22 أيلول 2017 الموافق لـ 01 محرّم 1439
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: لا تقربوا

الاستكبار



عن الإمام الصادق عليه السلام: "أصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد"1.

بيِّن القرآن الكريم علاقة الاستكبار بالكفر في قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ2، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ3.

إبليس بين الكفر والإيمان
لم يكن إبليس منكرًا لوجود الله تعالى، بل كان يؤمن بالله، وأنه الخالق له ولغيره (خَلَقْتَنِي ..وَخَلَقْتَهُ). وكذا كان يؤمن بصفات الله الكمالية ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ4. وكذا كان يؤمن بيوم القيامة ﴿فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ5. ومع ذلك رفض السجود لآدم عليه السلام، لماذا؟

القرآن يجيب بأنّ السبب هو الاستكبار، قال تعالى مخاطباً إبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ6. وبما أنّه ليس من العالين، فيبقى أنّ السبب هو الاستكبار، وقد عبّر إبليس عن استكباره بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ7، وهذا يعني أنّه رأى نفسه فوق غيره، واعتقد أنّ منزلته أرفع من منزلة غيره، فتكلَّف الترفُّع على الغير وتعالى عليه، وهذا معنى الاستكبار.

وكانت نتيجة سلوكه النابع من هذه الرؤية أن الله تعالى حكم بالكفر: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ8.

إذاً مشكلة إبليس لم تكن من الناحية العلميّة والمعرفيّة، بل كانت سلوكية نابعة من رؤية خاصة، قال الشاعر:
لو كان العلم من دون تقىً شرفاً***لكان أشرف خلق الله إبليس

الاعتبار من قصة إبليس
ينبِّهنا أمير المؤمنين عليه السلام أنّ قصة إبليس لا تنحصر الاستفادة منها في دائرة المعلومة التاريخية، بل ينبغي أن تكون محلّاً للاعتبار، لذا يقول عليه السلام: "ما كان الله سبحانه ليُدخل الجنّة بشرًا بأمر أخرج به منها ملكًا"9.

الاستكبار والكفر
إنّ علاقة الاستكبار بالكفر لم تنحصر بما ورد في قصة إبليس وامتناعه عن السجود لآدم عليه السلام، فقد تقدّم أنّ الإمام الصادق عليه السلام اعتبر الاستكبار من أصول الكفر، وقد أكَّد هذا المعنى في جواب لمن سأله عن أدنى الإلحاد فقال له: "الكبر أدناه"10. وهذا يشير إلى أنّ الكفر والإلحاد لا ينطلقان دائماً من خلفيّة نظرية، وإشكالات فكريَّة، بل قد يكون للكفر مناشئ نفسيّة، والاستكبار هو من هذه المناشئ الخطيرة المؤدّية للكفر. وهذا ما يؤكّد ضرورة التعمّق بهذه الآفة الخطرة لفهم أسبابها، وبواعثها، ومظاهرها، وطرق التخلّص منها، وتمييزها عن غيرها وهذا ما نعرضه فيما يأتي.

سبب الاستكبار
قال الإمام الخمينيّ قدس سره: "للكبر أسباب عديدة ترجع كلّها إلى توهم الإنسان الكمال في نفسه، ممّا يبعث على العجب الممزوج بحبّ الذات، فيحجب كمال الآخرين، ويراهم أدنى منه، ويترفّع عليهم قلبياً أو ظاهريًا"11.

والعجب الذي أشار إليه الإمام قدس سره هو عبارة عن استعظام الذات باستعظام خصالها التي يراها الإنسان كماليّة، فيركن إليها ناسباً لها إلى نفسه لا إلى الله عزَّ وجلَّ.

وقد ورد العديد من الأحاديث المحذِّرة من العجب المبيِّنة لآثاره السيئة، كالحديث النبويّ الشريف: "... لا وحدة أوحش من العجب"12، وما روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "من دخله العجب هلك"13 إلى غير ذلك.

والعجب هذا، وإن انطلق ممّا يراه الإنسان كمالاً في نفسه، إلاّ أن التدبّر في الأمر يؤدّي إلى فهم المغزى العميق للحديث المشرِّح لنفسيّة المتكبِّر، وهو ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "ما من رجلٍ تكبَّر أو تجبَّر إلاّ لذلة يجدها في نفسه"14.

لواقح الاستكبار
مع أنّ العجب هو السبب الرئيسيّ للاستكبار، إلاّ أنّ جملة من الأمور تساهم في صنعه أطلق عليها أمير المؤمنينعليه السلام مصطلح "لواقح" في قوله الوارد عنه: "استعيذوا بالله من لواقح الكبر، كما تستعيذونه من طوارق الدهر"15.
ولعلّ من أبرز هذه اللواقح الأمور الآتية:
١- الغنى والثروة.
٢- الجمال وحسن الهيئة.
٣- القوة والشجاعة.
٤- الشهرة.
٥- النسب.
٦- العلم... الخ.


مظاهر الاستكبار
نلاحظ أنّ المستكبرين يعكسون تكبّرهم من خلال ما يظهرونه من أمور من قبيل: نوعية الثياب، هيئة الجلوس، كيفية المشي، نبرة الصوت ... إلى غير ذلك من الأمور.

الآداب المتعلِّقة بمظاهر التكبُّر
وقد أولى الإسلام الاهتمام المناسب لإبعاد الإنسان عن مظاهر التكبُّر، فقد وردت الأحاديث العديدة الداعية إلى التفات الإنسان إلى ثيابه وجلوسه ومشيه بأن لا تدلّ على تكبّر صاحبها، نعرض من ذلك:

١-عدم تطويل الثوب
كان المتكبِّرون فيما مضى يميِّزون أنفسهم بتطويل الأثواب، لذا وردت الأحاديث تنهى عن فعل ذلك، لدلالته على التكبُّر، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله عزّ وجلّ إليه يوم القيامة"16، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إياك وإسبال الإزار والقميص17، فإنّ ذلك من المخيلة، والله لا يحبّ المخيلة"18، وعن الإمام الصادق عليه السلام: "ما حاذى الكعبين من الثوب ففي النار"19.

٢- عدم التبختر في المشي
فسّر العلامة الطباطبائي في الميزان قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحً20 بأنّه نهي عن استعظام الإنسان نفسه بأكثر ممّا هو عليه لمثل البطر والأشر والكبر والخيلاء، وإنّما ذكر المشي في الأرض مرحًا لظهور ذلك فيه"21. وفي الحديث النبويّ: "من مشى على الأرض اختيالاً لعنته الأرض، ومن تحتها، ومن فوقها"22.

علاج الاستكبار
يمكن مقاربة علاج التكبّر من خلال الأمور الآتية:

١- النظرة الواقعية إلى نفسه
إنّ الخطوة الأولى لعلاج التكبُّر أن ينظر الإنسان إلى حقيقته نظرة واقعيّة، ويتفكّر في ذلك، فعن الإمام عليّ عليه السلام: "ما لابن آدم والفخر، أوّله نطفة، وآخره جيفة، ولا يرزق نفسه، ولا يدفعُ حتفه"23.

قال الإمام الخميني قدس سره في معرض كلامه حول معالجة التكبُّر: "فيا أيها الإنسان الذي لم تكن شيئاً في أول أمرك، وكنت كامناً في دهور العدم والآباد غير المتناهية، ما هو الأقلّ من العدم واللاشيء على صفحة الوجود، ثمَّ لمّا شاءتْ مشيئة الله أن يظهرك، إلى عالم الوجود، فمن جرّاء قلة قابليتك الناقصة، وتفاهتك، وضِعَتك، وعدم أهليّتك لتقبّل الفيض، أخرجك من هيولى العالم - المادة الأولى - الذي لا يكون سوى القوّة المحضة والضعف الصرف، إلى صورة الجسميّة والعنصريّة، التي هي أخسّ الموجودات وأحطّ الكائنات، ومن هناك أخرجك نطفة لو مسّتها يدك لاستقذرتها وتطهّرت منها .. وهناك حوّلك إلى علقة ومضغة، وغذّاك بغذاء يزعجك سماع اسمه ويخجلك. ولكن بما أن الجميع هذا هو حالهم وتلك هي بليّتهم، زال الخجل والبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ في كل هذه التطورات كنت أرذل الموجودات وأذلّها وأحطّها، عارياً عن إدراك ظاهريّ وباطنيّ، بريئاً من كل الكمالات. ثم شملتك رحمته، وجعلك قابلاً للحياة، ظهرت فيك الحياة رغم كونك في أشدّ حالات النقص .. فزادت برحمته تدريجياً قابليتك على إدارة شؤون حياتك، إلى أن أصبحت جديراً بالظهور في محيط الدنيا .. وبعد أن منحك بقدرته قواك الظاهرية والباطنية، ما زلت ضعيفاً وتافهاً .. ولست بقادر على الإحتفاظ بشبابك وجمالك. وإذا ما هاجمتك آفة أو انتابك مرض فلست بقادر على دفعهما عنك .. وهكذا أنت في شؤونك الأخرى عبد ذليل مسكين لا قدرة لك على شيء. ولو قارنت حظّك من الوجود ومن الكمالات بما لسائر الموجودات، لوجدت أنك أنت وكلّ الكرة الأرضيّة، بل وكل المنظومة الشمسية، لا قيمة لكم مقابل هذا العالم الجسمانيّ الذي هو أدنى العوالم وأصغرها"24.

٢- الاعتبار بمصير المتكبّرين في الدنيا
إنّ التأمّل بمصير المتكبِّرين، وما آل إليهم الأمر في الدنيا، من فقدان كلّ متاعها، ونزولهم مجرَّدين إلى القبر، لتأكل الديدان أجسادهم لهو خير عبرة لتخلّص الإنسان من الكبر.

التدبُّر في مصير المتكبِّرين في الآخرة
وقد كثرت النصوص الدينيّة حول ذلك منها: قال تعالى: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ26.

عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صورة الرجال، يغشاهم الذلّ من كل مكان"27.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: "العزّ رداء الله، والكبر إزاره، فمن تناول شيئاً منه أكبّه الله في جهنّم"28.

حقيقة الكبر المذموم
قد يفهم البعض التكبُّر المذموم فهماً خاطئاً يؤدّي بالبعض إلى تكوين صورة المؤمن بحيث يكون فيها ذليلاً في مظهره، مسكيناً في تعامله، بعيداً عن الأناقة والجمال في شكله. مع أنّ هذه الصورة تجافي بإطلاقها ما يريده الإسلام من المؤمن ولتوضيح المطلب أعرض النصوص الآتية:

١- سمع أحدهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "من مات وفي قلبه مثقال ذرّة من كبر لم يجد رائحة الجنة إلاّ أن يتوب قبل ذلك، فقال: يا نبيّ الله، إنّي لأحب أن أتجمّل بخلاّن سوطي وشسع نعلي. فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أنّى ذلك، وليس من الكبر، إنّ الله يحبُّ الجمال، إنّما الكبر من سفه الحق، وغمض الناس بعينه"29.

٢- ورد أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أمن الكبر أن يكون لأحدنا دابّة يركبها، والثياب يلبسها، أو الطعام يجمع عليه أصحابه؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا، ولكن الكبر أن يسفه الحق ويغمض المؤمن"30.

٣- ورد في سيرة أمير المؤمنين عليه السلام: أنه لما قتل عمرو بن ود العامريّ، أتى إلى ناحية المسلمين وهو يتبختر في مشيته، فقال أحد الصحابة: ألا ترى يا رسول الله إلى عليّ كيف يتيه في مشيه، فقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "إنّها مشية لا يمقتها الله في هذا المقام"31.

* لا تقربوا، سماحة الشيخ أكرم بركات، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

1- الكليني، محمد، الكافي، ج٢، ص ٢٨٩.
2- سورة ص، الآيتان: ٧٥-٧٦.
3- سورة البقرة، الآية ٣٤.
4- سورة ص، الآية ٨٢.
5- سورة ص، الآية ٧٩.
6- سورة ص، الآية ٧٥.
7- سورة ص، الآيتان: ٧٥-٧٦.
8- سورة البقرة، الآية ٣٤.
9- المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، تصحيح محمّد مهدي الخرساني، لا، ط-، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ١٣٩٦هـ، ج١٤، ص ٤٦٦.
10- الكليني، محمد، الكافي، ج٢، ص ٣٠٩.
11- الخمينيّ، روح الله، الأربعون حديثاً، ترجمة محمد الغروي، لا،ط-، بيروت، دار التعارف، ١٩٩١، ص ٨٨.
12- البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج١، ص٣٩٦.
13- المرجع السابق، ص٣٦٨.
14- الحرّ العامليّ، محمّد، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، ط٢، قم، ١٤١٤ هـ، ج١٥، ص ٣٨٠.
15- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج١٤، ص ٤٦٨.
16- الطوسي، محمد، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية، ط١، قم، دار الثقافة، ١٤١٤هـ، ص ٥٣٨.
17- أي إرخاءه على الأرض.
18- الكليني، محمد، الكافي، ج٦،ص ٤٥٦.
19- الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، ج١٥، ص ٣٨٣.
20- سورة الإسراء، الآية ٣٧.
21- الطباطبائي, محمّد حسين, الميزان في تفسير القرآن, ط٥, بيروت, الأعلمي, ١٩٨٣م, ج١٣، ص ٩٦.
22- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج٧٣، ص ٣٠٣.
23- ابن أبي طالب، الإمام علي، نهج البلاغة، ص ٥٥٦.
24- الخمينيّ، روح الله، الأربعون حديثاً، ص٩٨-٩٩.
25- المسعودي، علي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط٢، قم، دار الهجرة، ١٤٠٤هـ، ج٤، ص ١١.
26- سورة النحل، الآية ٢٩.

17-05-2017 عدد القراءات 434



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا