22 تشرين الأول2017 الموافق لـ 02 صفر 1439هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: مقالات إسلامية

أساليب التبليغ - 2 -



أسلوب التذكير بالنعمة
يجب على المبلِّغ أن يحبّب الله تعالى إلى الناس. ومن أجل إيجاد هذا الحبّ لله في قلوبهم، يجب تذكيرهم بعَظَمَةِ الله ونِعَمه، سواءٌ منها العامّة كالسلامة والحياة والعلم والإيمان، أم الجزئية كالعين والفم والشفتين وما إلى ذلك.. وهذا ما يوجب معرفة أساليب القرآن في التبليغ.

وتذكير الناس بالنعم من الأساليب الإقناعية الّتي استخدمها القرآن الكريم في العديد من الموارد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا1.

وهكذا في نِعمة الرزق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ..2.

ونعمة الوحدة: ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ...3.

ونعمة القيادة والهداية: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء..4.

أسلوب بناء النفوس وتقوية المعنويّات
على المبلِّغ أن يبيِّن للناس أنّ دين الإسلام هو دين الرحمة، وأنّ باب رحمة الله تبارك وتعالى لا يسدُّ بوجه أحدٍ من العباد مطلقاً، إذ لربما كان العباد المذنبون يريدون التوبة والرجوع إلى خالقهم عزّ وعلا، فيلزم أن يكون الطريق مفتوحاً أمامهم، والله تعالى يقبل توبة عباده، فهو الرحمن الرحيم: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ...5. ﴿..غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ...6.

ومن جملة صفاته عزّ وعلا: الغفور، الغفَّار، الرؤوف، الودود، ستّار العيوب، وهي صفات تصف مقدار سَعة رحمته عزّ وجل، وأنّ باب رحمته مفتوحٌ دائماً.

ولا تقتصر رحمة الله تعالى على قبول التوبة، بل هو عزّ وجلّ يبدِّل السيّئات حسنات ويثيب عليها: ﴿...يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ...7. ﴿...إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ...8.

روى معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: رجل راوية لحديثكم يبثّ في الناس ويشدّده في قلوبهم وقلوب شيعتكم،

ولعلّ عابداً من شيعتكم ليست له هذه الراوية، أيهما أفضل؟ قال: "الراوية لحديثنا يشدّ به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد"..9
 

أسلوب إثارة العواطف
يستعمل الله عزّ وجلّ أسلوب إثارة العواطف من أجل تربية الناس. فمثلاً: لإبعاد الناس عن الغِيبة يشبِّهُها بأكل لحم الأخ ميتاً، ولا يخفى ما في هذا المثال من إثارةٍ للعواطف والإحساسات: ﴿...أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا...10.

نبيّ الله وخليله إبراهيم عليه السلام يخاطب عمّه آزر أربع مرات بلفظ ﴿يَا أَبَتِ11 إذ لعلّه بذلك يثير عاطفته فيلين قلبُه ويرجع إلى طريق الهداية.

وعندما رجع نبيّ الله موسى عليه السلام إلى قومه، كانوا قد انحرفوا فعبدوا العجل، فأخذ برأس أخيه هارون عليه السلام إلى قومه، فما كان من هارون عليه السلام ومن أجل إثارة عاطفةِ أخيه موسى عليه السلام إلّا أن خاطبه بقوله: ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي...12.

وقد جاءت سورة الحجرات لتوصينا بعدّة وصايا في هذا الباب ومن أجل حفظ عواطف الناس وإحساساتهم.

وقد أشار القرآن الكريم إلى لزوم حُسن معاملة الوالدين معاملة خاصّة لدى بلوغ أحدهما سنّ الكهولة: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا...13.

وفي ذلك إثارة للعاطفة الموجودة لدى الأولاد.

وكذلك في قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ...14..

وفي هذه الآية ما لا يخفى من العاطفة.

أسلوب إيقاظ الوجدان

حيث إنّ الإنسان يوجد لديه قبول لبعض الأمور والمسائل بشكل فطريّ طبيعيّ، ودون الحاجة إلى التلقين، فمن اللّازم علينا ـ نحن المبلِّغين ـ أن نستفيد من تلك الحالة النفسية لدى الناس والتي تسمّى الوجدان.

ونلاحظ أنّ القرآن الكريم استفاد من ذلك، حيث يخاطب الناس في بعض آياته الشريفة بالقول ﴿...وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ....

وتُجمع الآيات النازلة حول الذِكر والتذكير على أنّ الإنسان يعلم كثيراً من الأمور في داخله ويؤمن بها، لكنّه ينسى، ولذلك لزم تذكيره دائماً، ومن تلك الآيات قوله عزّ وجلّ: ﴿...فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ...15. ﴿...مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ...16. ﴿...أَوَلَمْ يَعْلَمْ...17.

وقال تعالى: ﴿...وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ...18. ذلك أن وجدانهم يأبى إلّا الحقّ، لكنّهم يعاندون.

وقال تعالى: ﴿...وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ...19.

لاحظ كيف يخاطب عزّ وجلّ الوجدان لدى الناس، ويدعوهم إلى المحاكمة الوجدانية: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا...20.

يعني هل يقبل وجدانكم هذا العمل ويرضاه؟!!.

أسلوب الاستفادة من التاريخ وتجارب الماضين

إنّ الاستفادة اليوم من تواريخ الأمم الماضية وتجاربها في إنذار الناس لَعَملٌ مؤثِّر جدّاً.

وقد وردت آيات عديدة تستعمل نفس هذا الأسلوب، قال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ...21.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ...22.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى...23.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ24.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: ".. وإن لم أكن عُمِّرتُ عُمرَ من كان قبلي فقد نظرتُ في أعمالهم...".

إنّ ذلك يبعث على العبرة. وليس السير والسياحة في الأرض في الواقع إلّا استفادة من التاريخ وتجارب الآخرين، وله آثار إيجابية جمَّة: ﴿...قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ...25. ﴿...أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ...26.

إنّ التذكير بما جرى على الأمم السالفة من العذاب والإبعاد عن رحمة الله تعالى أسلوب مؤثّر جدّاً في المخاطَبين.

ولأجل تعليم بني آدم يذكِّرهم الله تعالى بما جرى على أبوَيهم من قبل آدم وحوّاء عليها السلام: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ...27.

وهناك أمثلة كثيرة على هذا الأسلوب، نذكر منها مثالاً على تذكير الله تعالى لنا بما جرى على الأولياء من قبل، وذلك للربط على قلوب أوليائه عزّ وجلّ في كلّ حين، فيستمرّون في طريقهم نحو هدفهم بعزم تام: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ...28.

* التبليغ الديني، سلسلة المعارف الإسلامية ، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- سورة الأحزاب، الآية: 9.
2- سورة فاطر، الآية: 3.
3- سورة آل عمران، الآية: 103
4- سورة المائدة، الآية: 20.
5- سورة التوبة، الآية: 104.
6- سورة المؤمن، الآية: 2.
7- سورة الفرقان، الآية: 70.
8- سورة هود، الآية: 114.
9- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص33.
10- سورة الحجرات، الآية: 12.
11- سورة مريم، الآية: 24.
12- سورة الأعراف، الآية: 150.
13- سورة الإسراء، الآية: 23.
14- سورة البقرة، الآية: 220
15- سورة التكوير، الآية: 26.
16- سورة يونس، الآية: 154.
17- سورة القصص، الآية: 78.
18- سورة العنكبوت، الآية: 61.
19- سورة العنكبوت، الآية: 63.
20- سورة النساء، الآية: 21.
21- سورة مريم، الآية: 16.
22- سورة مريم، الآية: 41.
23- سورة مريم، الآية: 51.
24- سورة الأنبياء، الآية: 85.
25- سورة آل عمران، الآية: 137.
26- سورة الروم، الآية: 9.
27- سورة الأعراف، الآية: 27.
28- سورة آل عمران، الآية: 146.

03-05-2017 عدد القراءات 218



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا