23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العلم نور :: قواعد الكتابة

خطوات البحث العلمي (3) - مراجعة الأدب النظري وفرضيّات البحث



خطوات البحث العلمي (3) مراجعة الأدب النظري وفرضيّات البحث

تمهيد
تقدّم سابقاً بحث الخطوة الأولى من خطوات منهج البحث العلمي, أي الحديث عن اختيار مشكلة البحث. أمّا الخطوة الثانية فهي أن يقوم الباحث في سبيل إنجاز بحثه والنجاح فيه بتكثيف القراءات الاستطلاعية والمراجعة الواسعة للأدبيات في الإطار النظري والكتابات المختلفة المتعلّقة بالميدان المعرفي لموضوع بحثه وتخصصه, لأنّه كلّما زاد اطلاع الباحث ارتفعت نسبة التوفيق في بحثه وصار متمكّناً بنحو أفضل في إيجاد الحلول المناسبة.

وتقع القراءات الاستطلاعية في مرحلتين، الأولى: قبل تحديد مشكلة البحث وصياغتها، لتحديد مسار البحث وعلاقته بالبحوث الأخرى قبل الخوض فيه، والثانية: أثناء مرحلة الإعداد للبحث وكتابته من أجل توسعة معلومات البحث وتعميقها والمقارنة بينها وبين نتائج أخرى تمّ التوصل لها.

فوائد مطالعة المصادر والدراسات
إنّ الباحث مهما بلغ من كمال المعرفة في الموضوع الذي يدرسه، يحتاج إلى توسعة مخزون معرفته ومعلوماته عنه لتكون الصورة عن مشكلة البحث أكثر وضوحاً ودقّة وشمولاً. وهناك العديد من الفوائد المترتّبة على مطالعة وقراءة الطالب للمصادر والدراسات والأدبيات النظرية، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1- بلورة مشكلة البحث وتحديد أبعادها بشكل أكثر وضوحاً، والتأكّد من عدم تناول مشكلة بحثه من قِبل باحثين آخرين، كي لا يكرّر الجهد أو الأجوبة عينها، وينطلق متمّماً ما بُحِث سابقاً.

وبعبارة أخرى: تساعده في اختيار أحد البدائل الآتية:
أ- تثبيت مشكلة البحث وبلورتها والتأكّد من صلاحيتها وعدم تكرارها.
ب- تعديل المشكلة بعد التعرّف إلى اتّجاهات البحوث السابقة ومشكلاتها.
ج- إلغاء المشكلة بالكامل واستبدالها بمشكلة أخرى، وذلك لأنّها بُحِثت من آخرين، ولا جدوى من إضاعة الوقت والجهد والمال في تناول مشكلة سبق حلّها.

2- وضع الدراسة الحالية للباحث في موضعها التاريخي أو الزمني بين البحوث والدراسات السابقة المماثلة لها.

3- التعرّف إلى المنهج البحثي الأكثر فائدة في معالجة مشكلة بحثه، أو في اختيار وسيلة أو تصميم أداة لجمع المعلومات والبيانات ذات الصلة بالدراسة.

4- الحصول على معلومات جديدة ورد ذكرها في البحوث السابقة بخصوص مصادر بحثية لم يستطع تشخصيها بنفسه.

5- تجنّب السلبيات والمزالق التي وقع فيها الباحثون الذين سبقوه في بحوثهم، بالإضافة إلى التعرّف إلى الوسائل التي اتّبعوها في معالجة الصعوبات التي واجهوها وتجنّبها.

6- الاستفادة من نتائج البحوث السابقة وخلاصاتها وتوصياتها في بناء فرضيات بحثية جديدة.

7- استكمال الجوانب التي وقفت عندها البحوث السابقة.

وسائل التعرّف إلى الأدب النظري لمشكلة البحث
هناك عدد من الطرق والوسائل المساعدة في الاطلاع على البحوث السابقة والأدبيات النظرية المتعلّقة بالموضوع، يمكن تحديد أهمّها بالآتي:

1- مراجعة لائحة فهارس المصادر والمراجع في آخر الكتب التي عالجت نفس عنوان بحثه، وسلّطت الضوء عليه.

2- استشارة أهل الخبرة والاختصاص في الحقل المعرفي والميدان العلمي الذي يريد البحث فيه.

3- مراجعة المكتبات الإلكترونية المتخصّصة بنشر الكتب أو بيعها على الإنترنت والبحث فيها عن عنوان دراسته.

4- مراجعة فهارس المكتبات العامّة التي يستطيع الباحث مراجعتها.

5- مراجعة دليل الأطروحات والرسائل الجامعية المحليّة الموجودة في الجامعات العامّة والخاصّة.

6- الاطّلاع على دليل الرسائل الجامعية العربية والأجنبية المتوفّرة في قاعدة مستخلصات الأطروحات على شبكة الإنترنت ضمن المواقع الخاصّة.

فرضيات البحث: تعريفها, وكيفية صياغتها
الخطوة التالية لتحديد مشكلة البحث هي العمل على وضع الفرضيات وصياغتها.

وفرضية البحث عبارة عن تخمين أو استنتاج ذكي يتوصّل إليه الباحث ويتمسّك به بشكل مؤقّت قبل تنفيذ البحث، فهي أشبه برأي الباحث المبدئي في حلّ المشكلة.

وبعبارة أخرى: إنّ الفرضية هي استنتاج وتفسير مؤقّت يتمسّك به الباحث حتى يتحقّق من صحّته، لقبوله أو رفضه. وعلى هذا الأساس ينبغي على الباحث الاستفادة مهما أمكن من البديهيات أو الحقائق المعروفة في صياغة فرضيات بحثه.

وتعتبر الفرضية ضرورية لأغلب أنواع البحوث التجريبية والوصفية، وكذلك البحوث التي تطبق المنهج التاريخي (الوثائقي)، وقد وقع الخلاف بين الباحثين في علم المناهج في مدى فعاليّة استخدام خطوة فرضيات البحث للبحوث التي لها طابع عقلي محض، كالدراسات الفلسفية والعقائدية مثلاً.

وعلى كلّ حال، عُرِّفت الفرضية بأكثر من نحو، منها:
1- حلّ محتمل لمشكلة البحث.
2- تخمين ذكي لسبب أو أسباب المشكلة.
3- رأي مبدئي لحلّ المشكلة.
4- تفسير مؤقّت للمشكلة.
5- إجابة محتملة عن السؤال الذي تمثّله المشكلة.

خصائص صياغة الفرضيّة
لا بدّ للباحث من أخذ بعض الخصائص بعين الاعتبار عند صياغته للفرضيات، ويمكن أن نوجزها بالآتي:

1- المعقولية، أي أن تصاغ الفرضيات البحثية بنحو تظهر فيه منسجمة مع المبادئ البديهية، وتكون غير مستحيلة في نفسها.

2- الشمولية، أي أن تغطّي الفرضيات كلّ جوانب موضوع البحث، وتقدّم التفسيرات الكافية والشاملة لمشكلة البحث والظاهرة المدروسة.

3- الموضوعية، أن تكون مصاغة في ضوء معايير علمية مستندة إلى قاعدة المعلومات والبيانات الموثوقة التي تمّ جمعها، لا على أساس انطباعات واستنسابات ذاتية وتفسيرات عشوائية.

4- الواقعية، أي أن يتمّ صياغة الفرضية بعبارات قابلة للاختبار، وألفاظ قابلة للقياس وإمكانية التأكّد من صحّتها أو تكذيبها في الواقع.

5- الاختصار، أي أن لا تكون صياغة الفرضية طويلة، بحيث يصعب التعرّف إلى المتغير المستقلّ والمتغير التابع فيها.

6- التحديد، أي أن تحدّد بشكل واضح العلاقة بين متغيرات البحث المستقلّة والتابعة.

7- البساطة والوضوح، أي صياغة الفروض باستخدام ألفاظ واضحة، فالفرضية المعقّدة تقود إلى تصميم معقّد يجعل استخلاص الاستنتاجات أمراً عسيراً.

8- عدم التناقض، أي لا يصح وضع صيغة لنفس الفرضية إثباتاً ونفياً، بل تصاغ الفرضية تارة بالإثبات وأخرى بالنفي:
أ- بالإثبات: توجد علاقة إيجابية بين المستوى الاقتصادي لأسرة الطالب وتحصيله العلمي.
ب- بالنفي: لا توجد علاقة بين المستوى الاقتصادي لأسرة الطالب وتحصيله العلمي.

مكوّنات الفرضية في الأبحاث الميدانية
تشمل الفرضية نوعين من المتغيرات، هما المتغير المستقلّ والمتغير التابع، وتستخدم المتغيرات في البحث العلمي بشكل منتظم.

ويعرّف المتغير بأنّه سمة أو خاصية تظهر في حالات, نوعية أو كمية, متعددة, فالجنسية متغير, والحالة الاجتماعية متغير، والمستوى التعليمي متغير، والحالة الاقتصادية متغير، والمرحلة العمرية متغير...

والمتغيِّر المستقلّ هو العامل الذي يؤثّر بالمتغير التابع، والمتغير التابع هو الذي يتأثّر به، ويأتي نتيجة عنه، في حالة العلاقة السببية, فأيّ زيادة أو نقصان في مقدار المتغير التابع تنجم عن زيادة أو نقصان في المتغير المستقلّ. ويُعدُّ المتغير التابع مركز اهتمام الباحث ومحرّكاً مهمّاً لتوجّهاته, إذ يحاول الباحث فهمه والتحرّي عنه, فتحليل المتغير التابع والتحرّي عنه وإيجاد ماهية المتغيرات التي تؤثّر فيه, هو أساس تحرّك الباحث في إيجاد الإجابة المحتملة عن تساؤلاته.

وتجدر الإشارة إلى أنّ المتغيِّر المستقلّ في بحث معيّن قد يكون متغيِّراً تابعاً في بحث ثانٍ، وكلّ ذلك يعتمد على طبيعة البحث وهدفه.

ومن الأمثلة على بعض الفرضيات ومتغيريها، المستقلّ والتابع، ما يأتي:
- البرامج التلفزيونية التي يزيد وقتها عن نصف ساعة، تتابع من قبل المشاهدين بشكل أقلّ من البرامج التي يكون وقتها عشرين دقيقة أو أقلّ من ذلك.

- عدم الدقّة في فهارس المكتبات الجامعية في لبنان يؤدّي إلى قلّة استخدام مجاميعها.

- التحصيل الدراسي لدى طلبة التعليم الأساسي يتأثّر بالتدريس الخصوصي خارج المدرسة.

فالمتغير المستقلّ في الفرضية الأخيرة مثلاً هو "التدريس الخصوصي"، والمتغير التابع هو التحصيل الدراسي المتأثّر بالتدريس الخصوصي، والذي يحصل نتيجة له. إلا أنّه من الممكن تغيير مواقع المتغيرين، المستقلّ والتابع، في الفرضية المذكورة، ونحصل على المعنى نفسه، مثال ذلك:
- التدريس الخصوصي خارج المدرسة يؤثّر في التحصيل الدراسي لدى طلبة التعليم.

وهكذا بالنسبة للمثالين الآخرين المذكورين.

فوائد الفرضيات وأهمّيتها
لاشتقاق الفرضيات بشكل سليم فوائد كثيرة، نجملها بالآتي:

1- تساعد الفرضيات في تحديد أبعاد المشكلة تحديداً دقيقاً يمكِّن من دراستها وتناولها بعمق.

2- تعدّ الفرضيات دليلاً للباحث، توجّه خطاه وتحدّد له نوع الملاحظات والإجراءات التي يفترض القيام بها لتنفيذ البحث.

3- توجّه الفرضيات عمليات تحليل وتفسير النتائج بشكل علمي وعلى أساس العلاقات المفترضة بين المتغيرات، المستقلّة والتابعة.

4- تحليل مشكلة البحث إلى عناصرها وتحديد علاقاتها ببعضها، وعزل وربط كلّ المعلومات التي لها علاقة بموضوع البحث ومشكلته، وبعبارة أخرى: إنّ الفرضية تساعد على إعطاء صورة تعكس قدرة الباحث على بلورة المشكلة وتناولها بشكل دقيق.

5- تمثّل الفرضيات القاعدة الأساسية لموضوع البحث، والتي تجعل من السهل اختيار الحقائق المهمّة واللازمة لحلّ المشكلة، وعدم التخبّط، وجمع كميات من المعلومات ليست لها علاقة بموضوع البحث.

6- تربط الفرضيات الصلة بين التساؤلات والمبادئ والنظريات التي هي غاية البحث العلمي, لذا فإنّها تؤدّي إلى تجسيد النظرية العلمية أو جزء منها في صيغة قابلة للقياس.

7- تؤدّي الفرضية إلى توسيع نطاق المعرفة، باعتبارها أداة فكرية يستطيع الباحث عن طريقها الحصول على حقائق تحفّز باحثين آخرين إلى المزيد من البحوث الجديدة.

8- تساعد الفرضيات على تحديد الأساليب المناسبة لاختبار العلاقات المحتملة بين متغيرات البحث، وذلك من خلال تقديمها تفسيرات وتصورات نظرية للعلاقة بين المتغيرات، المستقلّة والتابعة.


* كتاب البحث العلمي - قواعده ومناهجه، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.

14-03-2017 عدد القراءات 590



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا