20 آب 2017 الموافق لـ 27 ذو القعدة 1438
En FR

الأسرة والمجتمع :: الإسلام والحياة

النبوّة والإمامة وقيادة الأمّة الإسلاميّة



مهامّ النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم

قال تعالى: ﴿ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ 1. للنبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مهامّ مختلفة، يختصُّ بها دون غيره، ولا تتعلّق إلّا به، وإذا ما انتقلت إلى الآخرين، فإنّما تصدر عنه إليهم، كما صدر بعضها بالفعل. ولقد جمع النبي صلّى الله عليه وآل هذه المهامّ الثلاث بأمرٍ ربّاني، وهي:

١. النبوّة والرسالة:

يتجلّى دورها في تبليغ الأحكام الإلهيّة الّتي كان يتلقّاها عن طريق الوحي، فكان يُبلغ الناس بما يوحى إليه مكلّفاً بذلك بصفته رسولًا ونبيًّا. قال تعالى: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ 2. ومن الأحكام الّتي كان يتلقّاها ويؤمر بتبليغها: الصّلاة والصّوم والحجّ والزكاة وسائر المعاملات، وكلّ ما يتعلّق بالممارسات العباديّة وغيرها، مع العلم أنّ التعليم كان يرافق عمليّة التبليغ، وكان الناس في المقابل يشعرون بمسؤوليّتهم إزاء هذه المَهمّة النبويّة، فيأخذون عنه ما يلقي عليهم.

٢. القضاء:
أمّا ثاني هذه المهام، فهي مَهمّة القضاء، وهي مَهمّة مقدّسة، وعندما أقول: مقدّسة، فإنّي أقصد: أنّها يجب أن تصدر من قِبل الله - جلّ شأنّه - حتى يتيَسّر له أن يكون نبيًّا. وهذه المَهمّة، أعني القضاء والحكم بين الناس، منصب حسّاس ومُهمّ، لذلك ينبغي أن يفوّض من قِبل الله تعالى لأحد، حتى يتمكّن من الحكم بين الناس.

والحكم بين الناس يأتي بسبب الاختلاف الحاصل بينهم من حيث الحقوق الاجتماعيّة، وهذا ما يتطلّب وجود شخص يحمل مؤهّلات الحكم لأجل إحقاق الحقّ، وهذا الشخص يبثُّ في الأمر وفق قانون معيّن بعدما يقوم بدراسته وتحقيقه.

إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن نبيًّا هاديًا فحسب، بل كان قاضيًا أيضًا، والمنصبان أعني: النبوّة والقضاء، يقبلان الفصل في حدّ ذاتهما، ومنصب القضاء منصب مقدّس، والقاضي ينبغي أن يُنَصَّب من قِبل الله تعالى. وقد قال عزّ من قائل: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا 3. هذه الآية تتعلّق بمنصب القضاء الّذي كان للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وتريد من الناس التسليم الكامل أمام حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتنبّههم أن لا يتوقّعوا تحّيز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأحدهم عندما يحكّموه. فعلى سبيل المثال: لو أنّ مسلمَيْن ترافعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قضيّة، وكان أحدهما من المسلمين المهاجرين الّذين ضحّوا بأموالهم، وفارقوا زوجاتهم وأولادهم في سبيل الله، والثاني من المسلمين الجدد، فلا يتوقّع المسلم الأوّل تحيّز النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانبه باعتبار سابقته في الإسلام، وكذلك لو كان المترافعان مسلمًا وذميًّا ممّن يعيش في ظلّ المسلمين، وله معهم ميثاق، وكانت المرافعة تدور حول قضيّة مالية، فلا يتوقّع هذا المسلم كذلك تحيّز النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانبه؛ لأنّ هذا خلاف المنطق الإيماني، أعني التوقّع خلاف المنطق الإيمانيّ، لأنّ الإيمان في هذه المواطن يتحقّق بالتسليم الكامل لقرار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وحكمه عند الترافع إليه.

فالآية المذكورة ترتبط بالقضاء كأحد المهامّ الّتي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمارسها.

٣. الحكومة:

وأمّا ثالث هذه المهامّ، فهي مَهمّة الحكومة الّتي فوّضها الله تعالى إلى نبيّه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، وينبغي أن تكون الحكومة من قِبل الله جلّ شأنه حتّى تضمن شرعيّتها. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان حاكمًا على الناس، وكان سياسيًّا ورئيس دولة، ومسؤولًا عن المجتمع، وقد أسّس صلى الله عليه وآله وسلم حكومة في المدينة كان يرأسها بنفسه، وكان يصدر الأوامر، ويعلن النفير العامّ أو التعبئة العامّة عندما تقتضي منه الظروف ذلك، وكان يأمر بزراعة محصول من المحاصيل في السنة الفلانيّة، وهكذا كان دأبه طيلة عشر سنين، وهي الفترة الّتي حكم فيها بصفته رئيسًا للدولة الإسلاميأة في المدينة المنوّرة. فمنصب الحكومة وإدارة شؤون الأمّة هو غير منصب النبوّة، ومنصب القضاء، فكان يبيّن الأحكام، ويبلّغ الأوامر الصادرة عن الذات الإلهيّة المقدّسة بصفته نبيًّا، وكان ينظر في دعاوى الناس ومرافعاتهم بصفته قاضيًا، وكان يدير شؤون الأمّة السياسيّة والاجتماعيّة بصفته حاكمًا ورئيسًا.

الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهامّ الثلاثة
يقول تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ 4. هذه الآية الكريمة تطالب الناس أن يتحلّوا بالانضباط والطّاعة المطلقة في مقابل الحاكم الربّاني، وأن ينفّذوا ما تُصدر السلطة من أوامر دون نقاش. ونحن - الإماميّة - نستفيد من هذه الآية المباركة بصفته دليلًا قاطعًا على أنّ ذكر:
﴿ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ يرتبط بالخلافة. فالآية تتحدّث عن منصب الخلافة، وهذا منصب آخر، وهو منصب مقدّس كذينك المنصبَيْن اللّذَيْن كانا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وتعيين الخليفة يتمّ بأمر من الله تعالى بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهنا يثار موضوعان: الأول: هل إنّ الله تعالى أمر نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين خليفة بعده، وتفويض تلك المهام له، أم لا؟ نعم، ولكن ليس بمعنى اقتضاء النبوّة للنيابة، ومجيء نبيّ آخر بعده؛ لأنّه خاتم الأنبياء، ولا نبيّ بعده، وبما أنّه مبيّن للأحكام، فلا بُدّ له من تعيين أحد يُبيّن الأحكام بعده مع الفارق من حيث إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلقّى الأحكام من الوحي بصورة مباشرة، أمّا الّذي يأتي بعده فيتلّقاها منه، ويبلّغها للناس، وهذه هي الإمامة، وهي منصب علميّ ومرجعيّة على جميع الأصعدة السياسيّة والاجتماعيّة والتربويّة والاقتصاديّة وغيرها.

هذا بالنسبة إلى تعيين الأحكام كمَهمّة من مهامّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه أن يفوضّها لمن يأتي بعده. أمّا القضاء فهو كذلك على نفس النمط، أي: لا بدّ أن ينتقل أيضًا إلى خليفة النبيّ ووصيّه، وذلك لأنّ منصب القضاء لا يُلغى بموت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، حيث إنّ الناس بحاجة إلى من يقضي بينهم، وينظر في دعاواهم، ويحكم في المشاجرات الحاصلة في وسطهم، لذلك لا بدّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يعيّن شخصًا بعده للقضاء ورفع الخصومات حتّى ترفرف العدالة بأجنحتها على الناس، وتقصّ أجنحة الظلم والفوضى. لكن هناك اختلاف في هذه القضيّة بين الإماميّة وغيرهم من المسلمين؛ فعامّة المسلمين يرون أنّ الخليفة نفسه له الحقّ في ممارسة منصب القضاء، أو يعيّن قاضيًا. أمّا الإماميّة فيرون أنّ هذا المنصب هو من حقّ الإمام المعيّن من قِبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الإمامة تعني الحكومة، والحكومة لا تسقط بموت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لحاجة الناس إليها بعده.

إنّ الذي قصدته من وراء بحثي هذا هو أنّ تلك المهامّ الثلاث الّتي يختصّ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنتقل بشكل من الأشكال إلى من يأتي بعده، باستثناء النبوّة حيث إنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعرف الأحكام عن طريق الوحي، أمّا الذي يأتي بعده فيعرفها ويتعلّمها عن طريقه، أعني: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه يقوم بتعليم الخليفة وإعداده ليكون مرجعًا للناس من بعده.

هذا فيما يخصُّ الموضوع الأول، أمّا الموضوع الثاني: فيدور حول منصب النبوّة من حيث تفرّده عن منصبَيْ القضاء والحكومة، إذ هو منصب شخصي تعييني، أي لا يمكن أن يكون عامًّا مطلقًا. أمّا منصبا القضاء والحكومة فيمكن أن يكونا عامَّيْن، أعني بذلك: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يسعه توضيح منصب النبوّة، أو الإمامة بشكل عام، مثلًا أن يقول: كلّ من حاز على المؤهّلات الفلانيّة فهو نبيّ أو إمام، إذ ربما وجد بينهم مئة شخص كلّهم يحملون تلك المؤهلات، فهذا لا يمكن حدوثه أبدًا. أمّا القضاء والحكومة في تعيين مؤهلات من يتولاهما بشكل عام، أي إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول مثلًا: كلّ من يحمل المواصفات الفلانيّة، يمكنه أن يكون قاضيًا، وهذه المواصفات على سبيل المثال: العلم بالقرآن، معرفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإدراك النبوّة، العدالة، ترك الدنيا والإعراض عنها، ولو توفّرت فإنّها تكون مصداقًا للحاكم المذكور في نصّ المعصوم "قد جعلته عليكم حاكمًا"5.

فمثل هذا الشخص يمكنه القضاء بين الناس، ويمكن القول: إنّه منصّب من قِبل الله تعالى على النحو غير المباشر، وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر مبدأ في القضاء، يستطيع بموجبه أن يكون قاضيًا.

نحن الإمامية أتباع أهل البيت نقول: إنّ الشرط الأول في القاضي أن يكون مجتهدًا، أي أخصّائيًا في حقل القضاء، والشرط الثاني أن يكون طاهر المولد، والثالث: أن يكون عادلًا غير فاسق ولا منحرف، والرابع: أن لا يرتكب خلافًا أو معصية، وأن لا يكون مرتشيًا، وهذا الشرط الأخير لا يقتصر على القضاء فقط، بل يشمل الشؤون الحياتيّة كافّة، أي لا يكون القاضي ممّن يرتكب المعصية ويقترف الذنب في ممارساته ونشاطاته الأخرى، وذلك لأنّ البعض يقولون: إنّ القاضي ينبغي أن يكون أمينًا، وغير مرتشٍ، وأن لا يقع تحت تأثير الآخرين في مجال عمله فقط، ولا إشكال لو كان من شاربي الخمر؛ لأنّ شرب الخمر لا علاقة له بالقضاء.

أيّ كلامٍ هذا؟! والإسلام يقول: إنّ شغل القضاء مقدّس إلى الحدّ الّذي لا يحقّ فيه لأحد ممارسته إلّا إذا كان نزيهًا في كلّ حياته، إذ لا تقتصر النزاهة على القضاء فقط،


بل تشمل كلّ ميادين عمله ونشاطه. فلو كانت عدم نزاهته خارج القضاء فقط، فلا يحقّ له أيضًا أن يكون قاضيًا، لكن لو وجد أحدًا حائزًا على هذه الشرائط، وتحلّى بكلّ مؤهّلات هذه المهنة المقدّسة، فيمكننا أن نطلق عليه: أنّه مُنَصّب من قِبل الله تعالى.

منصب القضاء في عصر الغيبة الكبرى
إنّ الشخصّ الّذي يبيّن الأحكام الإلهيّة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام، لكن قد انتهت مرحلة الإمامة وليس هناك من إمام يرجع إليه الناس، فماذا يفعلون إذًا؟ والجواب هو أنّ الإمام قد عيّن نائبًا عامًّا له حسبما ورد عن أحد الأئمّة المعصومين عليهم السلام ما نصّه "انظروا إلى من روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، فقد جعلته عليكم حاكمًا"6. وقد يأتي أحد فيدّعي أنّ من حقّه تعيين قيّم على القاصرين، وهذا نقول له: إنّ هذا المنصب مقدّس، والمنصب المقدّس ترتبط قدسيّته بالتنصيب الإلهي، وهذا التنصيب إمّا مباشر بتحديد شخص معيّن، أو غير مباشر من خلال ذكر الشرائط بشكل مجمل.إلى هنا لا مناقشة في هذا الموضوع من ناحية المبادئ الإسلامية، ولو ادّعى شخص أنّ له حقّ الإفتاء، وعلى الآخرين العمل بفتواه، فينبغي الالتفات قبل كلّ شي إلى أنّ هذا المنصب منصب مقدّس، وأنّ كفاءة بيان الأحكام الإلهية هي مِنحة ربانيّة، منَّ الله بها على نبيّه الكريم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أوّلًا وتحوّلت من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإمام عليه السلام، ثمّ من الإمام إلى من توفّرت فيه الشرائط المطلوبة، فهل هذه الشرائط متوفّرة في الشخص المفتي أم لا؟ وهل هو في حدّ من الكفاءة والتأهيل بحيث يليق بهذا المنصب المقدّس أم لا؟ فلو كان كذلك، وانطبق عليه ما ورد عن المعصومين عليهم السلام بقولهم: "أمّا من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه حافظًا لدينه تاركًا لهواه مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلّدوه". فهو مستحقّ لمنصب الإفتاء ومرجعيّة المسلمين، وإلّا فالموضوع هو من المواضيع الّتي كان لها وجودها في التاريخ الإسلاميّ، ومنصب الإمامة والمرجعيّة العلميّة منصب خاصّ لا يُفوّض إلى كلّ أحد.

المرجعيّة الفكريّة والعلميّة بعد النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
أتذكّر أنّ المرحوم آية الله العظمى السيّد البروجردي كان يُنبّه على هذا الموضوع مرارًا، وكان يقول: هناك موضوعان لو فصلناهما عن بعضهما لزالت اختلافاتنا مع إخواننا السُّنّة، وكانت النتيجة في صالحنا، وهذا الموضوعان هما: موضوع الخلافة والقيادة، وموضوع الإمامة. فبالنسبة إلى الخلافة، نحن نقول بأحقيّة الإمام عليّ عليه السلام لها، وهو الخليفة بعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، في حين يرى المسلمون عامّة أنّ الخلافة لأبي بكر، وبالنسبة إلى الإمامة، فنحن لا نناقش مسألة الحكومة كمَهمّة من مهامّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط، وذلك لأنّ للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مهامًا أخرى، منها: مَهمّة الرسالة والنبوّة وتبيين الأحكام، والّذي يهمّنا هو أن نعرف من هو الشخص المؤهّل لمرجعيّة الأحكام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويكون كلامه حجّة علينا؟ (وليكن من كان).

بعد ذلك يجيب - رحمه الله - عن أنّ بعض الروايات ذكرت أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نصّ على الإمام علي عليه السلام خليفة وحكامًا من بعده، وبعضها ذكر أنّه نصّ عليه مرجعًا للأحكام أيضًا، ونحن نقول لإخواننا السُّنّة: إنّ لنا معكم حديثًا حول الخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ليس محلّه الآن، وذلك لأنّ موضوع الخلافة قد انتهى، فلا عليّ موجود حتى يكون خليفة ولا أبو بكر، لذلك نوصد باب النقاش على هذه القضيّة هنا، بيد أنّه يظلّ مفتوحًا في مجال حِجيّة قول من يأتي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهنا نقول: إنّ الحديث المشهور وهو: "إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ..."7 يوضّح بلا شكّ أنّ الحجيّة لقول الأئمّة عليهم السلام وإنّ منصب الإفتاء والمرجعيّة العلميّة للعترة الطاهرة الّتي أذهب الله عنها الرجس وطهّرها تطهيرًا، وهذا ما ينفعنا في الحياة الحاضرة، حيث إنّنا نرجع إلى رالعترة الطاهرة في تعلّم الأحكام، وربّما يثار هنا سؤال وهو: هل أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم صرّح بحجيّة قول عترته، وأنّها كحجيّة قوله صلى الله عليه وآله وسلم؟ نعم، إنّه صرّح بذلك مرّات، فلا نقاش إذًا في قضية الخلافة؛ لأنّ ملفّها قد طُوي كما يقال.

أمّا قضيّة أخذ الأحكام فقد كانت وما زالت موجودة، وستبقى كذلك؛ لأنّها قضية تعيش مع الإنسان ومع متطلّبات الحياة، وهي من ضروريات كلّ مرحلة يعيش فيها جيل من الناس، فلماذا نتعب أنفسنا في مناقشة قضيّة الخلافة، ولا نناقش قضيّة معاصرة مُهمّة ألا وهي قضيّة المرجعيّة ومَهمّة الافتاء والقضاء؟ مع أنّنا نتمسّك باعتقادنا الاستدلاليّ القويّ من أنّ عليًّا هو الخليفة الشرعيّ بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن التفريط بهذا أبدًا؛ لأنّ القضيّة قضيّة حقّ لا مناص عنه، ولو قُدّر للإمام عليه السلام أن يتسلّم مقاليد الأمور لكانت الأوضاع غير ما هي عليه الآن في العالم الإسلاميّ، بيد أنّ هذا بحث نظري يتعلّق بالماضي.أمّا بالنسبة إلى القضاء، فلم يكن له إلّا الإمام عليّ أيضًا، وكان هو القاضي بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. أمّا الخلفاء الّذين حكموا بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتدخّلوا في القضاء، لأنّ مَهمّته عسيرة، ويحتاج إلى كفاءة علميّة عالية. ولذلك كان الخلفاء يرسلون خلف الإمام لحلّ كثير من المشاكل والدعاوى القضائيّة، ولا سيّما في زمن عمر، حيث كان يقول: "عليّ يقضي بينكم"، وكان الإماميبادر إلى حلّ كلّ معضلة تبرز في هذا الحقل.

لقد كان منصب القضاء منصبًا مهمًّا وحسّاسًا، وعندما توسّعت رقعة الدولة الإسلاميّة ازدادت الحاجة إلى وجود قضاة أكثر حيث كانت كلّ ولاية بحاجة إلى قاضٍ، ولذلك فُصِل القضاء عن منصب الخلافة، وأصبحت له استقلاليّته إذ كان الخليفة يمارس عمله في حدود صلاحياته المحدّدة له ما عدا القضاء الّذي كان يمارسه قاض مستقلّ يعيش في مركز الخلافة، وأما بقيّة الولايات والأمصار فكان يعيّن لها القضاة من مركز الخلافة، ولا بدّ أن يكونوا من العدول. بعد ذلك ازدادت أهمّية القضاء شيئًا فشيئًا حتّى برز منصب جديد في القضاء هو منصب "قاضي القضاة"، وأوّل من تسلّم هذا المنصب هو "أبو يوسف" تلميذ "أبو حنيفة". وقد ذكرت قبل ليالٍ أنّ "أبا حنيفة" هذا لم يساوم العبّاسيّين، أمّا تلميذه "أبو يوسف"، وهو من أبرز تلامذته، فقد ساومهم، وذلك بحكم منصبه ومسؤوليّته في تعيين القضاة وإرسالهم إلى الولايات والأمصار مع العلم أنّهم يجب أن يُرسلوا من مركز الخلافة، فلا بدّ إذًا من وجود منصب أعلى في القضاء، وهو قاضي القضاة حتى يتسنّى له إرسال القضاة، وكان هذا المنصب يُشبه وزارة العدل في يومنا هذا تقريبًا.

كان "أبو يوسف" أوّل شخص يتولى هذا المنصب، وهو أوّل من فصل زيّ القاضي عن الأزياء الأخرى، حيث كان الزيّ قبله موحّدًا، ولكي يكون هناك امتياز معيّن للقضاة قام باختيار زيّ مستقلّ لهم يختلف عن بقيّة الأزياء، ولا أدري هل كان هذا العرف سائدًا في عصور ما قبل الإسلام أم لا؟ أي: هل كان زيّ القضاة مستقلًّا ومتميّزًا في تلك العصور، أم أنّه ظهر لأوّل مرّة في عصر "هارون الرشيد"؟ مع العلم أنّ زيّ طلبة العلوم الدينيّة قد استقلّ وتميّز عن بقيّة الأزياء منذ ذلك العصر.

* الإسلام والحياة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1 سورة الحشر، الآية 7.
2 سورة المائدة، الآية 99.
3 سورة النساء، الآية 65.
4 سورة النساء، الآية 59.
5 الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 67.
6 راجع: الشيخ الكليني، الكافي، ج 1، ص 67.
7 العلامة المجلسي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج 2، ص 226.

31-07-2017 عدد القراءات 258



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا