17 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 28 صفر 1439هـ
En FR

القائد الخامنئي :: خطاب القائد :: 2017

لدى لقاء العاملين على إقامة مؤتمر تكريم السيّد مصطفى الخميني



كلمة سماحة الإمام الخامنئي لدى لقاء العاملين على إقامة مؤتمر تكريم السيّد مصطفى الخميني (رضوان الله عليهما)_22/10/2017

متواضع شجاع ألهب استشهاد شعلة الثورة الإسلامية


بسم ‌الله‌ الرّحمن ‌الرحيم (۱(

والحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله الطّاهرين لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

أتقدّم بجزيل الشكر من الأخوة الأعزاء الذين فكّروا وقرروا أن يحيوا ذكرى هذا العزيز ويكرّموه ويقوموا بتبيين مميزات شخصية هذا الرجل العظيم وصاحب القيم الرفيعة؛ إن هذا العمل هو احترامٌ للإمام (الخميني) وهو أيضًا احترامٌ لتلك الشخصية (السيّد مصطفى).

دور السيد مصطفى في حركة الثورة:
أ ــ قيادته للجماهير المعتصمة إحتجاجا على اعتقال الإمام
لقد تألق المرحوم الحاج السيّد مصطفى (رضوان الله تعالى عليه) ولمع نجمه حقًّا في موقفين. أحدهما في أوائل النهضة –في الخامس عشر من خرداد- والثاني في بداية الحركة الشعبية الجماهيرية. هناك حيث وجّه تلك الحركة العظيمة في الواقع من خلال قيامه ودخوله إلى الصحن المطهّر للسيّدة المعصومة. وهنا أيضًا ومن خلال رحيله وحادثة فقدانه، فقد استنهض عواطف وأحاسيس هذا المحيط الهادر.

في الموقف الأول، أنا لم أكن حاضرًا وقتها في قم، بل كنت في السجن في تلك الأيام؛ ولكنّ الحاج السيّد مصطفى (رضوان الله عليه) أثبت بأنه النسخة الثانية للإمام نفسه، من حيث جنسه ومعدن شخصيته الأصيل. لقد أظهر هذا الأمر في الواقع. في تلك الحادثة العجيبة وبعد هجوم الشرطة ورجال الأمن وأحداث طهران وقم، نهض وذهب الى صحن الحرم في قم واعتصم هناك. حيث جاء بعض المناضلين والشجعان من شباب قم، كالمرحوم الحاج ميرزا أبو القاسم وكيلي وأمثاله والتفوا حول السيّد مصطفى -كما وصلتنا الأخبار فيما بعد– وقاموا بقيادة الجماهير وتوجيهها. في ذلك اليوم الذي كان الإمام (رضوان الله عليه) قد اعتقل في ليلته، بعد عاشوراء. حسنًا، لقد كان عملًا كبيرًا جدًّا وبالغ الأهمية.

ب ــ إستشهاده الهب الإنتفاضة والثورة
بعدها قاموا باعتقال السيّد مصطفى أيضًا، وبقي في سجن "قزل قلعه" لمدة. ثم جاءت تلك الحادثة المريبة ورحيله بهذا الشكل الغامض، والتي أصابت أصدقاءه بالصدمة. أي إنّ أحبابه – من أمثالنا في مشهد– في الحقيقة عندما سمعنا بهذا الخبر، كان وضعنا كمن أصابته صاعقة. فمن جهة كانت خسارة هذه الشخصية الغالية والاستثنائية، ومن جهة أخرى كان القلق على الإمام، وماذا سيحل به لفقدانه هذا الشابّ، هذا الرجل. ولكن لم يكن أحد ليتصور أنّ هذه الحادثة المؤلمة للأصدقاء إلى هذه الدرجة، ستتمكن من خلق انتفاضة كهذه، وإيجاد هذا التيار المتلاطم؛ وهذا ما حصل بالفعل. وما قاله الإمام بأن رحيل السيّد مصطفى كان من الألطاف الإلهية الخفية(2)؛ والحقيقة بأنه كذلك؛ وكم يحتاج الموقف إلى عظمة لينظر والدٌ إلى فقدانٍ كهذا لولده بهذه النظرة، ومن هذه الزاوية للقضية، ليس من زاوية وقوع مصيبة، وليس كمسألة شخصية.

كان رائدا متقدما على أقرانه علما وفضلا
كان المرحوم الحاج السيّد مصطفى إنسانًا بارزًا. بالطبع فأنا لم أره من بعد سفره: أولًا إلى تركيا، ومن بعدها إلى النجف. وكنت أطّلع من بعيد على بعض أحواله وأخباره. لكن عندما كان في قم، وكنا نحن في قم أيضًا، كنت على معرفة كاملة به وعلى علاقة به عن قرب. أولًا، وعلى المستوى الذهني والاستعداد العلمي، كان من ضمن الأفراد الذين قلّ نظيرهم؛ أي إنّه كان في الواقع صاحب استعداد أعلى من الآخرين وذهن وقّاد كما عبّر الشيخ رشاد (3). وهذا التعبير صحيح بشكل كامل. كان يدرس بشكل جيد كذلك. مع أنّه كان من أهل "القعدة" (لقاء أو سهرة متعارفة بين طلاب العلوم الدينية) وما شابه. والحال أنّنا لم نكن نرى هذا، ولكن كان يقال إنه كان يبقى أحيانًا لساعتين في الليل في صحن الحرم في "قعدات. لكنه كان ينكبّ على الدرس والمطالعة عند عودته للمنزل. كان رائدًا متقدمًا على جميع أقرانه؛ على الجميع. فكان أكثرهم فضلًا وأكثرهم فهمًا ووعيًا. بناءً على هذا فقد كان إنسانًا بارزًا على المستوى العلمي والذهني.

جرأة علمية كبيرة: إشكالاته على الإمام والده؛ مثالا
ولقد كان كذلك أيضًا على صعيد الجرأة العلمية؛ أي انه كان إنسانًا جريئًا. أنا لا أنسى إشكالاته على درس الإمام. كان يورد الإشكالات على درس الإمام في أصول الفقه. كان يجلس في الخلف ويرفع صوته عاليًا. كان مشهدًا عجيبًا تعامل هذا الوالد مع ولده. كان يُشكل على الإمام. عندما كان يريد طرح الإشكال، يرفع من جلسته قليلًا؛ يجلس بطريقة يكون فيها وجهه ظاهرًا بوضوح ومرتفعًا. كان يتکلم بصوتٍ عال. وكان الإمام في الدرس ويرفع صوته عاليًا في الكثير من الأوقات؛ وخاصة على الأشخاص الذين يستمرون في الجدل بعد حلّ الإشكال. فكان يفعل هذا أيضًا في مقابل هذا الابن، فيرفع صوته ويباحثه بالمسألة. كانت مشاهدَ جميلةً حقًّا. عندما ينظر الإنسان إلى الحوزات العلمية، عندما تقع هذه السنن الحوزوية في يد أناس لائقين ومميزين فإن هذا ما ينتج عنها. بالطبع فإن الإمام نفسه كان في "أصول الفقه" إنسانًا ينسف مبانيَ ويضع مبانيَ أخرى؛ أي إنه لم يكن يبحث حول كلام الآخرين وأفكارهم ويدور حولها. الإمام نفسه كان يضع مبانيَ. الإمام العظيم كان من جملة الفقهاء والأصوليين الذين هم أصحاب مبانٍ شاملة وجامعة. مثل بعض الأعلام الكبار كالمرحوم "الآخوند" (4) والمرحوم "النائيني" ونظرائهما. كان ذا شخصية كهذه. أي إنه لم يكن مجرد "ملاّ" (عالم دين تقليدي ومدرّس عادي) ويقوم بتدريس درس الأصول، ويمكن لأيّ كان أن يُشكل عليه. لكنّ هذا الشابّ كان يطرح الإشكالات. الزمن الذي أتكلم عنه لعل الحاج السيّد مصطفى في تلك السنوات 38 أو 39 أو 1340 هجريًّا شمسيًّا (59 و60 و1961م) في سنّ الثلاثين أو الواحدة أو الاثنتين والثلاثين، وليس أكثر. ولكنه كان هكذا. كانت جرأته العلمية كبيرة؛ وهذا واضح مشهود في كتبه. الكتب التي بذل السيّد سجادي(5) جهودًا كبيرة لحفظها وجمع الكثير من آثاره وأعماله بشكل كامل.

• تصديه لأحد مبتكرات الإمام الأساسية في علم ألأصول
كان لدى الإمام مبنى أصولي مهم باسم "الخطابات القانونية"؛ فكان يعتبر بأن الخطابات الشرعية هي من قبيل "الخطابات القانونية"؛ وهذا مبنى بالغ الأهمية ويؤثّر على عدة مسائل أصولية أساسية. ولقد عمل الإمام على هذا المبنى، وتفكّر به وقام ببيانه في الأصول بعد مقدّمات عديدة. وقد بيّنه في عدة مواضع؛ من جملتها في مكانه الأساسي (في درس الأصول). وبعد عدة مقدّمات – لعلّها ست أو سبع مقدّمات– وهنا يقوم الحاج السيّد مصطفى بالتصدي لهذا المبنى. حسنًا، يقوم أولًا بالمدح والتقدير، والحق أنه جدير بهذاز هذا مبنى يستحق الثناء. فيمدحه بشكل مفصّل ويصفه بأنه عمل رائع. والحق أن ما يقوله صحيح ـ فهي فكرة بديعة ابتكرها الإمام ـ ثم يبدأ بالمناقشة: يذكر المقدّمات التي طرحها الإمام واحدة واحدة ويعلّق عليها، فيقول: "كلا، لا حاجة لهذه المقدّمة، وبالأصل لا علاقة لها بالموضوع". وهكذا يرفض تلك المقدّمة، ثم يتناول المقدّمة التالية، ومن ثم التي بعدها. مع العلم أنه كان يثبت هذا المبنى ويقوم بتمتينه وليس نسفه. فالواقع أن ذلك المبنى لا يمكن رفضه. هذا المبنى الأصولي الذي وضعه الإمام لا يمكن رفضه حقًّا، وإن كان الكثيرون يخالفونه. وخلاصة الكلام، إنّ المرحوم الحاج السيّد مصطفى هو هكذا؛ ذو استعداد رفيع على المستوى العلمي. تعب على نفسه، وكان يتمتع بجرأة علمية عالية. أنا قرأت في إحدى كتاباته – ولا أذكر الآن أين وفي أي سنة – أنه عندما كان يحضر دروس العلماء والمدرسين المعروفين في النجف، كان يطرح إشكالات على كل منهم في المسائل المهمة التي يطرحونها. لقد بذل السادة جهودًا كبيرة وجمعوا كل هذه (الآثار والأعمال والسيرة)؛ كان السيّد مصطفى هكذا. هذا في المجال العلمي وما شابه.

يتحاشى الظهور كأبن لشخصية مرموقة كالإمام الخميني
على الصعيد العملي، الحق والإنصاف بأن الحاج السيّد مصطفى كان إنسانًا ممتازًا. هذا أمر مهم. ابن شخص كالإمام الخميني – حسنًا، كان مشهورًا معروفًا في قم؛ سواء قبل المرجعية أو خلال تصديه لها- ولكن لم يكن لدى الحاج السيّد مصطفى ذرّة من علامات "أبناء الشخصيات والمسؤولين". كان الإمام يقيم في الأيام الفاطمية عدة مجالس عزاء في منزله وفي مجالس العزاء تلك أيضًا، لم يكن المرء يرى بأن الحاج السيّد مصطفى يأتي ليظهر نفسه مع الإمام ويلتصق به؛ على الرغم من أنه كان عاشقًا للإمام، وسأذكر لاحقًا كلامًا عن هذا الأمر. فقد كان حقًّا من الأبناء العاشقين لآبائهم. في الواقع كان يعشق الإمام، لكنه لم يكن يتحرك مطلقًا ويدور حول الإمام ويتصرف كالحواشي و"أبناء الشخصيات والمسؤولين"، فيما بعد حين بدأت التحركات الثورية في العام 41 ه.ش.(1962م) كان منزل الإمام يشهد تحركات ولقاءات عديدة كل يوم عصرًا أو مساءً، فكنا يوميًّا نرى الحاج السيّد مصطفى وقد جلس أمام الباب. هذا الإنسان الذي كان قلّما يُرى هناك قبلها، منذ أن بدأت حركات النضال في العام 41ه.ش. في قضية اللجان (6) صار يأتي يوميًّا ويجلس هناك، أي إن منهجه كان منهجًا ثوريًّا.

كان معرضا عن الدنيا بسيطا متواضعا شجاعا
بالنسبة لبساطة الحياة والوضع المعيشي، كان المرحوم الحاج السيّد مصطفى زاهدًا بكلّ معنى الكلمة؛ على صعيد اللباس والسلوك والطعام ومصاريف الأسرة. الحقيقة إنه كان إنسانًا مُعرضًا عن الدنيا وزاهدًا فيها. في الفترة الأخيرة التي كنا نلتقي فيها – ليس عندي اطّلاع كبير على فترة إقامته في النجف- وإلى ما قبل زمن النهوض الثوري، كان قد تحلّى بتوجّه مميّز في السير والسلوك؛ كان لديه توجّهات معنوية، كان من أهل الذكر والحضور وهذه الأجواء. وهذا جانب آخر من شخصيته أيضًا.
وهناك بعدٌ آخر من شخصية الحاج السيّد مصطفى، هو شجاعته؛ في الواقع حين يقول الإمام إنّه كان أمل مستقبل الإسلام، فهذا بسبب الشخصية الجامعة للسيّد مصطفى. من الناحية العلمية، وكذلك لجهة تهذيب النفس ومراقبتها، وأيضًا لأجل الشجاعة التي تحلّى بها. المرجع الذي ينبغي أن يتولّى أمور الناس في قم، يجب أن يتمتع بالشجاعة. يجب أن يتمكن من فهم قضايا المجتمع؛ وأن يتخذ القرار ويقوم به، حيث يجب أن يقرر وينفّذ. للإنصاف، فإن الحاج السيّد مصطفى (رضوان الله عليه) كان هكذا؛ على كل حال، كان شخصية بارزة مميزة.

للقائمين على حفظ تراثه الفكري: لتبيين جامعيته العلمية
لقد قمتم بإنجازٍ جيد جدًّا حيث تصدّيتم للعمل على آثاره وأفكاره. مع العلم بالطبع، بأن الكثير من أعماله بقيت في منتصف الطريق ولم يكملها. هذا التفسير وأمثاله، كلها بقيت أجزاءً غير مكتملة وأنصاف كتب. لعل الأكثر تفصيلًا هو عمله ذلك على أصول الفقه (7)، والا فإن لديه أبحاثًا فقهية وتفسيرية وحتى في العلوم الغريبة – في تفسيره ذلك (8) يتناول العلوم الغريبة وما شابه – وفي كل تلك المواضيع لديه آراء وأفكار. أعتقد أنه من المناسب والمستحسن العمل على تبيين جامعيّته العلمية. لقد نظرت في ذلك الفهرس الذي أعددتموه حول الأعمال التي تتناولها المقالات، راجعت هذا الفهرس، وهو تفصيلي. إن استطعتم أن تضعوا مقالة أو عدة مقالات مستندة وجيدة حول كل هذه العناوين، فسيكون أمرًا جيدًا جدًّا. أي إن هذا يستحق الجهد، وهو عمل لائق. وبالتأكيد فإن الله تعالى قد جعل هذا الرجل وسيلة لإظهار بعض أبعاد شخصية الإمام (رضوان الله عليه)؛ فالإمام، سواء في تربية هذا الشابّ حيث استطاع إعداده بهذا الشكل، أو في التحمّل والصبر الذي أبداه على مصيبته، قد أظهر هويةً لنفسه لم تكن معروفة عن الإمام من قبل، وبيّنت عظمة الإمام. نأمل أن يرفع الله درجاته إن شاء الله.

لقد كان – المرحوم الحاج السيّد مصطفى– محبًّا للإمام، متعلقًا به بشدة؛ بشكل قوي. ولقد شاهدت هذا بنفسي في قم؛ وكذلك حدث في النجف أمر تم نقله لي أيضًا. كان حساسًا بشكل عجيب على حفظ شأن الإمام، بحيث إنه وفي مقابل أدنى تعرّض للإمام أو خدش لشخصيته، كان ينتفض ويعترض ويواجه بشكل حادّ وقوي جدًّا. وكما ذكرت فقد رأيت أنا بنفسي نموذجاً عن رد الفعل هذا في قم، وكنت على اطلاع عن قرب، ونُقل لي نموذج آخر مشابه من النجف.

على أي حال، نسال الله أن يرفع درجاته وأن يرفع درجات الإمام العظيم، وأن يوفقنا لنتعرف ــ إن شاء الله ــ أكثر الى هذه الشخصيات العظيمة، وأن يوفقكم لتتمكنوا من متابعة هذا العمل على أفضل وجه إن شاء الله.

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته‌


1- مؤتمر تكريم المقام العلمي والخدمات العلمية والثورية لآية الله الشهيد السيّد مصطفى الخميني، وقد أقيم في طهران وقم برعاية مركز أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي.
2- صحيفة الإمام، ج۳، ص ۲۳4.
3- حجة الإسلام والمسلمين علي أكبر رشاد (رئيس مركز أبحاث الثقافة والفكر الإسلامي ) وقد ألقى كلمة عن أعمال المؤتمر في بداية اللقاء.
4- الملّا محمّد كاظم خراسانی (المعروف بالآخوند الخراسانی).
5- حجّة‌ الإسلام والمسلمين السيّد محمّد سجّادي (مدير مؤسّسة الشهيد مصطفى الخميني للأبحاث والتحقيقات).
6- قرار من الشاه باسم لجان الولايات يجري تعديلات على القانون وتحذف شرط الإسلام في بعض المناصب وتلغي القسم على القرآن الكريم وما شابه، وقد تصدّى الإمام لهذا القرار واستطاع بدعم الجماهير إجبار الشاه على إلغائه بعد أشهر من صدوره في العام 1962م.
7- تحریرات في الأصول.
8- تفسير القرآن الكريم.

30-10-2017 عدد القراءات 154



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا