22 أيلول 2017 الموافق لـ 01 محرّم 1439
En FR

الأخلاق والآداب الإسلامية :: لا تقربوا

إشاعة الفاحشة



﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ1.

الفاحشة، كما تقدم، هي الفعل المتناهي في القبح2، وبتعبير آخر هو العمل المُنكر الذي يستقبحه المجتمع3، إلا أنّ قبحها ذاتيّ، بمعنى أنه لا يتوقّف على معرفة المجتمع به، من هنا قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ4.

وقد تحدّث القرآن الكريم عن بعض مصاديق الفاحشة، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيل5.

وفي مقابل المنع من الاقتراب من الفاحشة والتحذير من ذلك، وعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اجتنبها بثواب عظيم، فعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من عرضت له فاحشة أو شهوة، فاجتنبها من مخافة الله عزّ وجلّ، حرّم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الأكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ"6.

سياسة التستّر
إنّ قبح الفاحشة لا ينحصر بفعلها فقط، بل يشمل الحديث عنها وإشاعة حدوثها بين الناس، لأنّ ذلك يؤدّي إلى أمرين:

الأوّل: الانتقاص من كرامة الإنسان العزيز، وهذا يكون في الحديث عن المؤمن الآخر بأنّه ارتكب فاحشة، وفي حديث المؤمن عن نفسه أنّه ارتكب فاحشة.

الثاني: تهديد درع الحياء الاجتماعي، فإنّ الحديث عن حصول الفاحشة وإفشاء ذلك ونشره يساعد في ضعف المناعة في المجتمع، ويقلّل من استعظام الفواحش.

لأجل هذين الأمرين انتهج الإسلام سياسة الستر والتستر عن الفواحش والذنوب، بل عن كل يساهم في ضعف القيم في المجتمع، وذلك من خلال خطوات:

الأولى: أنّه لم يعطِ الإنسان المؤمن حريّة أن ينتهك كرامته الشخصية، فقد ورد في الحديث: "إنّ الله عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره كلّها، ولم يفوِّض إليه أن يذلّ نفسه"7.

من هنا دعا الإسلام إلى أن يستر المؤمن ما يفعله من الذنوب عن الناس، ففي روضة الواعظين في مقام الحديث عن منن الله تعالى في الإسلام أنَّ من يرتكب من المسلمين الخطيئة "ويخفيها عن الأبصار فيطلع عليه ربّه، فإنَّه تعالى يقول للملائكة: عبدي قد ستر ذنبه عن أبناء جنسه لقلّة ثقته بهم، والتجأ إليَّ، لعلَّه تتبعه رحمتي. أشهد أنى قد غفرتها له لثقته برحمتي، فإذا كان في يوم القيامة وأوقف للعرض والحساب يقول (أي الله تعالى) عبدي: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وانا الذي أستره عليك اليوم"8.

الثانية: التستر داخل الحياة الزوجية، فقد عبّر الله تعالى عن الزوجة والزوجة باللباس ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ9. ومن الواضح أنّ من وظيفة اللباس الستر.

وهذا يعني أن الأصل هو عدم خروج المشاكل عن نطاق البيت الزوجي، بل أكثر من ذلك هو احتياط الله تعالى بأن لا يعرف الأولاد بالمشاكل بين أبيهم وأمهم، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ10. فلم يقل اهجروهن عن المضاجع، بل في المضاجع بأن يكون التعبير عن الموقف السلبي نتيجة النشوز هو الهجران في داخل المضجع بأن يدير الرجل للمرأة ظهره حتى لا يشعر الأولاد بوجود مشكلة بين أبويهم.

الثالثة: دعا الإسلام إلى عدم تبنِّي المؤمن لما يسمعه من أحاديث سلبية عن الآخرين، وإلى ضرورة التثبت من ذلك، وتقديم منهج الحمل على المحمل الحسن.

قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُول11. وفي الحديث عن الفضيل أنّه قال للإمام موسى الكاظمعليه السلام: "جعلت فداك، الرجل من إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله عن ذلك فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمد، كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسَّامة، وقال لك قولاً، فصدّقه وكذِّبهم، ولا تذيعنَّ عليه شيئاً تشينه به، وتهدم به مروءته، فتكون من الذين قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"12.

الرابعة: التحذير من إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا محذّراً من عواقب أخروية ودنيوية.

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ13.

ومن باب تطبيق ما ورد في الآية ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: "من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو ممن قال الله عز وجل : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ14.

العذاب الأليم
يمكن مقاربة العذاب الأليم الذي ذكرته الآية الشريفة من خلال الروايات الآتية:

أ- في الدنيا
ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن عيَّر مؤمناً بشئ لم يمت حتى يركبه"15.

ومن الآثار الدنيوية ردّ شهادتهم الخارجة عن الإطار الشرعي الدقيق، وذلك بصورة قاسية، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ16.

ب- في الآخرة
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "من رمى محصنًا أو محصنة أحبط الله عمله وجلده يوم القيامة سبعون ألف ملك من بين يديه ومن خلفه...ثمّ يؤمر به إلى النار"17.

ومما يبرز بشاعة نشر الفاحشة ما ورد في الحديث: "ألا ومن سمع فاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها"18.

* لا تقربوا، سماحة الشيخ أكرم بركات، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


 1- سورة النور، الآية 19.
2- الفيض الكاشاني، محمد، التفسير الأصفى، تحقيق مركز الأبحاث والنشر الإسلامي، ط1، لا،م-، مكتب الإعلام الإسلامي، 1418هـ، ج3، ص 366.
3- الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج4، ص 308.
4- سورة الأعراف، الآية 33.
5- سورة الإسراء، الآية 32.
6- الصدوق، محمد، الأمالي، ص 514.
7- الكليني، محمد، الكافي، ج5، ص 63.
8- النيسابوري، محمد، روضة الواعظين، تحقيق محمد مهدي السيد حسن الخرسان، لا،ط-، قم، منشورات الشريف الرضي، لا،ت-، ص 304.
9- سورة البقرة، الآية 187.
10- سورة النساء، الآية 34.
11- سورة الإسراء، الآية 36.
12- الكليني، محمد، الكافي، ج8، ص 147.
13- سورة النور، الآية 19.
14- الصدوق، محمد، الأمالي، ص 417.
15- الكليني، محمد، الكافي، ج2، ص 356.
16- سورة النور، الآية 4.
17- الصدوق، محمد، ثواب الأعمال، ص 285.
18- الصدوق، محمد، الأمالي، ص 516.

15-05-2017 عدد القراءات 500



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا