27 أيار 2019 م الموافق لـ 21 شهر رمضان 1440 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: قصص أهل البيت (ع)

الغضب لله ومواجهة الظالمين



الفرزدق وهشام
مع أن هشام بن عبد الملك كان وليا للعهد في ذلك الوقت الذي بلغت فيه الدولة الأموية أوج عظمتها وتسلّطها. إلا أنه لم يستطع الوصول إلى "لحجر الأسود" بعد أن أتم طواف الكعبة بالرغم من محاولاته اليائسة.

كان حجاج بيت الله الحرام يرتدون لباسا واحدا هو لباس الإحرام، وكانوا مشغولين بأعمال واحدة هي أعمال الحج، وكانوا غارقين بأحاسيسهم الأخروية التي تشغلهم عن كل شخصية ومقام فكانوا سواسية لا يفرق بينهم شيء.

أما هشام فكان قد جلب معه الرجال والحشم ليحفظوا له أبهته وفخامته، وكان هؤلاء صاغرين ازاء عظمة الحج وسموه المعنوي.

كرّر هشام محاولته اليائسة للمس الحجر ولكنه رجع خائبا لشدة الازدحام واجتماع الخلق، فأمر بأن ينصب له عرش على مكان مرتفع حتى ينظر إلى الحجيج ويملأ عينيه ويتفرج على هذا الاجتماع المهيب.

وبينما هو وحاشيته على هذه الحال إذ شاهد رجلا يعلو سيماءه التقوى والورع، يغطي جسمه قميص أبيض مثل سائر الحجاج، بدأ بالطواف حول الكعبة ثم توجه بخطوات مطمئنة يريد لمس الحجر الأسود، فلما رآه الناس انفجروا قسمين وتنحّوا عنه هيبة وجلالا.

دهش الشاميون لهذا المنظر العجيب ولم يستطع أحدهم أن يمسك نفسه عن أن يسأل هشاما قائلا: من هذا يا أمير المؤمنين؟

فأجاب هشام: لا أعرفه.

والحقيقة أن هشاما كان يعرفه حق المعرفة إلا أنه قال ذلك حتى لا يرغب أهل الشام به.

ترى من الذي يملك الجرأة في تعريف هذا الشخص..ومن ذا الذي لا يخاف سيف هشام وسطوته، فيقدم على تعريف الرجل الشامي بهذا الرجل؟

لم يوجد من هو أشجع من الفرزدق الذي لم يبال بما سيلحقه من تشرد وأذى أن هو أجاب، فقال: أنا أعرفه!

فقال الشامي: من هو يا أبا فراس؟

فأنشأ الفرزدق قصيدته الغراء في مدح الإمام زين العابدين،علي بن الحسين عليه السلام والتي منها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عباد الله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

فغضب هشام لسماع هذه القصيدة وقال الفرزدق: إلا قلت فينا مثلها؟ فقال الفرزدق: هات جدا كجده وأبا كأبيه وأما كأمه حتى أقول فيك مثلها؟

فأمر هشام بحبسه في "عسفان" بين مكة والمدينة فحبس ولكنه لم يأبه بذلك، فلما بلغ خبره علي بن الحسين عليه السلام بعث إليه باثني عشر ألف درهم وقال: أعذرنا يا أبا فراس فلو كان عندنا أكثر من هذا لو صلناك به، فردها الفرزدق وقال:

يا ابن رسول الله ما قلت فيك الذي قلت إلا غضبا لله ورسوله وما كنت أريد أن أرزق عليه شيئا، فردها الإمام عليه السلام ثانية إليه وقال: بحقي عليك، تقبلها فقد رأى الله مكانك وعلم نيتك، عند ذلك قبلها الفرزدق1.

*قصص الابرار، الشيخ مرتضى مطهري، التعارف، ص65-68.


1- بحار الانوار ج11 ص36.

30-10-2009 عدد القراءات 8354



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا