26 تموز 2017 الموافق لـ 02 ذو القعدة 1438
En FR

القائد الخامنئي :: خطاب القائد :: 2017

كلمة الإمام الخامنئي لدى لقاء المسؤولين الرسميين



كلمة الإمام الخامنئي لدى لقاء المسؤولين الرسميين في السابع عشر من شهر رمضان المبارك_12/6/2017

بسم الله الرحمن الرحيم (1)

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين، لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

مرحبًا بكم أيها الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات والمسؤولون المحترمون. هذا اللقاء هو من اللقاءات المباركة في عامنا هذا. المسؤولون المحترمون حاضرون من مختلف القطاعات ويسمعون تقارير جيدة؛ كما إنّ السيد رئيس الجمهورية قدَّم اليوم تقريرًا جيدًا. وهكذا جرت العادة، بأن يُقدِّم رؤساء الجمهورية في هذا اللقاء تقارير عن أعمالهم ونشاطاتهم الإيجابية كل منهم بشكل من الأشكال. حسنًا، هكذا تتعرّف الأذهان والأفكار إلى المعلومات والأخبار والحقائق؛ وبحمد لله، إنه لقاء مبارك من هذه الناحية أيضًا.

بقي أقلّ من النصف.. فلنغتنم الفرصة
لكن ما أريد عرضه في بداية حديثي هذا يتعلق بشهر رمضان المبارك، وقد قضينا حتى الآن أكثر من نصف هذه الفرصة الذهبية، وبقي أقل من نصفها الآخر. على الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات، المسؤولين المحترمين وعلينا نحن خاصةً، أن نغتنم هذه الفرصة بأفضل ما يكون؛ فرصة الإنابة، فرصة العودة إلى الله تعالى، فرصة تنوير القلب وجعله غضًا طريًا، فرصة التضرع، فلنتضرّع إلى الله تعالى. لا شكَّ أن كل واحد منكم في أي قطاع كان عمله، لديه مشكلات ونواقص ويحتاج إلى عناصر وعوامل؛ يجب أن نطلب هذه الأمور من الله. إضافة إلى عملكم وجهودكم، لا شك أنّ دعاءكم وتضرّعكم أمرٌ ضروري ومطلوب؛ يجب علينا أن لا ننسى هذا التضرّع.

ورد في أدعية عدة، منها دعاء أبي حمزة الثمالي الشريف: «ولا ينجّي مِنك إلَّا التَّضَرُّعُ إلَيك» (2). سبيل نجاتنا هو التضرع إلى الله تعالى. حسنًا، التضرّع إلى الله تعالى الذي هو مصدر نجاتنا - نقول «لا ينجّي مِنك إلَّا التَّضَرُّعُ إلَيك» - كيف يكون هذا التضرع وسيلة نجاة؟ الأفراد الضعفاء أيضًا قد يتضرعون أحيانًا لأناس آخرين، فما الفرق بين هذين؟ ما هو الفرق والتفاوت بين التضرّع إلى الله والتضرّع إلى «عباد الله»؟ المهم أن نلتفت إلى هذه النقطة. التضرع إلى عباد الله هو من أجل أن تليّنوا قلب ذلك الشخص الذي تتضرعون إليه، أما التضرع إلى الله فهو من أجل أن نُليّن قلوبنا، ونُنقذ قلوبنا من القسوة، هذا هو سبب النجاة؛ إذا خرج القلب من حال القسوة ولان فسوف يكتسب النورانية، ونورانية القلب هذه هي التي تفتح الطرق أمام الإنسان وتمنحه الأمل وتجعله يُجِّدُّ ويجتهد ويعمل، وتهديه إلى الدروب الصحيحة. إذا وُجدت التقوى سيمُنّ الله تعالى بهدايته على الإنسان. هذه التقوى ناجمة عن تلك الحال من لطافة القلب ونعومته ونورانيته؛ هذا هو أساس المسألة.

أدعية تُليّن القلوب
جاء في سورة الزمر المباركة: «فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ» (3)، هكذا هي القلوب القاسية، القلوب المبتلاة بالقسوة. تذكر هذه الآية لهم الضلال المبين. ويقول عزَّ وجلَّ في سورة المائدة المباركة عن بني إسرائيل: «فَبِما نَقضِهِم ميثاقَهُم لَعَنّـٰهُم وجَعَلنا قُلُوبَهُم قاسِية» (4)، مظهر اللعنة الإلهية كان قسوة قلوبهم الناتجة عن أعمالهم «فَبِما نَقضِهِم ميثاقَهُم». نسوا عهدهم مع الله تعالى ونقضوه. هذه أمور ينبغي الالتفات إليها في مجتمعنا المؤمن، وخصوصًا بالنسبة إلينا نحن المسؤولين الذين تقع مسؤوليات على عاتقهم في القطاعات المتعددة. في سورة البقرة المباركة يقول تعالى عن بني إسرائيل أيضًا: «ثُمَّ قَسَت قُلوبُكم مِن بَعدِ ذٰلِك فَهِي كالحِجارَةِ اَو أشَدَّ قَسوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يتَفَجَّرُ مِنهُ الأنهار»(5)، أصبحت قلوبهم أشد قسوة من الحجارة؛ هذا ما يقوله النبي الأكرم نقلًا عن الله سبحانه وتعالى وهو يجادل ويحاجج يهود المدينة ويذكرهم بماضيهم. كل هذه دروس ووعي وعبر وموعظة لنا، فيجب أن نسعى ونبذل الجهود. ورد في حديث قدسي في الكافي الشريف: «والقاسِي القَلبِ مِنّي بَعيد» (6). البُعد عن الله تعالى أسوأ الآفات بالنسبة إلى الإنسان، أنْ يصبح الإنسان بعيدًا عن الله تعالى، ولقسوة القلب مثل هذه الخصوصية إنها تُبعد الإنسان عن الله. أو في رواية أخرى: «ما ضُرِبَ‌ عَبدٌ بِعُقوبَةٍ أعظَمَ مِن قَسوَةِ القَلب» (7).

حسنًا، يجب الاستفادة من هذه الأيام، شهر رمضان المبارك هو فرصةٌ جيدة؛ يمكن الاستفادة من الأدعية في هذا الشهر -سواء الأدعية الخاصة بالأسحار أو تلك الخاصة بالأيام والليالي- وهي أدعية تُليّن مضامينها قلوبنا، وكذلك الاستفادة من الصيام نفسه والاهتمام بالواجبات؛ نحن نحتاج لهذا. إذا غفل مجتمعنا الإسلامي والثوري عن ذكر الله والخشوع والتضرع إليه، فسوف يتلقّى الضربات بلا شك، سوف يتلقّى الصفعات؛ وسيفشل حتمًا. لن نصل إلى تلك الأهداف السامية وتلك المطالب المنشودة إلّا إذا استطعنا مواصلة مساعينا الإيمانية والصادقة؛ وهذا غير ممكن إلّا عبر التوجه إلى الله تعالى وزيادة نورانية القلوب واتصال القلوب بالله تعالى؛ هذا هو لب كلامنا حول اغتنام فرصة شهر رمضان وهو برأيي أهم من كل ما سنقوله. هذا هو أساس كلامنا: أنْ ننتبه ونراقب أنفسنا. وأنا طبعًا أول المخاطبين بهذا الكلام، فأنا العبد أتحمل مسؤولية أكثر منكم، ويقع على عاتقي عبء أثقل من أعبائكم، وأنا نفسي أحوج إلى هذا الكلام؛ الواجب عليّ وعليكم أن نتنبه ونتوجه ونستفيد من هذا الشهر ومن هذه الفرصة؛ وليالي القدر أمامنا.

حسنًا، هذا اللقاء هو فرصة لتناول بعض المسائل العامة والمهمة والكلية في البلاد، لكي تطرح هنا بعض القضايا التي قد تكون أحيانًا موضع حوار ونقاش وبحث واختلاف في وجهات النظر، ويتم البحث فيها؛ وأن يجري التذكير ببعض القضايا التي قد نغفل عنها. هذا اللقاء مفيد جدًا من هذه الناحية؛ لأنّ المسؤولين موجودون وأصحاب الرأي والخبرة حاضرون أيضًا.

الانتخابات مؤشّر قوة النظام
لحسن الحظ فقد كان لدينا هذه السنة ظاهرة الانتخابات؛ كانت الانتخابات عملًا كبيرًا؛ عظمة الانتخابات أفصحت عن قوة الثورة واقتدار النظام الإسلامي؛ يجب أن لا نغفل عن هذه الحقيقة. في الإعلام العالمي وفي الكلام الذي يُقال حول انتخاباتنا في الإذاعات ووسائل الإعلام العالمية - وتلاحظون أنهم يتكلمون دائمًا عن الانتخابات في إيران- لا يشيرون لهذه النقطة بتاتًا ولا يشيرون لها على الإطلاق؛ وهي أن هذه الانتخابات مؤشرٌ على اقتدار النظام، ودليل على قدرات النظام وعمق نفوذه ورسوخه في القلوب. عادةً، لا يقولون هذا الشيء لكنّه واقعٌ موجودٌ وحقيقة ملموسة. كل الناس الذين حضروا وأدلوا يوم الجمعة بآرائهم في صناديق الاقتراع -كائنًا من كان، المرشح الذي انتخبوه- قد أنجزوا جميعًا عملًا مشتركًا واحدًا؛ وهذا العمل المشترك له قيمة كبيرة جدًا. ينبغي الالتفات إلى هذا العمل المشترك وإظهاره وعرضه على العالم كله، هذا العمل المشترك هو الثقة بالنظام الإسلامي.أجل، لقد أعطى البعض أصواتهم لزيد، وأعطى آخرون أصواتهم لعمرو، وغيرهم صوّت لبكر، وآخرون لخالد، لكن هؤلاء جميعًا قاموا بعمل مشترك واحد. وذلك العمل المشترك الواحد هو أنهم وثقوا بهذا الصندوق الذي وضعه نظام الجمهورية الإسلامية هناك، ووثقوا بهذه الحركة العظيمة المقررة في دستور الجمهورية الإسلامية، ونزلوا إلى الساحة لانتخاب المسؤول التنفيذي في البلاد. هذا أمرٌ بالغ الأهمية.

علينا أن لا نخرّب هذا العمل المشترك. أن لا نستخرج من ثنايا هذا العمل المشترك كلامًا وملاحظات بالشكل الذي نخرّب به أصل هذه الحركة المشتركة ونهدر هذا الإنجاز؛ هذا العمل المشترك مهم جدًا. أما أن نأتي ونقسم الشعب الإيراني ونقول «إن البعض صوّتوا بنعم لهذا الموضوع وبعضهم بلا»، كلا، جاء الشعب لاختيار الأشخاص فقط. فلماذا نقسم الناس؟ لنحذر ألّا تخرج هذه التقسيمات والمساجلات من صميم عملية كبيرة ومشتركة قام بها الشعب الإيراني. كل الشعب الإيراني يعارض أعداء هذا الشعب وأعداء تقدّم هذا الشعب. نعم، قد يكون هناك أفراد خونة؛ هناك أفراد خونة في كل البلدان ومن كل الشعوب على امتداد كل الأزمنة، لكن غالبية الشعب الإيراني تعارض العدو الذي يفرض الصعوبات على الشعب، ويفرض عليه الحظر، ويفرض عليه الحرب والاضطرابات. هكذا هو كل الشعب.

الوصيّة الدائمة: بذل الجهود ورصّ الصفوف
اليوم أيضًا وكما تشاهدون، بعد انتخاباتنا قام الأمريكيون، وبكلّ وقاحة، بزيادة الحظر والعقوبات وكذلك راحوا يقرعون طبول المواجهة والتحدي والعناد أكثر؛ هكذا هو الحال. في ضوء هذه العداوات، وفي ظل هذا الواقع، وبالالتفات إلى الاحتياجات، والأهداف السامية التي أمامنا، ينبغي خلق أجواء جديدة. والكل شركاء ومساهمون في إيجاد هذه الأجواء الجديدة -أجواء التعاون، أجواء العمل والسعي لتحقيق الهدف المشترك الذي هو تقدم البلاد ورفعة نظام الجمهورية الإسلامية- ويجب أن نتمكن من تحقيق مقاصد نظام الجمهورية الإسلامية المقدس بالتدريج ونقترب نحوها خطوة بعد خطوة. هذه المقاصد كانت مطروحة في شعارات الجمهورية الإسلامية منذ البداية، وهي موجودة اليوم أيضًا؛ يجب أن نقترب منها. وهذا الهدف يستدعي تشريك مساعي الجميع. إذا سعينا كلنا نستطيع الوقوف والصمود والاستقامة ونستطيع تركيع أعدائنا وهزيمتهم؛ إذا كنا جميعًا معًا وسويًا؛ وهذه هي وصيتنا الدائمة. واليوم أيضًا أوصي؛ يجب على الجميع مساعدة مسؤولي البلاد والتعاون معهم ليستطيعوا أن يعملوا. وعلى المسؤولين بدورهم أن يهتمّوا بالناس والشعب بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ على مسؤولي القطاعات المختلفة أن يتعاونوا فيما بينهم. وأنا العبد طالما كان دأبي ومنهجي أن أدعم كل الحكومات التي تتولى الأمور؛ وهكذا هو الوضع اليوم أيضًا، وبعد الآن أيضًا وطالما نحن أحياء ،سيبقى الوضع هكذا إن شاء الله.

في نظرة عامة لشؤون البلاد، أنتم أيها المسؤولون، من مسؤولي الدرجة الأولى إلى مديري القطاعات المختلفة، إذا أردتم إدارة البلاد بصورة صحيحة، وإذا أردتم إدارة الفرص والتهديدات -بالمعنى الحقيقي للكلمة-، فهناك فرص وهناك تهديدات أيضًا، ويجب إدارة هذه الفرص والتهديدات بشكل صحيح، إذا أردتم توظيف الأرصدة الوطنية بنحو صحيح، وإذا أردتم تفعيل إمكانيات البلاد وطاقاتها -والكثير من هذه الطاقات لا تزال مجهولة- والاستفادة منها، وإذا أردنا تشخيص الطريق الصحيح من الطريق الخطأ -فالإنسان ومسؤولو البلاد والحكومات والقطاعات المختلفة يشاهدون أمامهم أحيانًا طرقًا بعضها ليست طرقًا صحيحة بل طرقًا خاطئة لا توصلنا إلى مقاصدنا- إذا أردنا إنجاز هذه الأعمال الكبرى، فنحن بحاجة أولًا إلى تحديد معايير اتخاذ القرار واختيارها بصورة صحيحة، و نحتاج ثانيًا إلى الاستفادة من تجاربنا. هذا هو لب كلامي اليوم. علينا اختيار معايير اتخاذنا للقرارات بصورة صحيحة. غالبًا ما تكون هنا منزلقات وعثرات، وهذه حال مشهودة على مرّ الزمن وفي مختلف الفترات وليس اليوم فقط؛ وسوف أبيّن ذلك.

المعيار: مصلحة وطنيّة تحفظ هويّة الشعب
حسنًا، ما هو معيار اتخاذ القرار؟ بالطبع الفكرة العامة التي تُطرح هنا هي قضيّة المصالح الوطنية؛ بمعنى أن تأمين المصالح الوطنية هو معيار اتخاذ الحكومات لقراراتها. سواء المصالح القصيرة الأمد أو المصالح الطويلة الأمد. القضية تكمن في كيفية تعريف المصالح الوطنية وكيفية التعرّف إليها؛ وما هو الشيء الذي نعتبره من المصالح الوطنية حقًا والشيء الذي لا نعتبره من المصالح الوطنية. النقطة الأساسية التي أقصدها، أنا العبد، وأريد أن أطرحها هي أن المصالح الوطنية لا تكون مصالح وطنية إلّا حين لا تتعارض مع هوية الشعب الإيراني الوطنية وهويته الثورية. المصالح لا تكون مصالح وطنية حقيقية إلّا إذا كانت لا تتعارض مع هوية الشعب. وإلّا فعندما نطرح شيئًا باعتباره مصلحة وطنية لكنه يسحق هويتنا الوطنية فسنكون على خطأ بالتأكيد. هذه ليست مصالح وطنية. وللأسف هذه هي الحال التي كانت دائمًا ترسم مصير بلادنا منذ زمن الثورة الدستورية وإلى ما قبل الثورة الإسلامية، حيث سحقوا هويتنا الوطنية بالأقدام. وبالطبع فقد بدأت هذه الحال قبل العهد البهلوي ومنذ أواخر العهد القاجاري. سُحقت الهوية الوطنية دائمًا من أجل أمور بدت للمديرين وأصحاب القرار وصنّاع القرار مصالح للشعب الإيراني، فراحوا ينفذونها. وهذا معناه عكس العلاقة والنسبة بينهما. المصالح الوطنية يجب أن تتطابق مع الهوية الوطنية لا أن تكون الهوية الوطنية تابعة للمصالح الوطنية، والتي ستكون بالتأكيد مصالح وهمية. أن يأتي شخص ويقول «يجب أن نكون كالأجانب من أعلى رؤوسنا إلى أخمص أقدامنا لكي نستطيع أن نتقدم»؛ هذا سحقٌ للهوية الوطنية. بمعنى أن يقولوا لشعب ذي عراقة تاريخية وثقافة غنية وقوية ولديه كل هذه المعتقدات وهذه الذخائر والأرصدة المعنوية المتنوعة «تعالوا واتركوا كل ما لديكم وتخلّوا عن كل شيء وكونوا غربيّين من رؤوسكم إلى أخمص أقدامكم لتستطيعوا أن تتقدموا». أي إنّهم كانوا يُصوِّرون ويرسمون للشعب مصالح تستدعي الانفصال عن الهوية الوطنية. وهذا هو سلخٌ للشعب عن هويته وعن وجوده والذي وصل في العهد البهلوي إلى أقصى درجاته. وبالطبع قلتُ إنه بدأ منذ نهايات العهد القاجاري. وجاءت الثورة فغيّرت هذه النظرة.

الشعور بالهويّة؛ أهم مكتسبات الثورة
من الإنجازات الكبرى للثورة الإسلامية أنها قامت بتعريف هوية للشعب وأصرّت عليها؛ واستخرجت المصالح الوطنية على أساسها واستنبطتها ورسمتها وأقرّتها وتابعتها. نحن لم نكن نصل حقًا إلى المصالح الوطنية في إطار ذلك الشكل السابق. ولكم أن تلاحظوا أن بلدنا وبسبب فقدانه لهويته لم يحقّق أي تقدم يتناسب مع مكانته ومع تلك الأمواج والسيول التي عمّت العالم، منذ زمن الثورة الدستورية وإلى ما قبل الثورة الإسلامية، على الرغم من كل تلك الأرصدة ومن كل تلك الطاقات والإمكانيات التي يمتلكها. فالعالم المتقدم والنشيط والحيوي كان يمضي قُدمًا من النواحي العلمية والتقنية وفي مختلف قطاعات الحياة قد سارت بشكل آخر، لكنها لم تكن كذلك في بلادنا، بل ساد التوقف والركود. لكن منذ انتصار الثورة الإسلامية وما تلاه، تغيّر الوضع بتغيير هذه النظرة. نشعر من بعد الثورة الإسلامية أنَّ لنا تقدمنا وأننا نسير إلى الأمام. وبالطبع فإن حالات التأخر كثيرة، لكن التقدم في الوقت ذاته واضح بشكل ملموس.

في كلمتي في بداية السنة الهجرية الشمسية، أشرت باختصار إلى قائمة من إنجازات البلاد على مختلف الصعد، على صعيد البنى التحتية، وعلى صعيد الطاقات البشرية وفي شتى المجالات. البعض غير مستعدٍّ للاعتراف بهذه الإنجازات، وحتى إنّ بعض المسؤولين أنفسهم يغفلون عن مكتسبات الثورة؛ أن يستطيع البلد تحقيق هذه المكتسبات والإنجازات على الرغم من كل هذه القضايا والمشكلات التي اعترضت طريقه وعلى الرغم من الحرب المفروضة وعلى الرغم من فرض الحظر والعداء الصريح والواضح الذي مارسته القوى المتسلّطة في العالم، فلم يتحقّق هذا إلّا لأن البلد شعر بهويته. لقد أدرك الشعب الإيراني هويته وعرفها وشعر بوجوده، وسار بقوة واقتدار. الشعور بالهوية هذا يمنح الإنسان مثل هذه الحال، يمنح الإنسان الثقة بنفسه.

إسلامنا، عمقُنا التاريخي، ثوريّتنا: عناصر هويتنا الوطنية
حسنًا، نحن نقول "هوية الشعب الإيراني"، فما هي هذه الهوية؟ كيف تُعَرَّف هويتنا الوطنية؟ نحن شعب مسلم، وله جذوره في التاريخ، وشعب ثوري. هذه هي هويتنا. إسلامنا وانتماؤنا للإسلام، وعمقنا التاريخي، وثوريتنا، ثلاثة عناصر أساسية تكوّن هويتنا الوطنية. ينبغي أن لا نغفل عن هذه العناصر الثلاثة.

إسلاميّتنا، بمعنى أن القيم والأصول الإسلامية تشكل هويتنا. وجذورنا التاريخية أي إنّ كوادرنا الإنسانية على مرّ التاريخ كان لديها أفكارها السامية العليا -في مختلف المجالات، في الفلسفة وفي العلم وفي التقنية- وقد أنجزت أعمالًا كبرى طوال التاريخ حسب الظرف الزمني، وعملت على تحريك البشرية ودفع عجلتها إلى الأمام. لاحظوا هذه النقطة. ليس من الصحيح أن نتصور أن التقنية والإبداع والابتكار كانت من صنع الغرب وأوربا ومن إنجازهم منذ البداية، فهذا تصور خاطئ غير صحيح. لقد كنا روادًا وسباقين في التقنية خلال فترات معينة، التقنية بما يتناسب وتلك العصور. وبالطبع فإن من طبيعة العلم والتقنية أنها كلما تقدمت إلى الأمام، ازدادت سرعتها، وقد ضربنا الأمثلة مرارًا ولا نريد التكرار. كلما تمّ التقدم إلى الأمام أكثر، تضاعفت سرعة التقدم أكثر. وهذا هو السبب في أن المسافة الفاصلة بين البلدان المتقدمة علميًا وبين البلدان المتأخرة تزداد باستمرار. حالات التقدم العلمي تزيد سرعة التقدّم العلمي. كنا في تلك الأزمنة روّادًا في الشؤون التقنية بما يتناسب وتلك العصور. وليس نحن كإيرانيّين فقط، بل الكثير من البلدان الشرقية عاشت مثل هذه الحال، ومن ضمنها نحن. إذًا، هناك الانتماء للإسلام والتجذّر التاريخي ومن ثم الثورة. الثورة جزء مهم من هويتنا. الثورة معناها حركة التحول العميقة تلك، والتي استطاعت بالاستناد إلى الإسلام تغيير وضع البلاد، ومن أهم حالات التغيير هذه، أنها أخرجت الشعب من التهميش ووضعته في صلب إدارة البلاد.

الشعب يرسم مصير نفسه
قبل الثورة لم يكن للشعب أي دور. لقد بقي الشعب الإيراني على هامش الحكومات طوال قرون متمادية، ولم يكن له دور ولا اعتبار؛ بل كان يتم تقديمه على هامش الدول والحكومات. نعم، عندما كان ملك ما يريد دخول حرب ما كان يأخذ عددًا من أبناء الشعب ويسلّحه ويسيّره إلى الحرب. هذا هو دور الشعب. أما أن يستطيع الشعب أن يكون له دور في تعيين سياسة ما وتعيين مسؤول ما، ناهيك عن مسؤولي الدرجة الأولى، فلم يكن هناك أي شيء كهذا إطلاقًا. كان الشعب يجلس وينتظر لتزول هذه السلالة الحاكمة وتأتي تلك السلالة التي بعدها، وكما كانت تلك السلالة تحكم فسوف تحكم هذه السلالة، وقد كانت السابقة تعتمد منطق القوة والتسلّط وتأتي اللاحقة فتعتمد منطق القوة والتسلّط أيضًا. أما الشعب الإيراني فلم يكن له أي دور أبدًا. للمرة الأولى طوال تاريخنا، هذا التاريخ الممتد لقرون متمادية من الزمن، وتاريخنا منذ العهود القديمة وإلى هذا العصر، استطاع الشعب الإيراني بعد الثورة الإسلامية أن يؤدي دورًا هامًا وأن ينتقل من الهامش إلى المتن وأن يرسم مصيره بنفسه. كما هو معلوم فإن مسؤولي البلاد، من أعلى مسؤول فيها، أي القائد إلى رئاسة الجمهورية والمسؤولين الآخرين، إنما يتولّون مسؤوليّاتهم ويباشرون أعمالهم بانتخابٍ من الشعب، ويجب أن يتحمّلوا مسؤولياتهم أمام الشعب. كان هذا من أهم الأحداث والتغييرات والتحوّلات التي أوجدتها الثورة. إذًا، بعد انتصار الثورة تغيّرت المصالح الوطنية. أي إنّ المعايير التي تُحدد المصالح الوطنية قد تغيرت طبعًا. بعد انتصار الثورة، وكما ذكرنا، تبدّلت الدكتاتوريات إلى سيادة شعبية، وتبدّلت التبعيّات إلى استقلال سياسي، وتبدّلت حالات التأخر إلى حالات تقدم لافتة للنظر؛ في البنى التحتية وفي الطاقات الإنسانية وفي صناعات مهمة مثل النانو وتقنيات الأحياء والصناعات الكبرى التي نُسجل فيها حاليًا درجات ومراتب عالية في العالم من بين أكثر من مئتي بلد، وكذا الحال في العلم والتعليم العالي وغير ذلك. حسنًا، كانت هذه أحداثًا ووقائع أوجدتها هويتنا الثورية.

إذًا، النتيجة هي أنه كل ما يتعارض مع هذه الهوية ليس من المصالح الوطنية حتى لو تصورنا أن فيه فائدة ومنفعة وربحًا للشعب. كلا، كل ما يتعارض مع إسلامنا ومع ثورتنا ومع ماضينا وعراقتنا التاريخية، فهو ليس من ضمن المصالح الوطنية.

وبالطبع، يجب أن لا يُقرأ هذا الكلام قراءة خاطئة، هذا الكلام لا يعني أن نحرم أنفسنا من أنواع التقدم العلميّ في العالم ومن حالات التطور البشري المتنوعة، كلا، حيث إنّه صار رائجًا هذه الأيام ،أنه ما إن ينطق مسؤول بكلمة حتى يذهبون في تفسيرها وتأويلها كما يشاؤون ووفق أهوائهم،على مستوى واسع - من الإذاعة البريطانية إلى الموقع الإلكتروني الفلاني - كلهم يفسرون ويؤولون بشكل مستمر حسب ميولهم. فلا يُؤوّلوا هذا الكلام بأنه: لإننا قلنا إننا صنعنا ثورة ولأننا مسلمون ولأن لنا سابقتنا التاريخية لذلك يجب إغلاق باب الانتفاع من حالات التقدم البشري على أنفسنا! كلا، حالات التقدم البشري ملك للجميع، وليست ملكًا لشخص بعينه، ومن حق الإنسانية كلها أن تنتفع من هذا التقدم. وكل من يكون أعقل وأذكى وأوعى فسينتفع أكثر. ونحن نرغب أن نكون أعقل وأعلم، وسوف ننتفع من حالات التقدم أكثر إن شاء الله. معنى هذا الكلام أن مصالحنا الوطنية يجب أن لا تسير تبعًا لتلقينات السياسات الخارجية. يجب علينا نحن، أن نقوم بأنفسنا بتعريف المصالح الوطنية؛ بحيث لا يكون هناك أي فرض وإجبار.

معارضة المصالح الأمريكيّة تعني معارضة المصالح الدولية!!
وبالتأكيد، فإنّ القوى الاستكبارية لا يهدأ لها بال ولا تقعد هادئة؛ لديها أساليبها المختلفة لفرض إراداتها. يجتمعون ويطرحون بعض الأشياء باعتبارها سلوكًا وعرفًا دوليًّا. في الوقت الحاضر مثلًا تطرح أمريكا شيئًا بوصفه عرفًا دوليًّا، ولنفترض مثلًا «ينبغي مراعاة المصالح الأمريكية في كل أنحاء العالم»، فهل أصبح هذا عرفًا عالميًا! وإذا اصطدمت مصالح أحد في المنطقة الفلانية البعيدة من العالم - والتي تبعد عن أمريكا آلاف الكيلومترات أو الفراسخ - مع مصالح أمريكا وكانت متعارضة معها، وأراد تأمين مصالحه فسيقولون إنه يعمل بخلاف القيم الدولية. في البداية يطرحون شيئًا كقيمة وعرف، ثم يتهمون الشعوب والدول والحكومات على أساس ذلك بأنها ضد القيم ومنتهكة للقيم، عندما تصطدم بالقيمة التي يطرحونها هم! هذا خطأ، وهذا ما يقومون به في أيامنا هذه.

على سبيل المثال، راح الأمريكيون في الآونة الأخيرة يوجّهون إلينا تهمة "زعزعة استقرار المنطقة"؛ حاليًا صار هذا عنوانًا: زعزعة استقرار المنطقة! أولًا ما شأنكم بهذه المنطقة؟ ثانيًا أنتم من يزعزع استقرار هذه المنطقة، أمريكا وعملاء أمريكا هم الذين يزعزعون استقرار هذه المنطقة، شمال أفريقيا بشكل، ومنطقة غرب آسيا بشكل آخر، وهكذا الحال في سوريا، وفي العراق بشكل آخر. أن يؤسّسوا الجماعة الفلانية ويمدوها بالمال والسلاح ويضعوا لها خططًا وبرامج عسكرية ويساندوها ويعالجوا جرحاها في المستشفيات، فهذا زعزعة لاستقرار المنطقة.

من الذي أوجد "داعش"؟ ومن الذي قوّى "داعش"؟ ما يدّعونه اليوم من «تحالف لمحاربة داعش» فهو كذب، حتى هذا كذب. نعم، إنهم يعارضون انفلات "داعش" وعدم السيطرة عليها، لكنهم يريدون "داعش" المسيطر عليها والتي تكون في أيديهم، وإذا أراد طرف القضاء عليها ومحوها فسوف يقفون ضده بكل جدّ. تلاحظون أن الطائرات الأمريكية تأتي في الوقت الحاضر وتقصف القوات العسكرية السورية التي تحارب "داعش" أو أشباه "داعش". ونفس هذه الحال حدثت في العراق. كانت داعش تبيع نفط العراق؛ وقال لي هنا مسؤول حكومي ضيف -كان ضيفنا هنا وهو شخصية دولية معروفة– قال لي إن صور شاحنات "داعش" التي كانت تسرق نفط العراق من المصادر العراقية وتذهب به لتبيعه للبلد الفلاني، كانت تحت أنظار الأمريكيين، لكن الأمريكيّين لم يقصفوها أبدًا حتى بقنبلة واحدة، لم يمنعوهم من ذلك في أي وقت من الأوقات! كانت هذه العملية تحدث أمام أنظارهم، وهم يزعمون أنهم يعارضون "داعش"، والحال أنهم لو كانوا يعارضون طرفًا لعارضوا دعمه بهذا الشكل، لكن هؤلاء لم يمتنعوا عن المواجهة وحسب، بل كانوا يساعدونهم! إذًا، هؤلاء هم الذين يزعزعون الاستقرار في هذه المنطقة. إيران لا تقوم بزعزعة استقرار المنطقة؛ الأمر الذي يُسَوِّقونه ويروّجون له عن إيران.

وصمة عار لن تُمحى ..
والكلام الذي قاله الرئيس الأمريكي (8) مؤخّرًا هو أيضًا من هذا القبيل، حيث يتهمون - بمناسبة الأحداث الإرهابية الأخيرة - إيران بدعم الإرهاب، والحال أنّ جذور الإرهاب في هذه المنطقة أمريكية. وكذا الحال بالنسبة إلى قضية حقوق الإنسان. راح الأمريكيون يطرحون قضية حقوق الإنسان مجدّدًا، وهذا شيء مضحك ويثير الدهشة حقًا! فالذين يذهبون إلى هناك ويجتمعون مع حكام النظام السعودي القبلي العائد للقرون الوسطى - وهذه فعلًا فضيحة وأعتقد أن وصمة العار هذه لن تمحى عن جبين الأمريكيين أبدًا، وستبقى كوصمة دامغة على جباههم - ويتحدثون عن حقوق الإنسان، والطريف أن حديثهم ضد بلد مثل الجمهورية الإسلامية! في بلدلم يشم رائحة الديمقراطية والانتخابات وما شاكل، يذهبون ويجتمعون ويهمزون ويلمزون ويتهمون بلدًا مثل إيران هو مركز السيادة الشعبية ومظهر سيادة الشعب، ويتحدثون ضده! هذه أمور سوف تبقى، وقد لا تبدو اليوم كبيرة في غمرات الضوضاء السياسية المتعددة، لكنها ستبقى بلا شك في التاريخ.

القرار الصحيح يحفظ المصالح الوطنيّة
بناءً عليه، إن كلامنا الأساسي حول قضية اتخاذ القرارات وصناعة القرارات هو هذا؛ إنّ المصالح الوطنية معيار صحة القرارات، والمصلحة الوطنية هي ما لا يتعارض أبدًا مع هوية الشعب الإيراني، ولا يكون بمعزل عنها، بمعنى أن يكون نابعًا منها. هذه ستكون مصلحة الشعب الإيراني. هذا ما ينبغي على مسؤولي البلاد والحكومة المحترمة والسلطة القضائية والسلطة التشريعية والذين يتخذون القرارات الكبرى في البلاد، أن يأخذوه دائمًا بعين الاعتبار، فكل شيء تحوم حوله شبهات معارضة الإسلام أو الغربة عن الإسلام، أو معارضة الثورة أو الغربة عن الثورة، ومعارضة الجذور التاريخية للشعب الإيراني أو الغربة عنها، أو أي شيء من هذا القبيل، فهو ليس من المصالح الوطنية، ولا يمكن أن يكون قرارًا مناسبًا.
وأما بالنسبة إلى التجارب؛ فقلنا إنه يجب الاستفادة من التجارب، وأذكر بعض النماذج هنا. من القضايا المهمة قضية تأثير الانسجام والاتحاد الوطني في النجاح؛ هذا أمر بالغ الأهمية. وقد كانت هناك إشارة حوله في كلام السيد رئيس الجمهورية. أنا العبد أؤيّد هذا أيضًا، إنّه ينبغي الحفاظ على الانسجام الوطني، ويجب صيانة الاتحاد الوطني. ينبغي أخذ المشتركات بعين الاعتبار دومًا. وهذا لا يتنافى مع أن يبدي معترض اعتراضه في قطاع معين إذا كان لديه اعتراضه على السياسة الفلانية أو البرنامج الفلاني. لا تعارض أبدًا بين الأمرين. ولكن ينبغي أن لا يكون هذا بمعنى وجود توتر ولغط وسجال حول القضايا الكبرى والأساسية في البلاد.

لقد اختبرنا هذا الانسجام والاتحاد وتأثيراته طوال ما يقارب الأربعين سنة. في الحرب أيضًا كان هناك بعض المخالفين. في الوقت الذي كنا فيه مبتلين بالحرب المفروضة كان هناك البعض في هذه الشوارع وفي تقاطع طرقات طهران -ومن المفترض أن الكثيرين منكم يتذكرون ذلك- يقفون وينشرون البيانات والإعلانات ضد الحرب. قد تكون هناك مخالفة، لكن غالبية الشعب كانت كلمته واحدة وقد صمد وقاوم وثبت على كلمته. وهذا هو الشيء الذي ننشده وهو الانسجام والاتحاد الوطني. ينبغي أن لا نجعل في البلاد استقطابًا ثنائيًا، ويجب عدم تقسيم الشعب إلى فئتين. تلك الحال التي وقعت في سنة 59 [1980 م] للأسف من قِبل رئيس الجمهورية آنذاك حيث قسّموا الشعب إلى فئتين موالية ومعارضة، وهذا شيء خطير.

نقطة أخرى من اللازم أن أذكرها حول هذا الانسجام الوطني والاتحاد الوطني هي أن هذا الاتحاد يظهر ويبرز عندما تكون هناك حدود ومسافات فاصلة واضحة بيننا وبين العدو. من الأمور التي تشكّك في اتّحاد الشعب وتخلق الشبهات والخلافات، وإذا كان هناك اختلاف فسوف تظهره إلى العلن، هو عدم وضع مسافة وحدود فاصلة مع العدو. يجب الحذر من هذا. ليس العدو في خارج البلاد فقط، فأحيانًا ينفذ العدو إلى داخل البلاد. وقد لاحظتم ما حدث في سنة 88 [2009 م]. ظهرت في بعض شوارع طهران جماعات - ولم تكن أعدادهم كثيرة طبعًا، بل كانوا قلة - تحدثوا ضد النظام بصراحة. المشكلة الأساسية التي حصلت كانت نابعة من عدم وضع مسافة فاصلة بين جماعة ما وهؤلاء. كان يجب أن يعلنوا عن انفصالهم عنهم ورفضهم لهم ولم يفعلوا، لذلك حدثت المشكلات اللاحقة. عندما تجدون جماعة تعارض أساس نظامكم، وأساس ثورتكم، وأساس معتقدكم ودينكم وتعاديه وتؤذيه وتعرقل مساعيه، فيجب أن تحددوا حدودكم الفاصلة عنها وتعلنوا أن هناك مسافة تفصلكم عن هؤلاء. هذا شيء واجب ولازم. وخصوصًا نحن المسؤولين يجب أن نكون في هذا الخصوص جادين ومثابرين للغاية. فإذا كان هذا فسيكون للاتحاد والانسجام الوطني معناه وسيتحقق مفهومه.

النقطة الثانية التي هي من ضمن التجارب؛ إعطاء الأولوية للطاقات الداخلية.
وهذا هو الشيء الذي أعلنا عنه لهذه السنة تحت شعار الإنتاج الوطني وتوفير فرص العمل. الإنتاج الوطني من المجالات ذات العلاقة بالإمكانيات؛ والمقصود هنا الإنتاج الصناعي والزراعي. وبالطبع فإن إنتاج البرمجيات وإنتاج العلم والفكر أيضًا جزء من الإنتاج الداخلي بالتأكيد وله أهميته، وبما أنّ الحديث عن الشؤون الاقتصادية لذلك فقصدنا هو الإنتاج الصناعي والزراعي وما شاكل. ينبغي الاهتمام بالإنتاج الداخلي والإمكانيات والطاقات الداخلية. أعتقد أن طاقات كوادرنا البشرية الشابة طاقات جيدة جدًا. قبل أيام، اجتمع عدد من الشباب من الطلبة الجامعيين في هذه الحسينية (9) وتحدث بعضهم هنا وألقوا كلماتهم. وقلتُ لبعض المسؤولين المحترمين إنّ مستوى فهم وإدراك وتصوّرات هؤلاء الطلبة الجامعيين لقضايا البلاد مستوى عال ومتقدم جدًا والحق يقال. ويجب الانتفاع من هذه الآراء. هذه هي طاقاتنا البشريّة المتطوّرة، من الذين يمكنهم أن يمارسوا دورًا في تقدم البلاد وقفزتها نحو الأمام. لقد استفدنا الكثير من هذه الطاقات والإمكانيات الداخلية في المجالات العلمية. في مجال الطاقة النووية جاءوا إلى هنا قبل سنوات -في هذه الحسينية- ليعرضوا علينا تقريرًا على شكل معرض(10)، وكانت هناك أجنحة متعددة زرتها، وقد كان الموجودون في جميع هذه الأجنحة تقريبًا من الشباب، من الشباب ذوي الأعمار الصغيرة، وكان المسؤولون المحترمون يُعرّفوننا إليهم. هؤلاء أشخاص طوّروا الأقسام المختلفة للطاقة النووية واستطاعوا إنجاز تلك الأعمال الكبيرة وتطوير هذه الصناعة والتقدم بها إلى الأمام. هذا شيء على جانب كبير من الأهمية. لشبابنا مثل هذه القابليات والقدرات. هذه أيضًا قضية.

ينبغي عدم الثقة..
وموضوع آخر يعدّ هو أيضًا من تجاربنا الأساسية وينبغي عليكم في إدارة البلاد - في أي قطاع كنتم - أن تتنبهوا إليه هو قضية عدم الوثوق بالعدو وبوعود العدو. هذا الكلام جدي وهذه القضية جدية. لقد وثقنا في بعض المواطن بالعدو فأُصبنا بخسارة وضرر، مع أنه كان يمكننا أن لا نثق. ومع أننا لم نكن نتصور أننا سنثق لكننا وثقنا. هذه الثقة بالعدو وبوعود العدو تسبب لنا الضرر والخسارة. أنْ نستبعد ونقول "من البعيد أن لا يعملوا بهذا الذي قالوه"، فهذا غير صحيح. عندما يتعلق الأمر بالعمل مع الأجانب فيجب التشديد بمنتهى الدقة على التفاصيل وملاحظة الدقائق والتمحيص والاحتياط. ينبغي عدم الثقة بهؤلاء، يجب أن لا نثق بهم لا في العمل ولا في طريقة البيان والكلام. وأقول أيضًا إن بعضكم أيها السادة المحترمون الحاضرون هنا، ما عدا المسؤولين من الدرجة الأولى في البلاد، أي رؤساء السلطات وما شاكل، هناك أفراد متنوّعون آخرون هم من أهل الخطابات والمنابر -وأنا أستخدم كلمة المنبر بدل المنصة "تريبون" (الأجنبية) -لهم منابرهم ويستطيعون التحدث وكلامهم مسموع، وينبغي أن لا يستشعر من لهجة كلامهم أي ثقة بالعدو. فهذا ما يترك تأثيراته في ذهنية الداخل، وله تأثيره في انعكاسه على معارضينا وأعدائنا في الخارج. حصل أحيانًا في بعض الفترات أننا تنازلنا في قضية ما بهدف سلب الذريعة من يد الأمريكيين أو من يد العدو في القضية الفلانية، لكن الذريعة لم تسلب، وخسرنا نحن الشيء الذي تنازلنا عنه! ينبغي عدم الثقة. وكذا الحال في قضايا متنوعة.

تسامحنا مع العدو.. يشجّعه
لقد قلتُ مرارًا إننا كنا وما زلنا نثق بالمسؤولين الذين ذهبوا وتابعوا قضية الاتفاق النووي، ونعتبرهم أفرادًا من الأصدقاء والمحبّين والمتديّنين، ولكن في نفس قضية الاتفاق النووي "برجام" هذا غضضنا الطرف في حالات كثيرة عن أشياء بسبب الثقة بكلام الطرف المقابل، المفاوض في الطرف المقابل، غضضنا الطرف عن شيء ولم نهتم له وبقيت ثغرة، وراح العدو الآن يستفيد من تلك الثغرة. هذه قضايا مهمة فعلًا. وزير خارجيتنا المحترم السيد الدكتور ظريف يكتب رسالة معبّرة للمسؤولين الأوروبيّين -وقد كتب مرات عدة- ذكر فيها حالات نقض روح الاتفاق النووي ومتنه. يقولون أحيانًا إن روح الاتفاق النووي قد نقضت، وهو يقول إنه ليست روح الاتفاق النووي فقط قد نقضت بل لقد نُقض الاتفاق النووي نفسه في بعض المواطن، أي جسد هذا الاتفاق أيضًا قد نقض من قِبل الأمريكيين. وقد سجّل هذه الانتهاكات على شكل لائحة وبعثها لهم. أي إنّ هذا الشخص ليس ممّن يقال عنهم إنه من معارضي هذه المفاوضات ويقول هذا الكلام، كلا، إنه وزير الخارجية المحترم نفسه، لأنه إنسان متديّن وصاحب ضمير وإنسان لديه شعور بالمسؤولية، فإنه هو نفسه راح يسجل هذه الاعتراضات. والسبب هو أنه حصل هناك تسامح من قِبلنا، ولو لم يحصل هذا التسامح، ولو لم تحصل الثقة بالعدو، لأغُلق الطريق على العدو ولما استطاع القيام بهذا العمل. والآن أيضًا لا نريد إثارة موضوع الاتفاق النووي، ولكن الجماعة المعنيّة للإشراف عليه -وفيهم رئيس الجمهورية المحترم، ورئيس مجلس الشورى المحترم، ووزير الخارجية المحترم، وعدة أشخاص آخرين- يجب أن يدققوا حقًا في هذه القضية، يجب أن يدققوا ويراقبوا ليروا ما الذي يحصل. نحن أشرنا إلى نقاط، وقد ذكرتُ لدى الموافقة على الاتفاق النووي شروطًا بشكل صريح، وقد دوّنتها وكتبتها -ولم تكن شفهية، بل أرسلتها مكتوبة- ويجب مراعاة هذه الأمور، يجب مراعاتها بدقة. عندما يأتي الطرف المقابل ويقف ويقول شيئًا بوقاحة، فإننا مهما تنازلنا في هذا المجال سيعتبر ذلك ضعفًا منّا ويحمله على أننا مضطرون ولا حول لنا ولا قوة. الشعور بالاضطرار عندنا يُشجِّع العدو على مضاعفة ضغوطه الباطلة. هذه مسألة.

وهل تريدون أن تُعجب أمريكا بقوّات فيلق القدس؟
مسألة أخرى من تجاربنا ويجب أن تأخذوها بعين الاعتبار في إدارة البلاد وإدارة المصالح والمضار والفرص والتهديدات، هي قضية الاقتدار العسكري والأمني للبلاد. هذه قضية مهمة جدًا، وهي من القضايا التي ينبغي الاهتمام بها بالتأكيد. بعض مسؤولينا مسؤولون عسكريّون وأمنيون مباشرون، وتقع على عاتقهم الواجبات الضرورية التي ينبغي عليهم مراعاتها، وهناك أعمال جيدة تُنجز. وعدد كبير من مسؤولي البلاد أشخاص لا علاقة مباشرة لهم بالشؤون الأمنية والعسكرية، لكنهم يستطيعون أن يؤثروا بشكل غير مباشر، وينبغي على هؤلاء بالتأكيد أن يتفطنوا لهذه النقطة، أي ينبغي الحفاظ على عوامل اقتدار البلاد حقًا، عوامل اقتدار البلاد، القوات المسلحة، الحرس الثوري، والتعبئة، والعناصر المتديّنة المؤمنة والحزب اللهية. وأقولها لكم إن الذي يواجه العدو مباشرة ويقف بوجهه في المجالات المختلفة ويصبر على الظروف العسيرة هم العناصر المؤمنة المتدينة والثورية والتي تسمى بالحزب اللهيين. هؤلاء هم الذين يقفون ويصمدون، فينبغي الحفاظ على هؤلاء. ليقم المسؤولون في القطاعات المختلفة، سواء في الجامعات، أو في القطاعات الصناعية، أو في القطاعات العلمية، أو في القطاعات الخدمية، برعاية هؤلاء الشباب. أنْ ينزعج العدو من الحرس الثوري، فهذا شيء طبيعي واضح؛ وهل تريدون أن تُعجب أمريكا بقوات "فيلق القدس"؟ هل تتوقعون مثلًا أن ترتاح أمريكا للضابط القيادي الفلاني الناشط في هذا المجال؟ واضح أنها تستاء منه، وواضح أنها تضع شروطًا في مجالات مختلفة، لأنها تريد سلبنا عوامل الاقتدار. هذا يشبه بالضبط أن يُقال لكم: إنّ فريق المصارعة لديكم يشارك في مسابقات بطولة العالم بشرط أن تستبعدوا من هذا الفريق هؤلاء المصارعين أو الثلاثة الأقوياء جدًا، فما معنى هذا؟ معناه تعالوا وشاركوا من أجل الخسارة والهزيمة! نُشرِككم في المنافسات الدولية فشاركوا فيها من أجل أن تهزموا، هذا هو معناها. أن يقولوا إن شرط هذه العملية أن لا يكون الحرس الثوري مثلًا على هذا الشكل، أو أن لا تتدخل التعبئة، أو أن لا تشاركوا في القضية الفلانية -في قضايا المنطقة مثلًا- ولا تتدخلوا، فهذا معناه "يجب أن لا تشركوا عوامل قوتكم واقتداركم هذه في الساحة". ويجب علينا أن نعمل بعكس ذلك، يجب علينا أن نهتم بالاقتدار العسكري والأمني ونزيد من قوّته ومتانته يومًا بعد يوم.

والقضية التالية التي تعتبر هي الأخرى من القضايا المهمة جدًا قضية اقتصاد البلاد؛ وقد بحثنا وناقشنا هذه القضية كثيرًا، وقد تطرّق السيد رئيس الجمهورية في كلمته بالتفصيل لقضايا الاقتصاد والأعمال التي ينبغي أن تتم. هو طبعًا ذكر أمورًا وقال «ينبغي أن يتم هذا العمل ويجب أن يتم ذاك العمل»، فمن المخاطب المطالب بكلمات "ينبغي ويجب" هذه؟ إنّه هو نفسه، أي إنّ المخاطب بهذه العبارات ليس سوى السيد الدكتور روحاني نفسه وفريق عمله في الحكومة الثانية عشرة، وليس أحدًا آخر غيرهم؛ أي إنّ غالبية هذه الأعمال، وقد يكون جزء منها ذا صلة بمجلس الشورى الإسلامي أو بالسلطة القضائية وبعضها الآخر بمؤسسات أخرى، لكن غالبيتها أعمال المسؤولين الحكوميين أنفسهم. هم أنفسهم من يجب أن يعملوا بعبارات "ينبغي" هذه. هذا واقع. قضية الاقتصاد على جانب كبير من الأهمية.

في الجانب الاقتصادي، قضية الإنتاج الداخلي بالغة الأهمية! ما قاله بشأن الاستثمار، صحيح، ونحن بدورنا نوافقه. وبالطبع فقد أشرتُ لقضية الحاجة للاستثمارات الداخلية والخارجية قبل خمسة أو ستة أعوام في هذه الجلسة التي عقدناها هنا في هذا الطابق العلوي. وقد حضرها عدد كبير منكم أنتم الحاضرون الآن هنا، وكان فيها آنذاك عدد من الخبراء الاقتصاديين. قلتُ هناك إننا نحتاج إلى هذا المقدار من الاستثمار فقط لقطاع النفط وقطاعات البلاد المختلفة مثلًا، هذه احتياجات قائمة ويجب تأمينها، ولكن توجد هنا نقطة دقيقة. أحيانًا يعمل المسؤولون الاقتصاديون الحكوميون الأعزاء، سواء في هذه الحكومة أو في الحكومة السابقة - والذين كانت لهم لقاءاتهم معنا أحيانًا - بطريقة يشترطون فيها شروطًا صعبة جدًا لتوفير فرص العمل! من أجل إيجاد فرصة عمل واحدة يقال أحيانًا إنه لا بدّ من مئة مليون؛ نعم، هناك بعض المهن والوظائف والأعمال تحتاج إلى استثمار قدره مئة مليون من أجل توفير فرص عمل واحدة، ولكن يوجد الكثير من المشاغل ليس على هذا النحو. في قرانا وأريافنا، وفي مدننا الصغيرة، وفي مناطق مختلفة من البلاد، يمكننا توفير فرص عمل بمبالغ أقل بكثير.

تلاحظون بعض الأفراد، شخصٌ يظهر في التلفاز -وقد اطلعتُ على تقريره بشكل عابر- استطاع توفير فرص عمل لعشرين شخصًا بإبداعه وبشوقه وذوقه في القطاع الفلاني والصناعة الفلانية، وكل استثماره - من أوله إلى آخره - لا يعادل مئة مليون، لكنه استطاع أن يتقدم بالعمل خطوة خطوة وقليلًا قليلًا إلى أن شغّل عشرين شخصًا مثلًا، وفي عمل إنتاجي.

خدمة الأرياف تخفّف مشاكل ضواحي المدن
إذا استطعنا متابعة خدمة القرى والأرياف -وقد سجّلت هنا قضية الأرياف- لو استطعنا خدمتها بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإذا استطعنا معالجة موضوع الأرياف، وجزء كبير من معالجة قضايا الأرياف يكمن في توفير صناعات ريفية، لاستطعنا تقليل المشكلات. تحتاج الأرياف إلى صناعات تتناسب مع أوضاع الحياة الريفية؛ ونحن مقصرون في هذا الجانب. ينبغي الاهتمام بالصناعات القروية وتوفير الإمكانيات اللازمة للقرى. وقد أشاروا إلى الإنترنت، نعم، الإنترنت بدوره شيء هام، ولكن الأوجب من الإنترنت الطرق على سبيل المثال وإمكانات التنقل والمواصلات والنقل السهل للمحاصيل. لا يكون الأمر بحيث لا يستطيع القروي أن يحصل في قريته على أكثر من عُشر سعر المحصول الذي يباع في المدن الكبرى بآلاف التومانات، لا يكون الأمر على هذا النحو. عندما نستطيع تنظيم المواصلات وتأمينها وعندما يتم تسهيل وتأمين التنقل والتعامل القروي، ستبقى القرى منتجة طبعًا وستخف الكثير من المشكلات. هذه الضواحي المحيطة بالمدن سببها الوضع غير المنظم للقرى والأرياف، لذلك يأتون إلى المدن، وقد أصبحت هذه الضواحي المحيطة بالمدن اليوم واحدة من مشكلات البلاد، بما في ذلك المفاسد التي تترتب على الضواحي والآفات الاجتماعية التي تنجم عنها.

ومن القضايا المهمة أيضًا قضية الاستيراد، وطبعًا بالنسبة إلى بعض البضائع المستوردة تعالج الرسومُ والضرائب الجمركية المشكلة، أما بالنسبة إلى بعضها الآخر فلا يمكن حتى للرسوم أن تعالج المشكلة. ينبغي الحيلولة دون الاستيراد في بعض المجالات. وبالطبع فقد تشجعون الاستيراد والواردات في بعض المجالات، لا إشكال في ذلك. هذا يعود إلى الاحتياجات والإمكانيات داخل البلاد. حينما يكون هناك إنتاج داخلي وتسبّب الواردات ضررًا على هذا الإنتاج فهنا يجب الحيلولة دون الاستيراد بكل شدة. يلاحظ المرء أحيانًا بعض الشكاوى - يكتبون لنا بعض الأحيان ويسمعها المرء أحيانًا في بعض التقارير العامة - بأن المنتج الداخلي عاتبٌ ويقول إننا ننتج هذه البضاعة بكل هذا التعب والجهد، ثم تُستورد نفس هذه البضاعة بكميات كبيرة. والمستهلك الداخلي، وهو على سبيل المثال الجهاز الحكومي أو شبه الحكومي الفلاني، لا يشتري بضاعتنا بذريعة أنها ليست بجودة تلك البضاعة الخارجية. لكن سعرها أرخص، فاستهلكها واستفد منها وساعد الإنتاج الداخلي، وستكون تجارب المنتج اللاحقة أفضل. هذا شيء طبيعي وواضح، وإلّا إذا أردنا استهلاك البضائع الفخمة الراقية باستمرار فلن يمكن للإنتاج الداخلي أن يصل إلى مستوياته المرجوة في أي وقت من الأوقات.

وهناك قضية تهريب البضائع. من المسائل المهمة مسألة التهريب. ينبغي التصدي لحال التهريب بكل جدّ.

في الأمور الاقتصاديّة.. يجب النزول إلى ساحة العمل!
وقد دونت عندي وسجلت هنا أن معظم الوزارات تستطيع ممارسة دور في تمتين الاقتصاد الوطني. وهذا هو الواقع فعلًا. الكثير من الوزارات ليس لها حسب الظاهر صلة بالشؤون الاقتصادية - ولنأخذ على سبيل المثال وزارة العلوم والتعليم العالي فهي ليست وزارة اقتصادية - لكنها تستطيع أن تمارس دورًا في تعزيز الاقتصاد الوطني. من قبيل أن يوجّهوا أطروحات الدكتوراه والماجستير وما شاكل لتصب في خدمة الاقتصاد الوطني مثلًا وتعالج القضايا الداخلة والمشكلات الداخلية للبلاد. وشبابنا مستعدون. هذا أحد الأعمال المهمة. ونفس التواصل بين الصناعة والجامعة الذي نؤكد عليه باستمرار منذ سنين، من الأمور المهمة. وكذا الحال بالنسبة إلى باقي الوزارات.

التنفيذ الصحيح للمادة 44 (الخصخصة الموجهة والترشيد) والتي لم تنفذ بشكل لائق ومناسب، لا في هذه الحكومة ولا في الحكومة التي سبقتها. لم تطبق بشكل صحيح لا في هذه الحكومة ولا في الحكومة السابقة. ينبغي تلافي حالات التأخر من خلال تنفيذ هذه المادة 44 التي تفيد تحويل المسؤوليات الاقتصادية للقطاع الخاص بالشروط والظروف الخاصة التي حددت وأعلن عن سياساتها ووضعت لها القوانين. وهذا سيساعد الاقتصاد الداخلي تمامًا.

وبالطبع فإن قضية أمن الاستثمار هي الأخرى على جانب كبير من الأهمية. جانب من أمن الاستثمار يتعلق بالسلطة التنفيذية، وجوانب أخرى منه تتعلق بأجهزة أخرى مثل السلطة القضائية والأجهزة المختلفة الأخرى. هذه أيضًا قضية.
طبعًا نحن نقول الكثير فيما يتعلق بالأمور الاقتصادية. طوال هذه الأعوام قلنا الكثير، أنا أو المسؤولون الحكوميون أو في مجلس الشورى أو غيرهم، ولكن ينبغي النزول إلى ساحة العمل، وينبغي أن تكون هناك خطة عمل واضحة. يجب أن تكون هناك خارطة طريق واضحة. من أول الأعمال التي ينبغي أن تحصل في هذه الحكومة إن شاء الله إعداد خارطة طريق واضحة وكاملة وجامعة لتستطيع القطاعات المختلفة القيام بكل هذه الأعمال المرتبطة بها.

من الأمور الأخرى المؤثرة في إدارة البلاد وتساعدكم لتستطيعوا إدارة البلاد هي قضية الفضاء الافتراضي؛ والفضاء الافتراضي في غاية الأهمية. وما هو أهم من كل شيء في قضية الفضاء الافتراضي الشبكة الوطنية للمعلومات. هنالك تقصير في هذا الجانب للأسف، ولم يحصل الشيء الذي يجب أن يحصل. لا يمكن العمل بهذه الطريقة. أنْ نقصّر في هذه المجالات بسبب أنه يجب عدم الحيلولة دون الفضاء الافتراضي فهذا لا يعالج المشكلة وليس منطقًا صحيحًا. الفضاء الافتراضي اليوم ليس شيئًا خاصًا بنا والعالم كله مرتبط بالفضاء الافتراضي، والبلدان التي أوجدت شبكة معلومات وطنية وسيطرت على الفضاء الافتراضي لصالحها ولصالح قيمها ليست بلدًا أو بلدين. أفضل البلدان وأقوى البلدان لديها في هذه المجالات خطوطها الحمراء ولا تسمح ببعض الأشياء. لا يسمحون بدخول الكثير من أجزاء ومعطيات الفضاء الافتراضي الموفدة من قِبل أمريكا والأجهزة التي تقف خلف ستار هذه القضية، بل يسيطرون على الأمور. نحن أيضًا يجب أن نضبط ونسيطر. وهذه السيطرة لا تعني أن نحرم الشعب من الفضاء الافتراضي، كلا، ليس هذا معناها. في الوقت الحاضر تنهال كمية هائلة من المواد الصحيحة وغير الصحيحة على رؤوس مستخدمي الإنترنت، معلومات خاطئة وغير صحيحة وضارة وشبه معلومات -بعض الأشياء ليست معلومات حقيقية بل هي شبه معلومات- هذه المواد تنهال كالانهيارات الثلجية فلماذا نسمح بحدوث مثل هذا الشيء؟ لماذا يجب أن نسمح بانتشار الأشياء المتعارضة مع قيمنا والمخالفة لمبادئنا الأكيدة والتي هي بخلاف العناصر والأجزاء الأصلية لهويتنا الوطنية، لماذا نسمح لها بالانتشار في داخل البلاد وهي آتية من قِبل خصومنا ومن يريدون بنا السوء؟ كلا، اعملوا ما من شأنه أن ينتفع الجميع من منافع وأرباح وفوائد الفضاء الافتراضي، وزيدوا من سرعة الانترنت -لتحصل الأمور التي يجب أن تحصل- ولكن ليحصل هذا بالنسبة إلى الأمور التي ليس فيها ضرر على بلادكم، وليس فيها ضرر على شبابكم، وليس فيها ضرر على الرأي العام عندكم؛ هذا شيء على جانب كبير من الأهمية، ويجب أن يحصل. إذًا، قضية الشبكة الوطنية للمعلومات مهمة بدرجة كبيرة.

مشكلة أمريكا: الجمهوريّة الإسلاميّة نفسها!
والقضية الأخيرة التي أطرحها هي قضية أمريكا. الكثير من قضايانا مع أمريكا لا تقبل الحلّ أساسًا، والسبب أنّ مشكلة أمريكا معنا هي نحن أنفسنا - أي الجمهورية الإسلامية نفسها - هذه هي المشكلة. ليست الطاقة النووية هي المشكلة، ولا حقوق الإنسان هي المشكلة، مشكلة أمريكا هي مع الجمهورية الإسلامية نفسها. أن تكون هناك حكومة ونظام ودولة، وفي مكان مهم مثل إيران، وعلى أرض ثرية مثل إيران، أنْ تأتي دولة وحكومة على رأس السلطة لا تأبه للـ «نعم ولا» التي تصدرها قوة مثل أمريكا، وتقول هي نفسها «نعم أو لا» في الشؤون المختلفة، فهذا مما لا تطيقه أمريكا، وهم يعارضون هذا الشيء ويخالفونه. فكيف تريدون حل هذا التعارض؟ إذًا، مشكلاتنا مع أمريكا لا تقبل الحل، فمشكلتهم هي مع أساس النظام الإسلامي. وأقولها لكم إنه حتى بغض النظر عن النظام، فإن لهم مشكلتهم مع استقلال البلاد. بمعنى أنه حتى لو كان على رأس السلطة نظام غير نظام الجمهورية الإسلامية، وأراد أن يكون مستقلًا، فستكون لهم مشكلتهم معه. وتجربة النهضة الوطنية نصب أعيننا وأنظارنا. في النهضة الوطنية أحسن الدكتور مصدق الظن بالأمريكيين، بل كان يودهم، لكنه لم يكن يرغب في الاعتماد والاستناد عليهم -وقد كان بالطبع خصمًا للبريطانيين- بل كان يرغب في الاستقلال. والذي كان سبب الانقلاب ضد الدكتور مصدق لم يكن بريطانيًا بل كان أمريكيًا، وقد كان الجهاز الذي يقف وراءه هو "السي آي أيه" الأمريكي أكثر من الوكالة البريطانية "الإنتلجنت". هكذا هي أمريكا. أي إنهم لم يستطيعوا الانسجام حتى مع نظام وحكومة ليست دينية أبدًا ولا هي حكومة ثورية -والنهضة الوطنية لم تكن حكومة ثورية، إنما أرادت فقط استقلال البلاد من تحت نير البريطانيين، وتصورت أن الأمريكيين سيساعدونها– لم يستطيعوا تحمّل هذا لأنهم يعارضون استقلال البلاد. فهذا البلد بلد جذاب ومهم، اعلموا هذا، وكلكم يعلمه بالطبع، ولكن اعرفوه أكثر. نحن بلد جذاب، فمكاننا مهم، ومنطقتنا مهمة، وقضايانا الإقليمية مهمة، ومصادرنا الجوفية مهمة. ذات مرة قلتُ في هذه الجلسة إننا نشكل واحد في المئة من سكان العالم، ونمتلك أكثر من نسبة مئوية عالية من الطاقات الأساسية والمعادن الأصلية في العالم. ناهيك عن النفط والغاز، وما عداهما هناك ثروة هائلة كامنة هنا. أضف إلى ذلك الطاقات البشرية الخارقة في إيران. هذا البلد بلد جذاب. والقوى التي تمتهن التطاول والهيمنة على هذا المكان وذاك المكان غير مستعدة لغض الطرف بسهولة عن مثل هذه اللقمة الدسمة الكبيرة؛ إلّا إذا منعناها من ابتلاع هذه اللقمة، ونحن نمنعها. طبعًا الثورة الإسلامية هي التي تمنعها. وعليه، فهذه الأمور ذرائع، حقوق الإنسان ذريعة، وزعزعة استقرار المنطقة -الذي يتحدث الأمريكيون مؤخرًا عنه في شعاراتهم ضدنا- ذريعة، والإرهاب ذريعة، وكذا الحال بالنسبة إلى باقي الكلام الذي يطلقونه. إن الامريكيين هم الإرهابيون ومنتجو الإرهابيين ومربّوهم أيضًا، وهم حماة كيان مثل الكيان الصهيوني الذي هو عقل الإرهاب وأمّ الإرهاب، وقد نشأ منذ البداية بالإرهاب وبالقتل والظلم، هم حماته. إذًا، هذه كلها ذرائع، فهم لا ينسجمون مع النظام الإسلامي، ولا يمكن الانسجام والتفاهم مع أمريكا. وينبغي عدم إطلاق كلام غامض ذي وجهين في هذه المجالات يمكن أن يسيء البعض استغلاله. ينبغي طرح الأمور بشكل صريح وواضح.

..لكنّ الثورة لا تشيخ!
وليعلم الأمريكيون أنفسهم أن الجمهورية الإسلامية لن تتنازل عن مواقفها الأصلية. إننا لن نتخلى عن مقاومة الظلم، ولن نتخلى عن الدفاع عن فلسطين، ولن نتنازل عن الكفاح من أجل إحقاق حقوقنا. نحن شعب حيّ، والثورة حيّة وشابة لحسن الحظ. كانوا ينتظرون أن تشيخ الثورة، نحن نشيخ لكن الثورة لا تشيخ. الثورة والحمد لله في ذروة نشاطها وشبابها وقدرتها وفاعليتها وإنتاجها. عندما تنظرون إلى هؤلاء الشباب الثوريين تدركون وتصدقون بأن الثورة لا تزال تنتج وتتوالد، وهناك نماء مستمر فيها. وهذا ما يبشر بمستقبل مشرق لشعبنا إن شاء الله. ونتمنى أن يتحسن وضع شعبنا يومًا بعد يوم إن شاء الله، ويتمكن البلد أن يدفع التهديدات على أفضل وجه إن شاء الله.

اللهم بمحمد وآل محمد، اجعلنا ممن يعرف قدر الثورة الإسلامية.
اللهم بمحمد وآل محمد، اجعلنا ممن يعرف قدر الدماء الطاهرة التي أريقت على الأرض في سبيل تكريس هذا النظام. عرّفنا بواجباتنا واجعلنا من العاملين بها.
اللهم انظر لنا نظرة لطف ورحمة في هذه الأيام الباقية من شهر رمضان وخصوصًا في ليالي وأيام القدر.
اللهم بمحمد وآل محمد، انصر الشعب الإيراني في كل الميادين والمجالات.
اللهم انصرنا في الميادين المعنوية والمادية واكتب لنا التوفيق والنجاح الكامل.
اللهم أرضِ عنا الروح الطاهرة لإمامنا العظيم واجعلها مسرورة منا، وأرضِ عنا أرواح الشهداء الطيبة، وأرضِ عنا القلب المقدس لولي العصر وسرّه بنا.

والسّلام عليكم ورحمة ‌الله وبركاته.


1 - حجة الإسلام والمسلمين الشيخ حسن روحاني رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية كلمة في بداية هذا اللقاء.
2 - من لا يحضره الفقيه،ج 1، ص 490 (دعاء أبي حمزة الثمالي).
3 - سورة الزمر، قسم من الآية 22 .
4 - سورة المائدة، قسم من الآية 13 .
5 - سورة البقرة، قسم من الآية 74 .
6 - الكافي، ج 2 ، ص 329 .
7 - تحف العقول، ص 296 .
8 - دونالد ترامب.
9 - كلمة الإمام الخامنئي في حشود الطلبة الجامعيين من مختلف أنحاء البلاد وممثلي التنظيمات الطلابية في الجامعات بتاريخ 07/06/2017 م.
10 - زيارته لمعرض التقنيات النووية بتاريخ 15/06/2006 م.

22-06-2017 عدد القراءات 442



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا