ثانياً ـ كلام « راسل » في إثبات هذه النظرية، فراسل يردّد النغمة السابقة في نظرية الجهل من حيث لا يشعر، لأن الخوف غالباً ما يكون بسبب الجهل والرد على هذا الكلام هو نفسه الرد على نظرية الجهل.

ثم إن راسل ذيّل كلامه بقوله: (وتفوّت عليه ما يندم عليه في ساعات استقراره وهدوئه)، فهو يعترف أن في الإنسان بعدين، هما الجانب الغريزي، والجانب الإنساني العلوي، والذي منه استمدّ فكره وشخصيه.

ويمكن أن نسأل راسل، أنّ هذا الندم من أي جانب من جانبي الإنسان يصدر؟ هل من جانبه الروحي العلوي، أم من جانبه الغريزي الحيواني؟

فإذا كان الثاني، فلماذا لا نرى هذا الشعور لدى الحيوانات، على الرغم من الاشتراك ما بين الحيوان والإنسان في هذا البُعد وهذا الجانب؟

وإذا كان الأوّل ـ وهو الجانب الروحي ـ فلماذا لا يكون الواعز الديني، والانشداد إلى عالم الغيب صادراً منه، كأيّ نتاج إنساني آخر، كالفن والفكر والصناعة وغيرها؟

والعجب من راسل كيف لا يلتفت إلى أن طبيعة الإنسان الفطرية هي البحث عن الحقيقة، ومحاولة معرفة العلل المحيطة به، وسبر المجهول والغيب؟ ألم يفكر الإنسان في ذلك الزمان في سبب وجوده، ووجود الأشياء من حوله، فيدرك بعقله النير، وفطرته التي تهديه، بأنّه لا بدّ وأن يكون له خالقٌ مدبرٌ حكيم، فيتوجه إليه بالعبادة والخضوع؟! أم إن راسل ومن يوافقه يريدون أن يسلبوا من الإنسان الأوّل حتّى التفكير الّذي يميزه عن الحيوان؟!

وإذا كان كلامه صحيحاً، فلماذا نرى كبار الفلاسفة والمفكرين، منذ الزمن القديم، منشدّين إلى الله بكل وجودهم، على الرغم من اختلاف تصورهم عن الله؟ إن نظرة واحدة إلى التاريخ الفلسفي في العصور القديمة تُجلّي الحقيقة بأبهى صورها.

   ونسأل مرة أُخرى: هل إن الالتجاء إلى الله تعالى، والاطمئنان به، تخلّصاً من الخوف الناشيء من الاختلاف أو الكوارث، فيه ما يعيب؟! وماذا يقول راسل عندما يقرأ آخر الأبحاث النفسية التي تؤكد أن الإيمان بالله تعالى علاج ناجح جداً، للتخفيف من المعاناة والعقد النفسية، الناتجة عن الكوارث وغيرها؟

   إنّ التوجه إلى الله تعالى في حالة الخوف ليس فيه ما يعيب، لأنّه من فطرة الإنسان، التي فطرها فاطر السموات والأرض، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)[7].

جاء رجل إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له: يابن رسول الله دلّني على الله ما هو، فقد كثر عليّ المجادلون وحيروني ؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «هل ركبت سفينة قط؟» قال: نعم. قال «فهل كُسِر بك حيث لا سفينة تنجيك؟» قال: نعم. قال: «فهل تعلّق قلبك هنالك، أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟» قال: نعم. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «فذلك الشيء هو الله، القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث»[8].

   ثمّ إن الالتجاء إلى الله تعالى في حالات الخوف لا يكون دليلاً على أن وجود الواعز الديني عند الإنسان هو نفس الخوف، وإنما يكون ذلك السلوك من الإنسان دليلاً على أنه لو لم يكن الإنسان قد آمن بهذا الخالق العظيم في طيات نفسه وضميره، واعتقد ذلك بما لا يقبل الشك، لما كان قد تعلق قلبه في وقت الشدة والخوف به، حيث لا منجي إلاّ هو لأن الإنسان قد يعتريه التكبّر والجحود، لا لكونه ليس مؤمناً في واقع فطرته، وإنما بسبب نزعة التمرد عنده، وهذا ما يشير إليه القرآن صريحاً بقوله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)[9]. وقوله: (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)[10].

إذن فالإنسان الذي يلتجئ في حالات الخوف إلى الله (إنما يكون تصور الخوف سبباً للانتباه إلى وجود الإله الخالق عبر ذلك الإذعان الفطري، وذلك البرهان العقلي، لا سبباً موجداً له في الذهن، وكم فرق بين كون الشي داعياً إلى أمر بسبب ملازمة عقلية أو عرفية بينهما، وبين كون الشيء موجداً لذلك الأمر في رحاب الذهن ومبدعاً له، والصحيح في المقام هو الأول دون الثاني).
 
النزعة الدينية بين الإلهيين والماديين – بتصرّف يسير


(1) الله خالق الكون / جعفر الهادي: 34.
[1] دور الدين في حياة الإنسان / الآصفي: 74.
[2] المصدر السابق.
[3] الدين / دراز: 45.
[4] منهاج الصالحين / للسيد الخوئي: 7 ـ المعاملات.
[5] منهاج الصالحين / السيد الخوئي: 7 ـ المعاملات.
[6] هامش كتاب الدين / دراز: 47.
[7] سورة يونس: 10 / 22.
[8] نوادر الأخبار: ص65، بحار الأنوار / للعلامة المجلسي 3: 41.
[9] سورة النمل: 14.
[10] سورة الكهف: 54.

06-08-2018 عدد القراءات 509



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا