18 تشرين الثاني 2018 الموافق لـ 10 ربيع الأول 1440 هـ
En FR

الأسرة والمجتمع :: التربية الإيمانية

الجهاد ودوره في القرب من الله



تتجلّى مصاديق العبوديّة والعمل الصالح في محاور ثلاثة: علاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بالخلق وعلاقته بالله عزّ وجلّ. تحدّثنا في الدرس السابق عن الصلاة، وهي أحد مصاديق العبوديّة التي محورها العلاقة مع الله تعالى، وسوف نتناول في هذا الدرس مصداقًا عمليًّا آخر للإيمان بالله تعالى، وهو الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ، حيث يُعتبر الجهاد من أبرز مصاديق العبوديّة وأشرفها، ومن أفضل الأعمال الصالحة وأحبّها إلى الله تعالى. ففي روايةٍ أنّ رجلًا أتى جبلًا ليعبد الله فيه، فجاء به أهله إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فنهاه عن ذلك، وقال: "إنّ صبر المسلم في بعض مواطن الجهاد يومًا واحدًا خير له من عبادة أربعين سنة"1.

معنى الجهاد وحقيقته
الجهاد لغةً من الجهد، وهو بذل الوسع والطّاقة، أو تحمّل العناء والمشقّة. أمّا اصطلاحًا، فقد عرّف الفقهاء مصطلح الجهاد بأنّه: "بذل النفس وما يتوقّف عليه من المال في محاربة المشركين أو الباغين على وجهٍ مخصوص، أو بذل النفس والمال والوسع في إعلاء كلمة الإسلام، وإقامة شعائر الإيمان"2.

وقد استخدم القرآن المجيد في آياته التي تحدّثت عن موضوع بذل الجهد والوسع في قتال العدوّ، استخدم مفردتين اثنتين، هما: الجهاد والقتال، في قوله تعالى ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ3، وقوله عزّ وجلّ ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ4.

واعتبر بعضُ المفسِّرين أنّ آيات الجهاد الواردة في القرآن الكريم ناظرة في الواقع إلى نوعين من الجهاد: جهاد النفس وجهاد العدوّ. فعلى سبيل المثال، فسّر العلامة الطبرسيّ (قده) معنى الجهاد في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ5 بجهاد الكفّار، وبمجاهدة أهواء النفس6. أمّا كلمة القتال فهي بمعنى الحرب، ولم تستعمل في القرآن المجيد سوى للإشارة إلى الحرب مع العدوّ الظاهريّ والخارجيّ.

فضل الجهاد وأهمّيّته في الآيات والروايات
عندما ننظر إلى آيات القرآن الكريم، نجد أنّه قَلّما نزلت آيات بشأن فرعٍ من فروع الدين الإسلاميّ كما هو الحال بشأن الجهاد، ثمّ نجد أنّه نزلَ بعضٌ منها بلسانٍ صريحٍ، ينصّ على الجهاد والقتال، وبعضٌ آخر بلسانٍ غير مباشر، يتعرّض إلى المسائل الجانبيّة المتعلّقة به.

ولأجل أن يبيّن القرآن المجيد أهمّيّة الجهاد، عمد إلى مقارنته بخدمة الحجاج وعمارة المسجد الحرام اللَّذَين كانا محلًّا للافتخار والمباهاة في الجاهليّة، ثمّ صرّح بأفضليّة الجهاد عليهما، حيث قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ7.

ويلاحِظ المرء أنَّ كل الآيات التي تحدّثت عن فضل وعلوّ منزلة المجاهدين في سبيل الله، تحكي في الوقت نفسه عن أهمّيّة الجهاد وفضله، حيث إنّ الجهاد يتقوّم بالمجاهدين، ولا ينفكّ عنهم، كما في قوله تعالى ﴿فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمً8.

وفي آية أخرى، جعل الله تعالى نفسه مشتريَ أرواحِ المؤمنين المجاهدين وأموالهم، في صورةٍ تدلّل على قبول الله تعالى لجهاد المجاهدين المؤمنين، فهو تعالى يمتدحهم ويقدّم الوعد الجميل، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ9.

كما أشار تعالى إلى أنّ المجاهدين هم أحبّاؤه واقعًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ10، ووعدهم بالأجر العظيم والجزيل، ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمً11، واعتبرهم الفائزين في هذا العالم، وبشّرهم برحمةٍ منه ورضوان، وجنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، وخصّهم بها دون العالَمين، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ12.

هذه الآيات القرآنيّة وغيرها من الآيات التي وردت في فضل وأهمّيّة الجهاد، يُعاضدها الكثير من الروايات، ففي حديث آخر رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: "الخير كلّه في السيف، وتحت ظلّ السيف"13.

ورُوي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "من لقي الله بغير أثرٍ من جهاد، لقي الله وفيه ثلمة"14.

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا أنّه قال: "من مات ولم يغزُ، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبةٍ من نفاق"15.

العلاقة بين الإيمان بالله والجهاد في سبيله
إنَّ الجهاد في سبيل الله أحد أبرز مصاديق العمل الصالح وأحبّها إلى الله تعالى، ففي الرواية أنّ أبا ذرّ الغفّاريّ سأل النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: إيمان بالله، وجهادٌ في سبيله، قال: قلتُ: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقرَ جواده، وأُهريقَ دمُهُ في سبيل الله"16.

وعليه، فالعلاقة بين الإيمان وبين الجهاد علاقة تلازميّة، فالمجاهد في سبيل الله ينبغي أن يمتلك البصيرة والوعي والاعتقاد الصحيح، وهو الإيمان الصادق بالله تعالى. يقول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام في خطبة يبيّن فيها حال المجاهدين الأوائل زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "حملوا بصائرهم على أسيافهم، ودانوا لربّهم بأمر واعظهم"17.

إنّ المجاهدَ الذي ينظر إلى هذا العالم بعين مخلوقٍ يعترف ويُقرّ بوجود الخالق، لا يربط ظهور العالم بلطفه وفيضه فحسب، بل يعتبر أنّ ديمومة الوجود والحياة مرتبطة به تعالى في امتداد الزمن لحظة بلحظة أيضًا، لأنّه الخالق، ولا يوجد منبع للقدرة والكمال في العالم سواه، ولا معتمَد غيرُهُ، وهو الذي وصفَ نفسه بأنّه ناصرُ المؤمنين والمجاهدين في سبيله، هو عدوُّ الظالمين والمشركين في آنٍ... إلخ.

فالمجاهد الذي يمتلك مثل هذه الاعتقادات الواعية، سوف يكون من عشّاق الوصال، وتكون غايته قربَ الله وجلب رضاه. وما الإيمانُ، وأداءُ الأعمال الصالحة - ومن جملتها ذهابُه إلى الجبهة وقتالُه - إلّا لأجل نيل جوار الحقِّ سبحانه، ولقائه.

ومن خلال هذا المفهوم الارتقائيّ، لا يسعى هذا المجاهد وراء الأهداف المادّيّة الرخيصة، ولا يحول شيء من مغريات الدنيا دون عشق الوصال إلى المحبوب، وتكون تطلّعاته دومًا منحصرة في سبيل الله تعالى، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفً18.

ومثل هذا المجاهد قد رضي بقضاء الله وقدره، لأنّه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وأمله الوحيد في مصاعب الحرب وشدائدها هو الله الذي كتب على نفسه الرحمة، وعليه يتوكّل، وهو نعم المولى ونعم النصير، فلا يستمدّ العون من غيره، بل يعتقد أنّ كلّ ما يظهر في ساحة الوجود ليس سوى إرادة المولى تبارك وتعالى، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ19، وهذا هو معنى التوحيد العمليّ في حياة الإنسان المؤمن المجاهد.

والمجاهدون في عقيدتهم التوحيديّة، لو نالوا نصرًا، فإنّهم يرونه من عند الله، ويعتبرون أنّ الله هو الناصر ومن وراء كلّ سببٍ، ولا سبيل إلى ذلك إلّا به، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ20.

وعليه، فإنّ بصيرة هؤلاء المجاهدين قد أوصلتهم إلى مرحلة لا يُبتلَون معها بالغرور والعجب والمفاسد الأخلاقيّة، لأنّهم - وبناءً على التوحيد الأفعاليّ - يرون كلَّ الأسباب والمسبّبات في العالم تحت نظر الحقّ وسلطته، ويعتقدون بأنّ جميع الأمور هي بيد الله تعالى، وأنّهم ليسوا سوى وسائط قبِلها الله برحمته، فإن هَزموا العدوّ في الحرب، كانوا مجرّد عباد منفِّذين لإرادته، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ21.

ما الحكمة من وجوب القتال مع كراهيته؟
قال تعالى في محكم كتابه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ22.

إذا كان الجهاد أحد أركان الشّريعة المقدَّسة، والأحكام الإلهيّة، فكيف أصبح مكروهًا في طبع الإنسان، مع أنّنا نعلم أنّ الأحكام الإلهيّة أمور فطريّة وتتوافق مع الفطرة؟! فالمفروض في الأمور التي تتوافق مع الفطرة أن تكون مقبولة ومطلوبة؟!

في البداية، يجب أن نعرف أنّ الأمور الفطريّة إنّما تنسجم وتتوافق مع طبع الإنسان فيما لو اقترنت بالمعرفة. فصحيح أنّ الإنسان يطلب النّفع ويتجنّب الضرر بفطرته، ولكنّ هذا يتحقّق في الموارد التي يعرف الإنسان فيها مصاديق النفع والضرر. أمّا لو اشتبه عليه الأمر في تشخيص المصداق، ولم يميّز بين الموارد النافعة والضّارّة، فمن الواضح في هذه الحالة أنّ فطرته، وبسبب هذا الاشتباه، سوف تكره الأمر النافع، والعكسُ صحيح أيضًا.

وفي مورد الجهاد، فإنّ الذين لا يرون فيه سوى الآلام والمصائب، والقتل والجرح، من الطبيعيّ أن يكون مكروهًا لديهم.

أمّا بالنسبة إلى الأفراد الّذين ينظرون إلى أبعد من هذا المدى المحدود، فإنّهم يعلمون أنّ شرف الإنسان وكرامته وحريّته تكمن في الجهاد، لذا هم يرحّبون به، ويستقبلونه بفرحٍ وشوق. كما هو حال الّذين لا يعرفون آثار الأدوية المرّة والمنفّرة، فهم في أوّل الأمر يُظهرون عدم رغبتهم فيها، إلّا أنّهم بعد أن يروا تأثيرها الإيجابيّ على سلامتهم وصحّتهم، يتقبّلونها برحابة صدر.

من هنا، يشير الحقّ تعالى في هذه الآية الكريمة إلى مبدأ أساسٍ حاكم على القوانين التكوينيّة والتشريعيّة الإلهيّة، فيقول: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ. فلا عبرة بكرهكم وحبّكم لأنّكم ربّما تخطئون الواقع لجهلكم، فلا تقدرون على الاهتداء بأنفسكم إلى حقيقة الأمر.

وفي ختام الآية الشريفة، يؤكّد الخالق جلّ وعلا بشكلٍ حاسم أنّه لا ينبغي للبشر أن يحكّموا أذواقهم ومعارفهم الخاصّة في الأمور المتعلّقة بمصيرهم، لأنّ علمهم محدود من كلّ جانب، وما علموه بالنسبة إلى ما يجهلونه كقطرةٍ في بحر، لذا يقول عزّ وجلّ: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. فالناس، لأنّهم لم يدركوا إلّا القليل من أسرار الخلقة ومن القوانين التكوينيّة الإلهيّة، تجدهم، في بعض الأحيان، يهملون أمرًا ما، ولا يعيرونه الاهتمام المطلوب، في حين أنّ أهميّته وفائدته قد تكون كبيرة.

وعليه، فلا يحقّ للإنسان، مع الالتفات إلى علمه المحدود والناقص، أن يعترض على علم الحقّ اللامحدود، ولا على أحكامه الإلهيّة، بل عليه أن يعلم يقينًا أنّ الله تعالى، الرحمن والرحيم، عندما يشرّع تشريعًا ما كالجهاد مثلًا، فإنّه لا يشرّعه إلّا لأنّه يرى فيه الخير والسعادة والنجاة. لذا، على المؤمن أن ينظر إلى الأوامر والأحكام الإلهيّة على أنّها كالأدوية الشافية له من كل علّة، وعليه أن يطبّقها بمنتهى الرضا والقبول والتسليم.

وإن التزم الإنسان بأحكام الحقّ، فالنفع يعود إليه لا إلى الحقّ، كما أخبر تعالى في قوله: ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ23.

فاللّه تبارك وتعالى وجودٌ غير متناهٍ من جميع الوجوه، وهو الكمال المطلَق، وغير مفتقِر لأيّ شي‏ء، ولا ينقصه شي‏ء حتّى يكمله الآخرون، بل كلّ ما عندهم منه، وليس لهم شي‏ء من أنفسهم. إذًا، فجميع منافع الجهاد ترجع إلى الشخص المجاهد نفسه، فهو بجهاده سيفوز بخير الدنيا والآخرة.

الشروط العقائديّة والمعنويّة للجهاد
إنّ الجهاد عمليّةٌ هدفها تحقيقُ إحدى الحسنيين: إمّا النَّصر والغلبة على العدوّ، وبالتالي رفع ظلمه، وردّ عدوانه، وبسط العدالة، ورفع لواء الحرّيّة عاليًا، وإمّا الفوز بوسام الشهادة في سبيل الله. ولكي تتمّ هذه العمليّة بأبهى صور النجاح والكمال، كان لا بدّ من وجود مجموعة من الشروط والظروف المعنويّة والعقائديّة، بحيث يصير الوصول إلى الأهداف الإلهيّة الكبرى متيسّرًا بفعل هذه الشروط مجتمعة. وأبرز هذه الشروط هي:

1- الإخلاص لله تعالى:
المجاهد في سبيل الله، عند أدائه لواجباته وتكاليفه الشرعيّة، هو في حالة عبادة، ولأعماله بُعدٌ إلهيّ يمكن أن يرفعه إلى أعلى عليّين، ويقرّبه من الحق نجيًّا، في حال اتّسمت أعماله ونواياه بالإخلاص. أمّا إذا لم تكن النوايا خالصةً، ولم يكن الدافع الأساس من وراء الجهاد رضا الله وأداءَ التكليف الشرعيّ، فلن تكون الأعمال مقبولةً، وبالتالي لن ينال الأجر والثواب الذي يستحقّه. ففي الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "يقول اللَّه عزّ وجلّ: أَنا خير شريك، من أَشرك معي غيري في عملٍ عمله لم أَقبله، إلّا ما كان لي خالصًا"24.

2- التحلّي بالصبر:
من العوامل المهمّة للتوفيق في الجهاد هو تحلِّي المجاهد بالصَّبر، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: "الصبر أن يحتمل الرجل ما يَنُوبه، ويكظم ما يُغضبه"25.

3- التحلّي بالشجاعة:
الشجاعة صفة في النفس تدفع بالمجاهد إلى الثبات في ميادين الحرب والجهاد في مواجهة أعداء الله تعالى وأعداء الإنسانيّة، وتؤهّله لتحمُّل الشدائد والصعاب وأعباء القتال ولوازمه.

قال تعالى ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ26.

4- طاعة الوليّ وأداء التكليف:
إنَّ الطاعة للإمام في زمن الغيبة هي للفقيه الجامع للشرائط المعتبَرة، وهي في مستوى طاعة الإمام المعصوم نفسه. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ27.

والنظام العسكريّ الذي يقيمه الوليّ الفقيه قائم على وجود القائد لهذه المجموعة أو تلك، والطاعة للقيادة العسكريّة يكمن فيها سرُّ النَّجاح وتحقيق النَّصر، ومن دون الطَّاعة، لا بدّ أن يقع التنازع والفشل والخسارة28. من هنا، وجب على المجاهد طاعةُ الوليّ والالتزام بأداء التكليف.

5- امتلاك الوعي والبصيرة السياسيّة:
إنَّ معرفة الزمان والظروف الخاصّة لكلّ عصر، ومعرفة الصديق من العدوّ، ومعرفة خطط العدوّ الشيطانيّة، وامتلاك الوعي والبصيرة، تعدُّ كلُّها جزءًا من البرامج الأساس للمؤمن بصورة عامّة، والمجاهد بصورة خاصّة. يقول الإمام الرضا عليه السلام: "المؤمن العارف بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس"29.

* التربية الإيمانية، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- الميرزا النوري، مستدرك الوسائل، ج11، ص21.
2- الشيخ الجواهري، جواهر الكلام، تحقيق وتعليق: الشيخ عبّاس القوچاني، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 ش، ط2، ج21، ص3.
3- سورة التوبة، الآية 41.
4- سورة البقرة، الآية 244.
5- سورة العنكبوت، الآية 69.
6- الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحقّقين الأخصّائيّين، بيروت - لبنان، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1415 - 1995م، ط1، ج8، ص41.
7- سورة التوبة، الآيتان 19 - 20.
8- سورة النساء، الآية 95.
9- سورة التوبة، الآية 111.
10- سورة الصفّ، الآية 4.
11- سورة النساء، الآية 74.
12- سورة التوبة، الآيتان 20 - 21.
13- الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص2.
14- الحاكم النيسابوري، المستدرك، إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي، لا.م، لا.ن، لا.ت، لا.ط، ج2، ص79.
15- م.ن.
16- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج97، ص11.
17- نهج البلاغة، خطبة 150.
18- سورة النساء، الآية 76.
19- سورة التوبة، الآية 51.
20- سورة آل عمران، الآية 126.
21- سورة الأنفال، الآية 17.
22- سورة البقرة، الآية 216.
23- سورة العنكبوت، الآيتان 6 - 7.
24- الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص295.
25- الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص56.
26- سورة الفتح، الآية 29.
27- سورة النساء، الآية 59.
28- في سؤال وُجِّه للإمام الخمينيّ قدس سره: "يُلحظ أحيانًا أنّ بعض الإخوة المقاتلين لا يراعون بدقَّة المقرّرات المعيّنة من قبل القادة، ولا يستخدمون الوسائل المؤمِّنة والواقية كخوذتهم ونظّاراتهم الخاصَّة وما شابه ذلك. وعدمُ الاعتناء هذا يؤول أحيانًا إلى الشهادة وجرح هؤلاء أو مقاتلين آخرين غيرهم، وهم يتصوَّرون أنّ ذلك عملٌ صحيح لأنّه يؤدّي إلى الشهادة، فهل هذا العمل جائز أم لا؟ نتمنَّى بيان رأيكم المبارك. قال في الجواب: يجب على المقاتلين الأعزَّاء العمل بحسب مقرّرات الجبهة وأوامر مسؤوليها، ومراعاة الوسائل المؤمِّنة والواقية، ولا يجوز التخلُّف".
29- الشيخ الكليني، الكافي، ج1، ص27.

30-03-2017 عدد القراءات 1003



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا