20 آب 2017 الموافق لـ 27 ذو القعدة 1438
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: روح العبادة

آداب القرآن الكريم المعنوية



دور القرآن في تحقيق العبودية
قال الله تعالى في الذكر الحكيم: ﴿ وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 1. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي بَعْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الدُّعَاء"2. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين المشهور قال: "إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ"3.

نلحظ في هذه النصوص المباركة موقعاً متقدّماً للقرآن الكريم بين العبادات والتكاليف التي أمرنا الله تعالى ورسوله بها، حيث اعتُبِرت قراءة القرآن الكريم أفضل العبادات، وأُمِرنا باتّباعه، وجُعِل التمسّك به الى جانب التمسّك بأهل البيت عليهم السلام تكليفاً أساسياً لا غنى عنه لمن يريد الهداية والابتعاد عن الضلالة.

فالقرآن الكريم هو خطاب الرب الى العبد وكلام الخالق مع المخلوق، وقد أودع فيه سبحانه وتعالى شريعته وحقائق دينه وأنزله للناس هادياً وسراجاً منيراً، وأمر نبيّه والأوصياء من بعده أن يفسّروا آياته ويبيّنوا تعاليمه. فهو كلمة الله التامّة وإرادته الكاملة للبشرية في كل زمانٍ ومكانٍ.

وهو كتاب الهداية الأوحد الذي يهدي إلى صراط الله المستقيم: ﴿ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ 4.

يقول الإمام الخميني قدس سره: "وهذا الكتاب الشريف هو الكتاب الوحيد في السلوك إلى الله، والكتاب الأحدي في تهذيب النفوس وفي الآداب والسنن الإلهية، وهو أعظم وسيلة للربط بين الخالق والمخلوق"5.

وهو الحبل الممدود بين الله وعباده، فمن أراد تحقق العبودية في وجوده فإن القرآن هو الوسيلة وهو الغاية في آنٍ معاً:

هو الوسيلة لأنه دلّنا إلى سبيل العبودية لله تعالى وهو مظهر هداية الله التامة، فإن كانت العبودية تعني التعلُّق بالمولى وإرادته ففي القرآن الكريم كلّ ما يتعلّق بمراد المولى من عبده في هذه الحياة: ﴿ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ 6. وإن جميع مقاصد القرآن، مثل الدعوة إلى معرفة الله وإلى تهذيب النفوس وبيان قوانين ظاهر الشريعة والآداب والسنن، غايتها النهائية تحقيق العبودية في وجود الإنسان على الصعيدين الاجتماعي والفردي. وإن امتثالنا لأوامر الله ورسوله بالتمسّك بالقرآن الكريم واتّباعه هو إذعانٌ لله وخضوعٌ له وهذا تجسيدٌ للعبودية له تعالى.

ومن جهةٍ أخرى هو غاية لأنه حوى جميع مراتب الكمال والغنى الذي لا حد له، فهو صراط العروج في مراتب الكمال لأنه الغنى الذي لا غنى دونه ولا بعده، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "القرآن غنى لا غنى دونه ولا فقر بعده"7.

وكلّ آيةٍ فيه تمثّل درجةً من درجات الجنة التي حوت كلّ كمال. فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا جاء يوم الحساب قيل لقارئ القرآن: اقرأ وارقَ. فلا يكون في الجنة من الدرجات إلا بعدد آيات القرآن الكريم"8.

الآداب المعنوية لقراءة القرآن الكريم
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "تعلّموا القرآن واقرأوه واعلموا أنه كائنٌ لكم ذكراً وذخراً، وكائنٌ عليكم وزراً..."9.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "البيت الذي يُقرأ فيه القرآن ويُذكَر الله عزَ وجلّ فيه تَكثُر بركته وتَحضُره الملائكة وتهجره الشّياطين ويُضي‏ء لأَهل السّماء كما تُضي‏ء الكواكب لأهل الأرض، وإنّ البيت الّذي لا يُقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزَ وجلّ فيه تَقلّ بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشّياطين"10.

إن المطلوب من قراءة القرآن الكريم ليس فقط تحريك اللسان به بل المطلوب انتقاش صورته في القلب، بما يحويه من معارف إلهية، وتثبيت الإيمان والتوحيد والأحكام والتعاليم الإلهية وتأثير الأوامر والنواهي فيه. ولا يتحقّق هذا إلا في ظل مراعاة آداب القراءة الباطنية. فللقرآن ظاهرٌ وللتعامل معه أحكام، وله باطنٌ ولا يمكن الوصول إليه من دون مراعاة الآداب المعنوية للتعامل معه، وفيما يلي نذكر نبذة عن أهم الآداب المعنوية لقراءة القرآن الكريم.

أوّلاً: التعظيم:
التعظيم أدبٌ ينشأ من خلال إدراك عظمة شيءٍ أو شخص، ويظهر في حركات أعضاء الإنسان وأقواله وأفعاله. وهو أمرٌ وجداني فطري مغروز في طبيعة البشر. وإن عظمة كلّ شيء في الحقيقة ترجع إلى كماله، وإلى مرتبته الوجودية. ولأن القرآن هو الكمال الذي لا حدّ له ومظهر أسماء الله وصفاته، فإننا عاجزون عن الإحاطة به، وما ندركه فيه هو أننا لن ندركه أو نحيط بعظمته، وهذا أكبر تعظيم قلبي.

إن الله تبارك وتعالى لسعة رحمته بعباده أنزل هذا الكتاب الشريف من مقام قربه وقدسه، لتخليص المؤمنين من سجن الدنيا المظلم، وإيصالهم من حضيض النفس والضعف والحيوانية إلى أوج الكمال والقوة والإنسانية، ومن مجاورة الشيطان إلى مرافقة الملكوتيين، بل الوصول إلى مقاصد أهل الله ومطالبهم، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكنّهم لا يُبصِرون"11. وقد حوى هذا الكتاب الحكيم جميع مراتب العظمة الممكنة في أي كتاب، فالكاتب أو المنزل هو الله سبحانه، جامع كلّ صفات الجمال والجلال على الإطلاق الذي عجزت العقول عن إدراك كنه عظمته. فلا يمكن الإشارة إليه بعينٍ أو اسمٍ أو رسمٍ لأنه أكبر من أن يوصف. وحامله هو جبرائيل أمين الوحي وملك الملائكة وهو عند ذي العرش مكين. أما شارحه ومبيّنه فهو الرسول الأعظم صاحب المقام الأكرم أعظم خلق الله وأفضل أنبيائه ورسله، وخلفاؤه العظام أصحاب السرّ المكنون والمقام المصون الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. أما وقت تنزيله فهو ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر.

إن كلّ كلامٍ يستبطن روح متكلّمه. والهدف من القراءة، الانتقال من ظاهر القرآن إلى باطنه ومن باطنه إلى الباطن الذي يليه حتى الوصول إلى معدن العظمة بخرق جميع الحجب. ولا يمكن أن يحصل هذا الانتقال في قراءة القرآن إلّا مع استحضار عظمة المتكلّم والحضور عنده.

ثانياً: رفع الموانع وإزالة الحجب:

إذا علمنا أن التمسّك بالقرآن تكليفٌ أساسيٌّ، وأردنا البدء بأداء هذا التكليف، سنجد أحياناً أن بيننا وبينه حجاباً غليظاً ومانعاً نفسياً كبيراً يسدّ علينا طريق الإقبال عليه أو تحصيل الفوائد الموعودة منه. ففي الكتاب الإلهي وعدُ الله بالرحمة المطلقة والهداية الشاملة لكل من تمسّك به: ﴿ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 12، فلماذا لا نلحظ هذه الآثار التي وعدنا الله بها في أنفسنا عندما نقرأ القرآن؟

إن المشكلة ترجع إلى تقصيرنا ونقصاننا. فالله تعالى يقول ﴿ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ وهو شرطٌ لتلك الهداية العظيمة التي ستنتهي إلى الله: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 13. ونحن لم نراعِ شروطه التي تتطلّب منا الطهارة المعنوية: طهارة الضمير والفكر والقلب، فكلّ دنسٍ أو رجسٍ في الباطن مانعٌ من عبور نور القرآن إلى الباطن، وأهم الحجب التي تلوّث باطن الإنسان، وتمنعه من تحصيل الاستفادة هي:

1. رؤية النفس مستغنية:
وهذا الحجاب ينشأ من تسويلات إبليس ومكائده الكبرى، حيث يزيّن للإنسان دائماً الكمالات الموهومة، ويقنعه بها حتى يسقط القرآن الكريم من اهتماماته وأولوياته وبالتالي يسقط من عينه الكمال الحقيقي وسبل تحصيله. فمثلاً، يقنع أهل التجويد بعلمهم إلى حد أنه تسقط من أعينهم جميع الأبعاد الأخرى للقرآن. أو أنه يرضي أصحاب الأدب بما عندهم، أو أن يشغل أهل التفاسير المتعارفة بوجوه القراءات والآراء المختلفة لعلماء اللغة، بل إنه يمكن أن يحبس الفيلسوف في حجاب غليظ من المصطلحات والمفاهيم أيضاً على حساب معارف القرآن وحقائقه وهكذا...

إن التدبّر في نفس القرآن يبيّن فساد هذا الحجاب وخطورته. فالأنبياء العظام والأولياء الكرام ما اقتنعوا يوماً بما وصلوا إليه بالرغم من مقاماتهم الشامخة ودرجاتهم الرفيعة، وهذا سيّدهم حبيب إله العالمين يؤمر من جانب الحق: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا 14.

2. العقائد الباطلة:
منذ صدر الإسلام وإلى يومنا هذا، والتحريفات المتعمّدة تنصبّ على كتاب الله. فالحكّام الظلمة من جهةٍ والتيارات والمذاهب المختلفة من جهةٍ أخرى قاموا بإلقاء مجموعةٍ من الآراء الفاسدة والأفكار الباطلة حول القرآن الكريم، جعلت الاستفادة المطلوبة منه بعيدة المنال، وبهذا أضحى القرآن غريباً مهجوراً. ومن جملة ما ألقوه في هذا المجال أن معرفة الله تعالى غير متيسّرة لأحد، وأن هذه المعرفة من المستحيلات. وعشرات الإلقاءات الأخرى التي سدّت الطريق على الإنسانية ومنعت من الاستفادة الواقعية من القرآن.

3. الذنوب والمعاصي:
إن لكلّ عملٍ من الأعمال - صالحها أو سيّئها - صورة في عالم الملكوت تتناسب معه، وله صورة وانتقاش في النفس أيضاً. فإما النورانية وإما الكدورة والظلمانية. وعندما تصدر المعصية من الإنسان، ويتمادى في الذنوب، يتدنّس قلبه ويُظلم، ويقع بالتدريج تحت سلطة وتصرّف الشيطان. وعندها تصبح قوى الإنسان وجوارحه، كالسمع والبصر وغيرها... تحت تصرّف هذا الخبيث، عندها سوف ينسدّ سمع الإنسان عن المعارف والمواعظ الإلهية، ولن ترى العين الآيات الباهرة بل تعمى عن الحق وآثاره. مثلما قال تعالى: ﴿ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ 15. إن القلب محل انعكاس أنوار القرآن. فإذا كان المحل متكدراً بظلمة الذنوب ومحجوباً بحجاب المعاصي لن يرى من القرآن سوى الألفاظ والحروف، بل قد يؤدّي ذلك إلى عدم رؤية القرآن كلياً.

4. حجاب حب الدنيا:
ومن الحجب الغليظة التي هي سدٌّ منيعٌ بيننا وبين معارف القرآن ومواعظه، حب الدنيا. هذا الحب يصرف القلب عن القرآن ويجعل تمام همّته في الدنيا، فيغفل عن ذكر الله. وكلّما ازداد التعلق بالدنيا وشؤونها ازداد حجاب القلب ضخامةً، فينسى صاحبه كل خير حقيقي وجمال معنوي ولا يرى الكمال إلاّ في الدنيا والمادة. ولأن القرآن دعوة إلى الآخرة والكمالات المعنوية فسوف يراه مخالفاً لما يريد وسداً أمام شهواته فيعرض عنه. وهذه عاقبة الإقبال على الدنيا وزينتها.

والمهم بعد التعرّف الإجمالي على هذه الحجب الشائعة أن نكتشفها في أنفسنا ونسعى لإزالتها، لأنها ستبقى المانع الأكبر أمام سطوع أنوار القرآن في قلوبنا.

ثالثاً: فهم مقاصد القرآن:
هذا الأدب عبارة عن التوجّه والتعرّف إلى مقصد الآية، ليكون هذا مقدّمة لأمر آخر وهو التدبّر. ولا شك بأن المقصد والهدف الأساسي للقرآن الكريم ولكلّ آياته هو هداية الإنسان إلى كماله الحقيقي. هذا الهدف يتفرّع منه أهداف تكون بمنزلة المقدّمات أو الشؤونات والتفاصيل وقد وزّعت على آيات القرآن. فمن أراد التدبّر بشكلٍ صحيحٍ عليه أن يتجسّس المقصد من الآية، ويتعرّف على ما أُريدَ منه. ويوجد سبعة مقاصد أساسية في القرآن المجيد، هي:

1. الدعوة إلى معرفة الله: كما في قوله تعالى: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ 16، ﴿ هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ 17.

2. الدعوة إلى تهذيب النفوس: كما في قوله تعالى: ﴿ وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا 18.

3. قصص الأنبياء والأولياء وكيفية تربيتهم: كما في قوله تعالى: ﴿ نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ 19.

4. ذكر أحوال الكفار والجاحدين وعاقبتهم كما في قوله تعالى: ﴿ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 20.

5. بيان قوانين ظاهر الشريعة والآداب والسنن: كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 21.

6. ذكر أحوال المعاد واليوم الآخر: كما في قوله تعالى: ﴿ لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ 22.

7. الاحتجاجات الربانية على الناس: كما في قوله تعالى: ﴿ لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ 23.

رابعاً: التفكّر:
إذا تعرّف الإنسان إلى المقاصد الأساسية من القرآن، وأدرك أن كلّ مقصدٍ يريد أن يأخذ بيده إلى المقصد الأسمى والغاية القصوى، عليه أن يراعي أدباً آخر وهو التفكّر. والمقصود منه أن يبحث ويتقصّى عن المقصد من كل آيةٍ يقرؤها. قال الله تعالى: ﴿ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 24. في هذه الآية مدحٌ عظيمٌ للتفكّر، لأنّ غاية إنزال الكتاب السماوي العظيم قد جعلت في احتمال التفكّر. وهذا من شدّة الاعتناء به، حيث إن مجرّد احتماله صار موجباً لهذه الكرامة العظيمة.

وحيث إن مقصد القرآن، هو الهداية إلى سبل السلام والخروج من جميع مراتب الظلمات إلى عالم النور، والهداية إلى صراط مستقيم، كما قال سبحانه: ﴿ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 25، فلا بد أن يحصّل الإنسان بالتفكّر في الآيات الشريفة مراتب السلامة، من أدناها أي للقوى الظاهرة الملكية إلى أعلاها، وهي حقيقة القلب السليم.

والتفكّر هو تجسّس البصيرة، وهي بصيرة القلب للوصول إلى المقصد، وهو السعادة المطلقة التي تحصل بالكمال العملي والعلمي، فإذا وجد القارئ المقصد، وتبصّر في تحصيله، انفتح له طريق الاستفادة من القرآن الكريم، وفتحت له أبواب رحمة الحق، فلا يصرف عمره القصير الفاني ورأس ماله على أمور ليست مقصودةً في رسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وبالنسبة لمثل هذا الشخص، يصبح التفكّر في القرآن بعد مدّةٍ أمراً عادياً. وتنفتح له طرق الاستفادة بشكلٍ لم يسبق له مثيل. وحينئذٍ يفهم معنى كون القرآن شفاءً للأمراض القلبية.

خامساً: التطبيق:
تبيّن الآية المباركة: ﴿ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 26، أن تحقق الهداية القرآنية موقوفٌ على الاتّباع والعمل.

فليس القرآن مجرّد كتاب يحتوي على المعارف والمفاهيم. كما أن هدفه لم يكن تزويدنا بالمعلومات وزيادة علومنا فقط. إن الهداية وإن كانت موقوفةً على العلم والمعرفة، لكن هناك أمرٌ آخر أكثر ضرورةً وأهميةً وهو العمل بمقتضى العلم وتطبيق ما نعرفه في حياتنا. في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"27.

والاستفادة الحقيقية من القرآن الكريم متوقفةٌ على هذا الآدب وهو تطبيق مضمون الآيات القرآنية بعد تعلّمها والتعرّف إليها في حياتنا اليومية. وكيفية التطبيق تتمّ بأن يتفكّر القارئ في كلّ آيةٍ يمرّ عليها، فيستخرج مفادها العملي ويقوم بتطبيقه على نفسه. مثلاً، إذا قرأ قصة آدمعليه السلام وما جرى عليه، وفكّر في سبب مطرودية الشيطان من جناب القدس، مع تلك العبادات الطويلة والسجدات الكثيرة، وسأل نفسه لماذا أخرج الله تعالى إبليس من جوار قدسه، بعد أن كان في مجمع الملائكة. سيعلم أن كثرة العبادة لا تشفع للإنسان، وإن الصفات الإبليسية التي هي التكّبر والاستعلاء تكون سبباً للطرد والبعد. فهذا العجب صار سبباً لحب النفس والاستكبار، وصار سبباً لعصيان الأوامر الإلهية والتمرّد على الحق تعالى.

فالتفكّر في هذه الأسئلة وغيرها يوصل القارئ إلى حقيقة أن هذا التعليم للأسماء هو التحقّق بحقيقتها التي هي كمالات وجودية واقعية، والاسم في الحقيقة ظهور الكمال الواقعي، أما ما نعبّر به عنه بالألفاظ فهو اسم الاسم.

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "من قرأ القرآن ولم يعمل به حشره الله يوم القيامة أعمى فيقول: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ 28 فيؤمر به إلى النار"29.

* روح العبادة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1 سورة الأنعام، الآية 155.
2 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج90، ص300.
3 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج27، ص33.
4 سورة النحل، الآية 89.
5 الإمام الخميني، الآداب المعنوية للصلاة، الباب الرابع: في ذكر نبذة من آداب القرءة وقطعة من أسرارها، الفصل الثالث، في بيان طريق الاستفادة من القرآن الكريم.
6 سورة النحل، الآية 89.
7 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص168.
8 م.ن، ص224.
9 الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج4ن ص254.
10 الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص610.
11 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج89، ص107.
12 سورة المائدة، الآيتان 15 ـ 16.
13 سورة هود، الآية 56.
14 سورة طه، الآية 114.
15 سورة الأعراف، الآية 179.
16 سورة النور، الآية 35.
17 سورة الحديد، الآية 3.
18 سورة الشمس، الآيات 7-10.
19 سورة يوسف، الآية 3.
20 سورة البقرة، الآية 86.
21 سورة البقرة، الآية 43.
22 سورة آل عمران، الآية 198.
23 سورة الأنبياء، الآية 22.
24 سورة النحل، الآية 44.
25 سورة المائدة، الآيتان 15 - 16.
26 سورة المائدة، الآيتان 15-16.
27 العلّامة المجلسي، بحار الأنوار،ج 40، ص 128.
28 سورة طه، الآيتان 126-125.
29 الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج6، ص183.

24-07-2017 عدد القراءات 213



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا