16 تشرين الأول 2018 الموافق لـ 06 صفر 1440 هـ
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: طلائع القلوب

هوان الدنيا



من جملة ما أوصى به مولانا الإمام أبو عبد الله جعفر بن مُحمد الصادق عليهما السلام صاحبه النجيب عبد الله بن جندب أن قال له: "يا ابن جندب، إنْ أحببت أن تُجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره، فَلْتَهُنْ عليك الدنيا، واجعل الموت نصب عينيك، ولا تدّخر شيئاً لغدٍ، واعلم أنّ لك ما قدّمتَ، وعليك ما أخّرتَ"1.

مقدّمة
الحمد للّه الذي جعل البلايا تمييزاً للطيّبين عن الخبيثين‏، ونكالاً للظالمين، وجعل تقلّبات الأحوال، اختباراً لطويّات الرجال، فمن دار فناء وزوال، قد مُلئت بالهموم والغموم، وعجّت بالمحن والآلام، إلى ارتحال وانتقال، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ2. فالشقيّ من غرّته ولم يعتبر بمن سكنها قبله من الماضين، الذين كانوا أطول أعماراً، وأبقى آثاراً، وأبعد آمالاً، والسعيد من اعتبر بها، واستفاد من تجاربها، فصغُرت في عينه وهانت عليه، وأحبّ مجاورة الجليل‏ في‏ داره‏، وسكنى الفردوس في جواره، وصلّى اللّه على أشدّ الناس ابتلاءً، وأكثرهم صبراً على إيذاء، وأوفرهم شكراً على ما جرى به القضاء، محمّد وآله الأوصياء الأصفياء، الحجج على العباد، والهادين للرشاد ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ3.

كلّنا يعلم أنّ الراحة التامّة، والسعادة الدائمة، لن تكون إلا في الدار الآخرة، دار الخلود والبقاء، وأمّا هذه الدنيا، فدار ابتلاء وشقاء، ومن أجل ذلك كان عيش الإنسان فيها مشقّة في مشقّة، ولولا ما فيها من رحمة الله، وعبادة الله، واللجوء إليه، والاستئناس والاطمئنان بذكره، لما أطاق المؤمن البقاء فيها، ولله جلّ شأنه في ذلك حكمة بالغة، إذ لو صفت الدنيا لأهلها من الأكدار والأخطار لاطمأنّوا بها، وركنوا إليها، ولما اجتهدوا في الأعمال الموصلة إلى دار النعيم والخلود المقيم، ولكن الاجتماع في هذه الدنيا مآله إلى الفراق، فراق الجميع بلا استثناء، جاء جبرائيل إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: "يا محمد، عش ما شئت فإنّك ميت، وأحبب ما شئت، فإنّك مفارقه،.."4، وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام:
المَوتُ لا وَالِداً يُبقي وَلا وَلَداً***هَذا السَبيلُ إِلى أَن لا تَرى أَحَدا
كانَ النَبِيُّ وَلَم يَخلُد لِأُمَّتِهِ***لَو خَلَّدَ اللَهُ خَلقاً قَبلَهُ خَلَدا
لِلمَوتِ فينا سِهامٌ غَيرُ خاطِئَةٍ***مَن فاتَهُ اليَومَ سَهمٌ لَم يَفُتهُ غَدا


جيران الله تعالى
في الفقرة الأولى من هذه الوصيّة المباركة يقول مولانا الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: "إنْ أحببتَ أنْ تُجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره..."، وهذه دعوة من الإمام عليه السلام ليس مثلها دعوة، وقد ترك لنا الخيار في أن نستجيب لها أو لا نستجيب، ثم ما الذي يتوجّب علينا إن أجبنا هذه الدعوة؟ ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال ألا ينبغي لنا أن نتعرّف على قائمة المدعوّين الكرام، ومكان هذه الدعوة المباركة؟ إنّ المدعوّين، هم جيران الله تعالى، ويكفيهم شرفاً ومنزلة أن أُضيفوا إلى ذاته العليّة، ونُسبوا إليها تفخيماً وتعظيماً لهم، كما قيل للحُجَّاج زُوَّار الله، ومن ذلك ما كان يقوله جدّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هاشم بن عبد مناف، فإنّه كان إذا حضر الحاج قام في قريش خطيباً، فقال: "يا معشر قريش إنّكم جيران الله وأهل بيته، وإنّه يأتيكم في موسمكم هذا زوّار الله تبارك ذكره يُعظّمون حرمة بيته، وهم أضيافه وأحقّ الناس بالكرامة، فأكرموا أضيافه وزوّار كعبته"5.

دار الله تعالى
مكان الدعوة: دار البقاء ودار السلامة. لا موت فيها، ولا هرم، ولا سقم، ولا مرض، ولا آفة، ولا زوال‏، ولا زمانة، ولا غمّ، ولا همّ، ولا حاجة، ولا فقر. وأنّها دار الغنى، والسعادة، ودار المقامة والكرامة، لا يمسّ أهلها فيها نصب، ولا يمسّهم فيها لغوب‏6، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وهم فيها خالدون‏. وأنّها دارٌ أهلها جيران‏ اللّه‏، وأولياؤه، وأحبّاؤه، وأهل كرامته‏7، وكلّ نعت للجنّة جاء في كتاب الله تعالى، فهو وصف لهذه الدار، وقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "واعلموا أنّ من يتّق الله يجعل له مخرجاً من الفتن ونوراً من الظلم، ويُخلّده فيما اشتهت نفسه، ويُنزله منزل الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه، ظلّها عرشه، ونورها بهجته، وزوّارها ملائكته، ورفقاؤها رسله"8.

من أعمال جيران الله؟
روى الإمام أبو جعفر الباقر عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ثمّ يُنادي منادٍ من عند الله عزّ وجلّ يسمع آخرهم كما يسمع أولهم: أين جيران الله جلّ جلاله في داره، فيقوم عنق من الناس، فتستقبلهم زمرة من الملائكة، فيقولون: ماذا كان عملكم في دار الدنيا فصرتم به اليوم جيران الله في داره؟ فيقولون: كنّا نتحاب في الله عزّ وجلّ، ونتباذل في الله، ونتزاور في الله تعالى، قال: فينادي منادٍ من عند الله تعالى: صدق عبادي خلّوا سبيلهم لينطلقوا إلى جوار الله في الجنّة بغير حساب. قال: فينطلقون إلى الجنّة بغير حساب"9.

وروى أبو حمزة الثمالي، فقال: قال لي علي بن الحسين عليهما السلام: "إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثمّ يُنادي منادٍ: أَيْنَ جِيرَانُ‏ اللهِ‏ فِي دَارِهِ، فَيَقُومُ عُنُقٌ آخَرُ مِنَ النَّاسِ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: بِمَ جَاوَرْتُمُ اللهَ؟ فَيَقُولُونَ: (كُنَّا نَتَبَادَرُ فِي اللهِ‏) نَتَبَاغَضُ فِي اللهِ، وَنَتَحَابَبُ فِي اللهِ، وَ(نَتَشَارَكُ‏) نَتَبَاذَلُ فِي اللهِ، وَنُحَاسِبُ فِي اللهِ، وَنَتَبَارَكُ فِي الله"10. تبيّن من خلال هذين الحديثين الشريفين أنّ أعمال هؤلاء الملأ الكرام كلّها بسم الله، ومن الله، وإلى الله، وفي سبيل الله، وعلى ملّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

هوان الدنيا على المؤمن
في هذا القسم من الوصيّة الشريفة يُحدّد الإمام الصادق عليه السلام بعض المعايير والشروط اللازمة لإجابة الدعوة الكريمة، والظفر بذلك المقام السامي، فيقول عليه السلام في هذا الصدد: إنْ أحببتَ أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره، فَلْتَهُنْ عليك الدنيا،.. إذاً هذا هو الشرط الأوّل لحضور الدعوة، والإمام عليه السلام أراد من المؤمن عبر وضع هذا الشرط أن يكون فيه سنّة من الله تعالى، وذلك أنّ الدنيا هيّنة على الله تعالى، ومن هواها عليه جلّ شأنه أنّها لو كانت تساوي عنده جناح بعوضة لما سقى الكافر شربة ماء، والسؤال المطروح هاهنا كيف يتم هذا الشرط الذي وضعه الإمام الصادق عليه السلام؟

يُجيب عن معرفة تمام هذا الشرط مولانا الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام فيقول: "من كرم دينه عنده هانت الدنيا عليه"11، وقال عليه السلام "ما كرمت على عبد نفسه إلا هانت الدنيا في عينه"12. ولا ننسَ كذلك نتاج التفكّر السليم، فإنّ من تفكّر أبصر الحقّ وطرقه الموصلة إليه، وهانت‏ الدنيا وما فيها عنده لما رأى من كثرة انقلابها على أهلها وعدم الوفاء لهم، فيحصل له كمال الميل الى المولى الحقّ، وغاية الخشوع والطاعة له والشوق الى لقائه لعلمه بأنّ الوصول الى الدرجة العليا، والبلوغ الى السعادة العظمى، والتخلّص عن أهوال العقبى، والتقرّب الى مقام الزلفى إنّما يحصل بترك الدنيا والتزام العبادة والتقوى، فيصرف نفسه عن ميدان الطغيان ويُجريها في مضمار الطاعة ومرضاة الرحمن، ويُقدّم لنفسه ما ينفعه في دار الجنان والتوفيق من اللّه الملك المنّان13.

كيف يتعامل المؤمن مع الدنيا؟
والدنيا كما أخبر الله سبحانه بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ14، وإنّ من عظيم الأسف أن يظلّ الكثيرون منّا في غفلة وتعامٍ عن ذلك، وقد قال الخالق تبارك وتعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ15.

قال النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "كُنْ في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل"16، يوجّهنا الذي ما ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الحديث الشريف إلى أنّ المؤمن لا ينبغي له أن يتّخذ الدنيا داراً يطمئنّ فيها لأنّها دار هدنة أي: "دار بلاغ وانقطاع"، ونحن على ظهر سفر والسير بنا سريع، وقد رأينا الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كلّ جديد، ويُقرّبان كلّ بعيد، ويأتيان بكلّ موعود، فالواجب إعداد الجهاز لبُعد المجاز، وقد اتفقت على ذلك وصايا أنبياء الله تعالى وأوصيائهم، وقال تعالى حاكياً نداء مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار17.

لقد نام سيّد ولد آدم صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم على حصير، فقام وقد أثّر في جنبه، فقالوا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "ما لي وللدُّنيا، ما أنا في الدنيا إلاّ كراكبٍ استظلّ تحت شجرة ثمَّ راحَ وتركها"18.

وخاطب مولانا الإمام علي بن الحسين عليهما السلام أصحابه قائلاً: "إخواني أوصيكم بدار الآخرة ولا أوصيكم بدار الدنيا، فإنّكم عليها حريصون، وبها متمسّكون، أما بلغكم ما قال عيسى ابن مريم عليهما السلام للحواريّين. قال لهم: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها، وقال: أيّكم يبني على موج البحر داراً تلكم الدار الدنيا، فلا تتّخذوها قراراً"19.

واجعل الموت نصب عينيك
أرشدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً: "أكثروا من ذكر هادم اللذّات، فقيل: يا رسول اللّه، وما هادم اللذّات ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: الموت، فإنّ أكيس المؤمنين أكثرهم ذكراً للموت، وأحسنهم للموت استعداداً"20.

وقال الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: "من صوّر الموت بين عينيه هان أمر الدّنيا عليه"21، وقال عليه السلام: "اتّقوا باطل الأمل، فربّ مستقبل يوم ليس بمستدبره، ومغبوط في أول ليلهِ . قامت بواكيه في آخره"22.

والواقع أنّ أصحاب العقول لا يُمكن أن يغترّوا بطول الآمال، وهم يرون في كلّ يوم وفي كلّ صباح وفي كلّ مساء أجناس الناس الذين ينتقلون إلى الدار الآخرة، ممّن هم أقوى منهم أبداناً وأكثر أموالاً كلّ هؤلاء يُدفنون جميعاً يُشيّعون ليُدفنوا في المقابر، وكلّنا صائرون إلى ذلك المصير، وقد قال مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام: "من أيقن أنّه يُفارق الأحباب، ويسكن التراب ويواجه الحساب، ويستغني عمّا خلف، ويفتقر إلى ما قَدّم، كان حريّاً بقصر الأمل وطول العمل"23.

إنّ المسلم إذا استحضر الموت وجعله نصب عينيه اجتهد في الطاعة، ونشط في العبادة، ومن يفعل ذلك أُكرم بتعجيل التوبة، وقناعة القلب، وأمّا أهل الغفلة الذين نسوا الموت وذكره، فحالهم لم يعد خافياً على أكثر عباد الله، لأنّ جُلّ أحوالهم أصبحت تُرى وتُشاهد، وأهل النظر السليم يرون كيف قد عوقب الذين نسوا الموت بتسويف التوبة، وعدم الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة.

واعلم أنّ لك ما قدّمت
لبيان هذه الكلمة المباركة التي نطق بها الإمام الصادق عليه السلام أثرنا المجيء بمثالين عظيمين يُبيّنان هذا المطلب بأوضح بيان، وأفصح لسان، فقد روى سويد بن غفلة، فقال: دخلتُ على أمير المؤمنين عليه السلام داره، فلم أر في البيت شيئاً، فقلتُ فأين الأثاث يا أمير المؤمنين؟ فقال: "يا بن غفلة، نحن أهل البيت لا نتأثّث في الدنيا. نقلنا أجلّ متاعنا إلى الآخرة، فإنّ مثلنا في الدنيا كراكب تحت شجرة ثم راح وتركها"24.

ودخل رجل على أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، فجعل يُقلّب بصره في بيته، فقال: "يا أبا ذر! أين متاعكم؟ فقال أبو ذر: إنّ لنا بيتاً نوجّه إليه صالح متاعنا، فقال الرجل: إنّه لا بدّ لك من متاع ما دمت هاهنا، فقال أبو ذر: إنّ صاحب المنزل لا يدعنا فيه"25.

دعوتنا فانصح لنا
روي عن الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "قام أبو ذر رضي الله عنه بباب الكعبة، فقال: أنا جندب بن جنادة الغفاري هلمّوا إلى أخٍ ناصح شفيق، فاكتنفه الناس، فقالوا: قد دعوتنا فانصح لنا، فقال: لو أنّ أحدكم أراد سفرا لأعدّ فيه من الزاد ما يُصلحه، فما لكم لا تزوّدون لطريق القيامة وما يُصلحكم فيه، قالوا: كيف نتزوّد لذلك؟ فقال: يحجّ الرجل حجّة لعظام الأمور، ويصوم يوماً شديد الحر ليوم النشور، ويُصلّي ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، ويتصدّق بصدقة على مسكين لنجاة من يوم عسير، ويتكلّم بكلمة حقّ فيُجيره الله بها يوم يستجير، ويسكت عن كلمة باطل فينجو بذلك من عذاب السعير. يا ابن آدم اجعل الدنيا مجلسين مجلساً في طلب الحلال، ومجلساً للآخرة، ولا تزد الثالث، فإنّه لا ينفعك، واجعل الكلام كلمتين كلمة للآخرة، وكلمة في التماس الحلال، والثالثة تزرك، واجعل مالك درهمين درهم تُنفقه على عيالك، ودرهماً لآخرتك والثالث لا ينفعك، واجعل الدنيا ساعة من ساعتين ساعة مضتْ بما فيها، فلست قادراً على ردّها، وساعة آتية لستَ على ثقةٍ من إدراكها، والساعة التي أنت فيها ساعة عملك، فاجتهد فيها لنفسك واصبر فيها عن معاصي ربّك، فإنْ لم تفعل، فقد هلكت، ثم قال: قتلني همّ يوم لا أُدركه"26.

وعليك ما أخّرت
حذّرنا الله تعالى والنبيّ المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الدنيا، وطلبا منّا أن تكون أعمالنا أعمال أبناء الآخرة، كي لا نُسأل فيها عن ما أخّرنا من الأعمال في دار الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّ الله يُعطي الدنيا من يُحبّ ويُبغض. وإذا أحبّ الله عبداً أعطاه الإيمان. ألا إنّ للدين أبناء وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين، ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا إنّ الدنيا قد ارتحلت مولية، والآخرة قد ارتحلت مقبلة . ألا وإنّكم في يوم عمل ليس فيه حساب. ألا وإنّكم توشكون في يوم حساب وليس فيه عمل"27.

ولأنّ القضية قضية حساب ونحن نريد تقريب معنى قول الإمام إلى الأذهان، نقول: إنّ المطلوب من المسلم الحرص على أن لا تكن له أسوة بالمغرورين في جمع المال على المال، فكم من جامع لبعل حليلته، أو زوج ابنته. وتقتير المرء على نفسه، توفير لخزانة غيره، إنّما يجمع المرء المال لأحد ثلاثة، إمّا لزوج امرأته، أو زوج ابنته، أو لولده فإن كان غير صالح ضيّعه، فالعاقل هو: الناصح لنفسه الذي يأخذ معه زاداً لآخرته، ولا يؤثر هؤلاء على نفسه كي لا يكون يوم القيامة عبرة للناظرين.

قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "رحم الله أمرأً قصّر الأمل، وبادر الأجل، واغتنم المهل، وتزوّد من العمل"28، وقال عليه السلام: "طوبى للراغبين في الآخرة الزاهدين في الدنيا، أولئك قوم اتخذوا مساجد الله بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طهوراً، والقرآن شعاراً، والدعاء دثاراً، ثم قرضوا من الدنيا تقريضاً على منهاج عيسى بن مريم عليه السلام"29.

نتيجة أعمال جيران الله
لقد بدأ الإمام الصادق عليه السلام هذه الوصيّة بالدعوة إلى جوار الجليل جلّ جلاله، وقد ذكرنا شيئاً من مواصفات وأعمال جيران الله تعالى، ولم نُشير إلى تفاصيل عوائد الله الكريم عليهم، وقد أرتأينا تأخير ذلك لنختم به هذه الفقرة من وصية الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام، ولنبدأ بقول جدّه الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام: ".. جيران الله يتمنّون عليه فيُعطيهم ما تمنّوه، ولا يُردّ لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيباً من اللذّة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل، ويعمل له بتقوى الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله.."30.

وقال عليه السلام: ".. فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران الله، رافق بهم رسله، وأزارهم ملائكته، وأكرم أسماعهم عن أن تسمع حسيس نارٍ أبداً، وصان أجسادهم أن تلقى لغوباً ونصباً، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.."31.

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: ".. جيران الله في داره يخاف الناس ولا يخافون، ويُحاسب الناس ولا يُحاسبون"32.

ومن حديث للإمام الصادق عليه السلام: "نحن جيران الله غداً في داره، فمن قبِل منّا وأطاعنا فهو في الجنّة"33.

* طلائع القلوب، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- الفقيه المُحدث الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، تحف العقول، ص304، طبعة:2، جماعة المدرسين، قم.
2- سورة آل عمران، الآية 140.
3- سورة البقرة، الآية 157.
4- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص472، باب ثواب صلاة الليل .
5- أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري، أنساب الأشراف، ج1، ص60، طبعة:1، دار الفكر، بيروت.
6- العبارة اشارة إلى الآية 35 من سورة فاطر.
7- الشيخ الصدوق محمد بن علي، إعتقادات الإمامية، ص76، طبعة:2، مؤتمر الشيخ المفيد، قم.
8- ابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج10، ص116، طبعة:1، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.
9- الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، ص103، طبعة:1، دار الثقافة، قم.
10- الثقة الجليل الحسين بن سعيد الكوفي الأهوازي من أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، الزهد، ص93.
11- الآمدي، غرر الحكم ودرر الكلم، ص625، وعلي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص460.
12- م.ن، ص701، و عيون الحكم والمواعظ، ص482.
13- المولى صالح المازندراني، شرح الكافي، ج8، ص171، طبعة:1، الدار الإسلامية، طهران.
14- سورة الحديد، الآية 20.
15- سورة الأنعام، الآية 32.
16- الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 381، المجلس الثالث عشر.
17- سورة غافر، الآية 39.
18- محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح، ج 4 ص 508، حديث 2377، باب 44، طبعة دار الفكر.
19- الشيخ المفيد أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد بن النعمان العكبري، الأمالي، ص 43، المجلس السادس، طبعة 1: قم .
20- ابن الأشعث محمد بن محمد، الجعفريات، ص 199، باب ذكر الموت، ط 1، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.
21- الآمدي، غرر الحكم و درر الكلم، ص625.
22- م.ن، الفصل السابع "الأماني"، رقم: 7231.
23- محمد بن علي الكراجكي، كنز الفوائد، ج 1، ص 351، طبعة 1: دار الذخائر، قم.
24- ووارم بن أبي فراس مسعود بن عيسى، تبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج2، ص22، وحسن بن محمد الديلمي، إرشاد القلوب، ج1، ص20، طبعة:1، الشريف الرضي، قم.
25- أحمد بن الحسين البيهقي، شعب الإيمان، ج 7، ص 378، رقم (10651)، طبعة 1: دار الكتب العلمية.
26- الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج2، ص282، ورواه في الخصال أيضاً، وكذلك رواه الشيخ المفيد في الأمالي، ص215، ووارم بن أبي فراس مسعود بن عيسى، تبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج2، ص20، واللفظ لوارم.
27- وارم بن أبي فراس مسعود بن عيسى، تبيه الخواطر ونزهة النواظر، ج1 ، ص 271، طبعة 1: مكتبة الفقيه .
28- الآمدي التميمي، غرر الحكم و درر الكلم، الفصل الثالث، آثار الاعتقاد بالمعاد، رقم: 2734 .
29- الشيخ الصدوق مُحمد بن علي بن بابويه القمي، الخصال، ج 1، ص 337، طبعة 1: جماعة المدرسين، قم.
30- الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري، الأمالي، ص263، طبعة: 1، مؤتمر الشيخ المفيد، قم.
31- ابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج10، ص123، طبعة:1، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم.
32- الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، الأمالي، ص103، طبعة:1، دار الثقافة، قم.
33- القاضي ابن حيون النعمان بن محمد المغربي، دعائم الإسلام، ج1، ص50، طبعة:2، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم.

24-05-2017 عدد القراءات 1980



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا