18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

القائد الخامنئي :: لقاءات

نظام " الجمهورية الإسلامية " في إيران : مسيرة عزة تقدم



نظام " الجمهورية الإسلامية " في إيران : مسيرة عزة تقدم

بسم الله الرحمن الرحيم

آثار يوم 19 بهمن :
ابتدأ يوم 19 بهمن الذي خُلِّد نتيجة التحرّك الشجاع للقوّة الجوّيّة في سنة  1357 1. يومٌ له مضمونه ومعانيه العميقة. يومذاك، دخل الإخوة بشجاعة ساحة النضال وأدّوا دورهم إلى جانب الجماهير، وقاموا في الواقع بعملين مهمّين:

الأثر الأول: بناء هوية الجيش
بناء هويّة لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعرض هويّة جديدة وحديثة لم يكن الشعب على معرفة بها حتى ذلك اليوم. في داخل جيش الجمهورية الإسلامية وعمقه كان هناك الكثير من الأفراد المؤمنين المستقلّين الأحرار يعيشون بنفس مبادئ وأهداف الشعب الإيراني، ويسعون لنفس المبادئ والأهداف والقضايا، إلا أنه كان لا بدّ من فُرص حتى يستطيعوا الإفصاح عن أنفسهم.

كانت هناك مثل هذه الإمكانية الهائلة في الجيش. والناس لم تكن تعرف هذه الإمكانية. فخطوة شباب القوّة الجوّيّة في ذلك اليوم والتي شَهِدتُها عن قرب قَدَّمَت هويّة جديدة للجيش. وهذه قضيّة على جانب كبير من الأهمية. ثمّ تعزّزت هذه الهويّة في الأعوام اللاحقة أكثر فأكثر؛ سواء في فترة حرب الأعوام الثمانية والدفاع المقدَّس، أم بعد ذلك، أم قبله. وأريد أن أقول لكم إنّه في السنوات اللاحقة تألّقت هذه الهوية وبرزت أكثر.

الأثر الثاني: إحداث حركة ومعنويات جديدة

الأمر الثاني الذي تمّ إثباته وتحقيقه عن طريق هذه الخطوة هو إحداث تيار.

من خصوصيات الإنسان الحيّ أن يؤثّر في بيئته ومحيطه ويُوجِد التيارات فيه. تحرّكه إلى الأمام يخلق تحرّكات أخرى إلى الأمام. وهذا ما حدث يومذاك. لا شكّ أنّ هذه الخطوة التي كانت في يوم 19 بهمن في المدرسة العلويّة بشارع إيران بحضور الإمام الخميني قدس سره كان لها تأثيرها في واقعة 22 بهمن2. في ليلتي 21 و22 من بهمن كنتُ أسمعُ وأرى الذين يأتون في الشوارع المُفضِية إلى مقرّ الإمام، ويهتفون بأعلى أصواتهم من أجل إيقاظ النّاس وهم في بيوتهم. كانوا يقولون إنّ شباب القوّة الجوّيّة في خطر، لأنّهم تعرّضوا للهجوم. ولهذا الأمر معناه العميق. هذه الخطوة أوجدت هذا التيار العظيم، الذي أوجد تحرّكاً جديداً ومعنويات جديدة.

حسناً؛ هذا نموذج واحد. وهو غيض من فيض، وجانب من جوانب مجتمعنا يدلّ على الوضع العام فيه. لقد جرى إنقاذ البلد بهذه الحركة.

وفي 22 بهمن ؛ الشعب يحطّم الهيمنة الأجنبية
كانت إيران العظيمة مع كلّ سوابقها الثقافيّة وإمكاناتها المادّيّة والمعنوية أسيرة. هذه حقيقة مُرّة جدّاً في تاريخنا لم تُبحث حتى الآن بصورة صحيحة، بسبب وجود الخلافات والاختلافات والقضايا المتعدّدة وتدخّل الأيادي المختلفة من هنا وهناك. كان البلد أسيراً وذليلاً ومُهاناً من قبل القوى العاتية المتسلّطة في العالم. وأضحى مرميّاً في ملفّ النسيان. إيران الكبيرة، إيران العظيمة، إيران الفخورة بإيمانها الإسلامي العميق لم يكن لها تأثير في بيئتها المحيطة بها. لأنّ كابوس الهيمنة الأجنبية الثقيل المشؤوم كان جاثماً عليها. وقد خرق الشعب هذا الحجاب وحَطَّم هذا الكابوس في 22 بهمن. والأمور التي أدّت إلى 22 بهمن، كانت على هذا المنوال.

النظام الاسلامي مجمع القيم الإنسانية
لقد قلتُ مراراً وكرّرت ذلك في يوم الجمعة: إنّ أهمّ قضيّة تتعلّق بثورتنا اليوم - ونحن ننظر إلى هذه الأعوام الـ32 التي مرّت - هي الثبات والاستقامة. أي إنّنا ثَبَتنا على كلامنا. الثبات على المبادئ يعدّ فخراً لأيّ شعب أو جماعة. المبادئ أمور يجب الصمود والثبات عليها. ينبغي حراسة القِيم وحمايتها. والقيمة الأهمّ التي كانت لشعبنا ولا تزال وستبقى إلى الأبد هي الإسلام. فالاستقلال موجود في الإسلام. والحرّية في الإسلام، والتقدّم المادّي في الإسلام، والوحدة الوطنية في الإسلام، وتَفَتُّح الاستعدادات في الإسلام... كلّ هذه مُتضمَّنة وموجودة في الإسلام.

وهذا هو السبب الذي جعل الإمام الخميني يُؤكّد على كلمة الجمهورية الإسلامية. التأكيد على الجمهورية؛ لأنّ الاعتماد يكون على الشعب والجماهير. وإذا كان ينبغي للإسلام أن يسود المجتمع، فليس هذا ممكناً من دون الإيمان العام. إذن وجود الشعب وأصواته وإرادته وتدخّله صار نقطة أساسية. فتحقّقت الجمهورية الإسلامية. ينبغي أن نحافظ على هذا الأمر ونحييه. وينبغي أن تبقى هذه الراية مرفوعة.

إذا استطعنا أن نُقرّب أنفسنا يوماً بعد يوم إلى أعماق هذه الكلمة النفيسة "الجمهورية الإسلامية" فسوف تتضاعف النجاحات أكثر فأكثر. وهذا ما يحتاج إلى همّة عالية ومضاعفة، وعمل مضاعف. ولحسن الحظّ، فإنّ آثار هذه الهمّة المضاعفة والعمل المضاعف ممّا يُمكن أن يشاهده المرء في أجهزة البلد ومؤسّساته المختلفة. إذا تحقّق هذا فسيكون الشعب الإيراني قدوة. وستكون الجمهورية الإسلامية نموذجاً يُحتذى به. ليس من الضروري أن تقول الشعوب إنّ إيران قدوتنا - فالقول ليس مهمّاً سواء قالوا ذلك أم لا - إنّما المهمّ هو أن تَهُبّ هذه النسائم المُنعشة على البقاع الأخرى، وتُنبّه الناس هناك وتُحَرِّكَهم. وهذا ما حصل فعلاً.

حين ترون حالياً هذه النهضات العظيمة تجري في بعض البلدان؛ فإنّ هذا لم يحصل بصورة دفعية. إنّما تراكمت المُحفِّزات والإرادات والمعارف على امتداد الزمن، وبرزت في المرحلة المناسبة. وقد كانت الأيام الراهنة وقت بروزها. تَرَاكُم هذه المحفِّزات وتَتَابُع هذه المعارف والإرادات يرجع إلى الأعوام الماضية. وقد كان لكم أيّها الشعب الإيراني وأيّها المسؤولون في المؤسّسات المسلَّحة دور كبير في ذلك. ينبغي أخذ هذا الأمر بنظر الاعتبار حتماً.

الإيمان والسعي في مقدمة عناصر تقدم النظام الاسلامي
نحن اليوم في وسط الميدان. كما أنّنا في وسط الطريق. لا نقول إنّنا في بداية الطريق؛ وإن كنّا بمعنى من المعاني ــ وبالنظر إلى بُعد الأمد ــ في بداية الطريق. نحن على الطريق في كلّ الأحوال.

وعلينا أن نكمل المسير. الذي يسير في الطريق، لكنّه لا يصل إلى الهدف ويعود أدراجه، أو يتوقّف وسط الطريق أو ينحرف في مسيره، هذا الشخص لا يختلف كثيراً عمّن لا يغادر بيته ولا يسير في الطريق أساساً. فَهُما متشابهان من حيث النتيجة لأنّهما لا يصلان إلى المقصد ولا يبلغان المطلوب. وعليه، فمتابعة الحركة واستمرارها أمر ضروري. وهذا ما يعتمد على الهِمَم وعلى الإيمان،وعلى المساعي وعلى وجود الشباب ومشاركتهم. أنتم الشباب اليوم على رأس الأمور في القوّات المسلّحة لحسن الحظّ. الأعمال والأمور في أيديكم والعيون تتطلّع إليكم. إذا كان الشاب معتمداً على الله ومتّكلاً عليه وكان واثقاً من نفسه لاستطاع خلق المعجزات. كلّ أمور حياتنا وكلّ الأعمال الكبرى التي تحصل هي معجزات إلهيّة. لكنّنا تعوّدنا عليها فلا نفهم جانب الإعجاز فيها. هذه المعجزات تعتمد على القوّة والهمّة والشجاعة وإنتاجية الأفراد. لذا ينبغي متابعة العمل.

من معوقات التقدّم :عدم الالتزام بالقيم والتفرقة
1- عدم الالتزام بالقيم:
لننظر ونر ما هي الأمور التي تُعيق التقدّم. يقيناً أنّ من الأمور التي تُزاحم التقدّم وتُعيقه عدم الالتزام واللامبالاة حيال القِيم. ينبغي عدم استبعاد القِيم.

2- الاختلاف والتفرقة:
ومن الأمور التي تُعيق التقدم يقيناً الاختلاف والتفرقة. التفرقة بين أبناء الشعب، بين المسؤولين، بين القطاعات المختلفة في النظام، بين النظام والشعب. هذا الانسجام والتلاحم الذي منحته الثورة لنا يجب أن يُحفَظ ويُحمَى كناموس مُقدّس. من أهمّ الأعمال في الحرب الناعمة للأعداء - وقد كان هذا الشيء موجوداً دوماً وهو موجود اليوم أيضاً – هو أن يُضَعضِعوا هذا الاتّحاد ويُزَلزِلوه. وهم يعملون في سبيل ذلك؛ فيَبُثُّون الخلافات الطائفية بين الشيعة والسّنة. وينشرون الخلافات القومية بين الفُرس والعرب والتُرك والكُرد وغيرهم. كما يزرعون الخلافات الإقليمية والنـزاعات المؤسّساتية والخلافات الحزبية.

البصيرة، أول الشروط لتجاوز العقبات
يتعيّن مجابهة كلّ هذا بيقظة تامّة. وهو ما نسمّيه البصيرة. يجب أن نعلم أين نحن. لنَعْرف هذا الخندق الذي توجدون فيه اليوم. ثمّة فرق بين جندي يُرابط في خندق خَطِر؛ ويعلم كم هو خَطِر خندقه. ويدري أهمّية ما يقوم به ومكانته. وبين من هو في الخندق نفسه، لكنّه يجهل أهمّية الأمر؛ فيأخذه النوم ويغفل ويترك الخندق، ويتشاجر في الخندق مع رفاقه. فلنعلم مدى حساسية موقع الشعب الإيراني.

آثار الحظر السلبية يجب أن لا تعيق تقدمنا إلى الامام
كنتُ قد ذكرتُ مراراً هذا الحديث المرويّ عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: "رحم الله امرأً عمل عملاً فأتقنه"3. التقرير الذي رُفع لي عن القوّة الجوّيّة ــ والتقارير تصل ــ وقد عَرَض قائد القوّة الجوّيّة المحترم اليوم جوانب منها. هذه التقارير جيّدة. لكنّي أريد القول لكم بأن لا تكتفوا بهذا. قضيّة صناعة قطع الغيار، والقطع المقلَّدة، والإنتاج، والتدريبات المتنوّعة هذه أمور جيّدة وقيّمة. والتنظيم حالة قيّمة جدّاً ؛سواء في القوّة الجوّيّة أم في الدفاع الجوّي. ولكن لا تكتفوا بهذا، وانظروا أين هي النواقص.

إذا نظر الرياضي فقط إلى عضلاته المفتولة التي ربّاها بالرياضة ولم ينظر إلى الجوانب الضعيفة والمنسيّة فسوف يُهزم في الظرف الحسّاس. لاحظوا أين هي نقاط الضعف والإشكالات وارفعوها. كلٌّ في قطاعه والقسم الخاصّ به. استكملوا هذه النواقص يوماً بعد يوم. والاستكمال لا نهاية له. كلّما تقدّمنا إلى الأمام بقي أمامنا مجال لمزيد من التقدّم والكمال.

وقد قلتُ مراراً للأصدقاء الأعزّاء - قادة القوى وسائر قادة القوّات المسلّحة - إنّ هناك نواقص وعقبات في القطاعات المختلفة. ثمّة حظر وقيود ماليّة وعقبات وأمور متنوّعة، فتجاوزوا هذه العقبات. أفضل الناس وأذكاهم هم الذين يقيّمون الظروف القائمة ثمّ ينظرون ما هي قدراتهم وإمكاناتهم للعمل في مثل هذه الظروف؛ فيستخدمون قدراتهم وإمكاناتهم على ضوئها. وإلاّ إذا نظر الإنسان وقال هذا غير ممكن وهذا الشيء لا نملكه و... عندئذ سينتهي كلّ شيء! هذا غير صحيح. النواقص يجب أن لا تُعيقنا. إنّما يجب أن تجعلنا نُراجع أنفسنا أكثر ونكتشف إمكاناتنا الجديدة. مثلاً قبل عقدين من الزمن من كان يُخمّن في القوّة الجوّيّة أنّها ستستطيع توفير وإنتاج كلّ هذه الإمكانيات والأشياء؟ وكذا الحال في القطاعات الأخرى. في قطاع الفضاء، وفي قطاع الطبّ، وفي قطاع الأدوية، وفي شتّى القطاعات العلميّة والتقنيّة. من كان يتصوّر قبل عقدين أو ثلاثة أنّ بالإمكان القيام بهذه الأعمال؟ لكنّ شبابنا أبدوا هِمَمَهم وتحقّقت هذه الأشياء. تمّ إنجاز أعمال يَعتَرِف بها حتى أعداؤنا. وهم طبعاً يُواصلون عداءهم. يجعلون هذا وسيلة لسياسات محاربة إيران والتخويف منها. والتخويف من الإسلام؛ ومعاداة الإسلام. لكنّهم يعترفون بوجود هذه الأشياء.

أريد أن أقول لكم لا تتراجعوا أبداً لوجود نواقص في القطاعات والمجالات المختلفة. توجّهوا نحو الاستفادة من الإمكانات المتاحة الجديدة لديكم، وفي مواهبكم وفي أذهانكم وأدمغتكم وفي أيديكم الماهرة. وتلافوا هذه النواقص بطرق أخرى. فهذا شيء ممكن عملياً.

لقد عانينا في بعض القطاعات الصناعية من الحظر. وتصوّر الذين فرضوا الحظر علينا أنّ هذه القطاعات سوف تموت. ولكنّ ما حصل هو العكس. أدّى الحظر إلى أن يُفكّر شبابنا بإنتاج ما لا يريد العدوّ إيصاله إلينا، فأنتجوه. وفي بعض الحالات أنتجوا ما هو أفضل من المستورد وأقلّ كلفة وأخفّ وأكثر كفاءة وفاعليّة. تحرّكوا - أنتم- في القوّة الجوّيّة بهذه الطريقة. وهذا يشمل القادة المحترمين، والمسؤولين المحترمين في القطاعات المختلفة، ومنظومة الكادر، وخصوصاً أنتم، وبالأخصّ الشباب.

نسأل الله تعالى أن يُوفّقكم. نتمنّى أن تكون الروح الطاهرة لإمامنا الجليل الذي بدأ هذه المسيرة وأخذ بأيدينا إليها ودلّنا على هذا الطريق والأرواح الطاهرة للشهداءالأعزّاء الذين بذلوها في هذا السبيل، حيث تفخر القوّة الجوّيّة بأنّ فيها مثل هؤلاء الشهداء الكبار، نتمنّى أن تكون أرواحهم مسرورة وراضية عنّا جميعاً، وأن تشملنا أدعية إمامنا حضرة بقيّة الله عجل الله فرجه الشريف.

كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في لقاء مع جمع من منتسبي القوة الجوية في الجيش في ذكرى 19 بهمن 19 /11/1389 ه.ش. ــ 7/12/1432ه.ق.ــ 08/02/2010م.


1- 8 شباط 1979 يوم إعلان القوّة الجوية الولاء للإمام الخميني قدس سره، قبل ثلاثة أيام من إنتصار الثورة الإسلامية الإيرانية في 11 شباط 1979 م.
2- 22 بهمن 1357 هجري شمسي الموافق لتاريخ 11 شباط 1979 ميلادي، يوم انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية.
3- الانتصار، العاملي، ج 5، 469.

 

09-03-2017 عدد القراءات 143



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا