15 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 05 صفر 1440 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: إضاءات إسلامية

الامامة وخلافة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) في الحكومة الاسلامية



ان الانسان بما يمتاز به من مواهب الهية، يدرك جيدا ومن دون تردد، ان اي مجتمع، في اية بقعة او مملكة او مدينة او قرية او قبيلة، وحتى في بيت واحد يتألف من عدة افراد، لن يستطيع ان يعيش ويـسـتـمـر فـي حـياته دون قائد او ناظر عليه، فهو الذي يجعل الحياة نابضة، ويحرك عجلات اقتصادها، ويحفز كل فرد من افراد المجتمع بإنجاز وظيفته الاجتماعية. فالمجتمع الفاقد لقائد، لا يـسـتـطيع ان يستمر في حياته، وفي اقل فترة ممكنة ينهار قوامه، ويسير نحو الهمجية والتحلل الخلقي.

فـعـلى هذا، فالشخص الذي يتولى قيادة مجتمع (سواء أكان كبيرا ام صغيرا) ويعير اهتماما لمنصبه ومقامه، يبدي عنايته لبقاء ذلك المجتمع، نجده يعين خلفا له فيما لو اراد ان يغيب عن محل عمله (سواء اكـانت الغيبة مؤقتة ام دائمية) ولن يتخلى عن مقامه ما لم يعين احدا، ولن يترك بلاده، او بقعته دون نـاظر او حارس عليها او قائد لها،لانه يعلم جيدا، ان غض النظر عن هذه المهمة وعدم استخلاف احد، يؤدي بمجتمعه الى الزوال والاضمحلال، كما لو اراد رب البيت ان يسافر عدة ايام او اشهر، فـانـه يـخـتـار احـدهـم (او احـدا غـيـرهـم) مـكـانه، ويلقي اليه مقاليد الادارة للبيت، وهكذا الـرئيـس لـمـؤسـسـة او الـمـديـر لمدرسة، او الصاحب لحانوت، وهو يشرف على موظفين او صناع يعملون تحت امرته، فلو قدر ان يترك محل عمله حتى لساعات قليلة فانه يختار احدهم ويعينه مكانه، كي يتسنى للاخرين الرجوع اليه، في المشكلات او المعضلات، وقس على هذا.

الاسلام دين قوامه الفطرة، وذلك بنص القرآن الحكيم والسنة النبوية، وهو نظام اجتماعي، يدركه كـل من له المام بهذا الدين، ومن ليس له صلة به والعناية الخاصة التي قد بذلها اللّه جل وعلا، ونبيه الكريم (صلى الله عليه وآله) لهذا الدين الجامع، لا ينكرها احد، ولا يسعنامقارنته مع اي شي آخر.

فـالـنـبي الاكرم (صلى الله عليه وآله)، كان لا يترك المجتمع الذي دخل في الاسلام، او المجتمع الذي قد سيطر عـلـيه الاسلام، وكذا كل بلدة او قرية كانت تقع تحت امرة المسلمين، دون ان يرسل اليها واليا او عـاملا، في وقت مبكر، كي يدير شؤون تلك المجتمعات او البقاع، وكان هذا داب النبي (صلى الله عليه وآله)، في الجهاد، فعندما كان يرسل كتيبة الى مكان ما، فانه كان يعين قائدا لها، و كان يعين اكثر من قائد احيانا، كـمـا حدث ذلك في حرب (مؤته) اذ عين (صلى الله عليه وآله) اربعة، فاذا ما قتل الاول، استخلفه الثاني من بعده، واذا ما قتل الثاني، استخلفه الثالث وهكذا.

وقـد ابـدى الاسـلام عـنـايـتـه بـموضوع الخلافة والاستخلاف عناية تامة، فلم يتغافل عن هذا الـمـوضـوع، ومتى ما اراد النبي (صلى الله عليه وآله) ان يترك المدينة، كان يستخلف احدا وفي الوقت الذي اراد الـرسـول الاعـظـم (صلى الله عليه وآله) الهجرة من مكة الى المدينة، عين عليا خليفة له في مكة، للقيام بالاعمال الـخـاصة به لفترة قصيرة، كاداء الامانات الى اهلها، وقد اوصى (صلى الله عليه وآله) عليا (ع) ان يقوم باداء الديون وما يتعلق بشؤونه الخاصة، بعد وفاته (صلى الله عليه وآله).

ووفـقـا لـهـذه الـقاعدة، فان الشيعة تدعي انه لن يتصور ان النبي (صلى الله عليه وآله) قبيل وفاته لم يوص لاحد يستخلفه في شؤون الامة من بعده، او انه لم يعين شخصا يقوم بادارة المملكة الاسلامية.

ولـيـس هـنـاك من شك، والفطرة الانسانية تقر بذلك، بان نشوء مجتمع يرتبط بمجموعة من عادات وتـقـاليد مشتركة تقرها اكثرية ساحقة لذلك المجتمع، وكذا يرتبط بقاؤها ودوامها بحكومة عادلة تتبنى إجراء تلك العادات والتقاليد إجراء كاملا، وهذا الامر لا يخفى على الشخص اللبيب او ان يتغافل عـنـه، في حين انه ليس هناك مجال للشك في الشريعة الاسلامية، بما فيها من دقة ونظام، ولما كان يبديه النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) من احترام وتقدير لتلك الشريعة، اذ كان يضحي بما في وسعه في سبيلها، ان يـهـمـل الـمـوضـوع او يـتـركـه، عـلـمـا بـأن النبي (صلى الله عليه وآله)، كان نابغة زمانه، في قوة تفكره، وفراسته وتدبيره، (فضلا عن ملازمات الوحي والنبوة وما تتبعها من تأييدات).

وكـمـا نجد في الاخبار المتواترة عن طريق العامة والخاصة، في كتب الاحاديث والروايات (باب الفتن وغيرها)، انه (صلى الله عليه وآله) كان ينبيء بالفتن والمحن التي ستلاقيها الامة الاسلامية بعده، وما يشوب الاسلام من فساد، كحكومة آل مروان وغيرهم، الذين غيروا وحرفوا الشريعة السمحاء، فكيف به (صلى الله عليه وآله) وهـو يـهـتم بأمور تحدث بعد سنوات عديدة متأخرة عن وفاته، وما تنطوي عليها من فتن ومـصـائب، يـتـغافل عن موضوع يحدث بعيد وفاته، وفي الايام الاول بعد رحلته (صلى الله عليه وآله)؟ عنايته لموضوع خطير من جهة، وبسيط من جهة اخرى، في حين كان يبدي اهتمامه لأبسط الامور الاعـتـيـاديـة، كـالاكـل والشرب والنوم وما شاكل، فنجده يصدر الاوامر اللازمة لهذه المسائل الـطـبـيـعـيـة، فـكـيف لا يبدي اهتماما لمسائل اساسية مهمة او ان يختار الصمت ازاءها، ولا يعين احدامكانه؟

وعـلى فرض المحال، لو كان تعيين القائد لمجتمع اسلامي في الشريعة الاسلامية، منوطا بالمجتمع نـفسه، لكان لزاما على النبي (صلى الله عليه وآله)، ان يصرح في هذا الخصوص ويشير اليه اشارة وافية، ويعطي الامـة الارشـادات اللازمة، كي تصبح واعية امام موضوع يضمن لها تقدمها وتكاملها، ويتوقف عليه شعائر دينها.

فـي حين اننا لم نجد مثل هذا التصريح، ولو كان هناك نص صريح لما خالفه من جاء من بعده، وذلك ما حـدث مـن الـخليفة الاول، وانتقال الخلافة الى الثاني بوصية منه، والرابع اوصى لابنه، اما الخليفة الثاني فقد دفع الثالث الى منصة الخلافة بحجة انه احال الامر من بعده الى شورى تتضمن ستة اعضاء، وقد عين هؤلاء الاعضاء، وكذا كيفية انتخابهم .

اما معاوية فقد استعمل الشدة في صلح الامام الحسن (ع)، واستتب له الامر، وبعدها صارت الخلافة وراثـيـة، وتـغـيـرت الشعائر الدينية، من جهاد وامر بالمعروف ونهي عن المنكر واقامة الحدود وغيرها كل هذه قد زالت عن المجتمع الاسلامي، فاضحت جهود الشارع هباء.

امـا الـشـيـعـة فـقد حصلت على هذه النتيجة خلال البحث والدراسة في الدرك الفطري للانسان، والسيرة المستمرة للعقلاء، وبالتعمق والفحص في الاسس الاساسية للشريعة الاسلامية التي مرامها احـيـاء هـذه الـفـطرة الانسانية، وبالتأمل في الحياة الاجتماعية التي كان ينتهجها النبي (صلى الله عليه وآله) وكذا بـدراسـتـه الـحـوادث المؤسفة التي حدثت بعد وفاته، والتي عانت الامة الاسلامية منها عناء بالغا، ودراسـة وضع الحكومات الاسلامية في القرن الاول، وما لازمها من قصور عن اداء وظائفهم، تصل الى هذه النتيجة.

ان هناك نصوصا كافية قد صرح بها من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) في خصوص تعيين امام وخليفة من بعده، وان الايـات والاخـبار المتواترة القطعية تشير الى هذا المعنى، كآية الولاية وحديث غدير خم وحديث الـسـفينة وحديث الثقلين، وحديث الحق وحديث المنزلة وحديث دعوة العشيرة الاقربين وغيرها، ولكن المراد من الايات والاحاديث آنفة الذكر قد أوّل وحرف لأسباب ودواع.


السيد محمد حسين الطباطبائي

31-07-2018 عدد القراءات 199



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا