20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

الجهاد والشهادة :: أهل الفضل

الشهداء



عن رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم: "الشهداء عند الله على منابر من ياقوت‏ في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله وعلى كثيب من مسك فيقول لهم الله ألم أوف لكم وأصدقكم؟ فيقولون بلى وربنا"

معنى الشهادة وفضلها
الشهادة في سبيل الله هي بذل النفس في نصرة الحق وبذل المهجة في حفظ الدين وأمنية المجاهدين والعاشقين للقاء الخالق (عزَّ وجلّ).

قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(التوبة:111).

وقد عدها الإسلام من المقامات العلية والشريفة.

فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بر"1.

وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أشرف الموت قتل الشهادة"2.

وروي عن إمامنا السجاد عليه السلام: "ما من قطرة احب إلى الله من قطرتين قطرة دم في سبيل الله وقطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها العبد إلا الله (عزَّ وجلّ)"3.

وقد طلبها أهل البيت عليهم السلام في أدعيتهم.

فعن أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه لمالك الأشتر: "وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على عطاء كل رغبة أن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة"4.

ومن دعاء إمامنا السجاد عليه السلام: (حمدا نسعد به في السعداء من أوليائه، ونصير في نظم الشهداء بسيوف أعدائه)5.

الحياة في الشهادة
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ(البقرة:154).

لا شك في أن الشهداء لم يموتوا حقيقة بل هم الأحياء الحقيقيون فبدمائهم حفظ الدين وبتضحياتهم صانوه من الانحراف وبموتهم أحيوا قلوبا قد نسيت ذكر الله وهذا ما نلاحظه جليا في مجتمعاتنا.

وكما قال الشاعر

وغير فقيد من يموت بعزةٍ                    وكل فتى بالذل مات فقيد
لذاك نضى ثوب الحياة ابن فاطم‏    وخاض عباب الموت وهو فريد


ولهذا كان الإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء والخلود لأن الحسين عليه السلام ما زال حيا في ضمائرنا وكربلاء ما زالت الملهمة لنا في كل منعطفات الحياة والمدرسة التي خرجت كل الثورات المخلصة والشهداء الصلحاء.

روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: "فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين"6.

وأن يقول الله تعالى أنهم الأحياء عنده فذلك يعني أنهم خرجوا من ضيق الدنيا وسجنها إلى الجنة التي عرضها السماوات والأرض فلا حد للعقل لإدراك قوله تعالى: " عند ربهم يرزقون".

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الشهداء عند الله على منابر من ياقوت في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله وعلى كثيب7 من مسك فيقول لهم الله ألم أوف لكم وأصدقكم؟ فيقولون بلى وربنا"8.

ويقول الإمام الخميني رحمه الله: "إحدى مميزات الإسلام اعتقاد المسلمين أن الشهادة درجة عظيمة وفوز كبير والمسلم الحقيقي يستقبل الشهادة بقلب منفتح لأنه يعتقد أن ما وراء هذا العالم وهذه الدنيا عالم أفضل وأنور من هذا العالم"9.

طلب الشهادة
لم يتوقف الشرع المقدس بعد أن رفع مقام الشهادة إلى هذا المقام السامي بل جعل الثواب لمن طلب الشهادة وتمناها من الله (عزَّ وجلّ).

فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"10.

ولذا طلبها أهل البيت عليهم السلام وعبروا عن أنسهم بها.

فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل"11.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام: "فإن أقل يقولوا حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت هيهات بعد اللتيا والتي والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه"12.

آثار الشهادة
بمجرد أن تسقط أول قطرة دم من الشهيد على الأرض وتبدأ رحلة الشهادة ينهال عليه الكرم الإلهي فيعفى من عذاب القبر وتغفر سيئاته.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "من قتل في سبيل الله لم يعرفه الله شيئا من سيئاته"13.

وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من لقي العدو حتى يقتل أو يغلب لم يفتتن في قبره"14.

وعن الإمام الباقر عليه السلام: " كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله إلا الدين فإنه لا كفارة له إلا أداؤه أو يقضى صاحبه أو يعفو الذي لديه الحق"15.

وسبب عدم العفو عن الدين لأنه من حقوق الناس والله (عزَّ وجلّ) يتكفل بغفران الذنوب التي هي من حقه.

أفضل الشهداء
من هم أفضل الشهداء عند الله تعالى؟

لكل من الشهداء كرامته عند الله (عزَّ وجلّ) ولكن هنالك بعض الشهداء قد ميزهم الله (عزَّ وجلّ) بميزة خاصة بأن جعلهم أفضل الشهداء بسبب تميزهم بأمرين أساسيين:

الأول: السبقة إلى الجهاد حيث كانوا السباقين إليه ولم تكن الأمور مهيأة لهم بل هم الذين هيّأوا الأمور لمن بعدهم.

الثاني: صبرهم وثباتهم وإصرارهم على الجهاد.

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون حتى يقتلوا أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة"16.

فضل الجرحى‏
ثمة أجر جعله الله تعالى للمجاهد الذي يتعرض للجرح والأذية أثناء الجهاد.

فقد ورد في الرواية الشريفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جرح في سبيل الله جاء يوم القيامة ريحه كريح المسك ولونه كلون الزعفران عليه طابع الشهداء"17.

فهذا الإكرام الإلهي إنما جاء ثواباً لصبره على الجراح وتحمله للعطب في أعضائه التي قد تؤثر على عمله إلى آخر عمره فيأتي عليه طابع الشهداء أي علامة الشهداء ونور الشهداء وهذا الحديث الشريف هو فخر كل جريح جرح في سبيل الله تعالى...

حقوق الشهداء

1- الحفاظ على نهجهم‏
بعد أن قدم لنا الشهيد أغلى ما يملك وهي روحه الطاهرة ترك لنا أمانة يجب الحفاظ عليها ألا وهي العقيدة التي انطلق منها والعقيدة التي قاتل من اجلها والعقيدة التي استشهد لأجلها ولذا عندما نقرأ وصية الشهداء قلما نجد شهيدا لا يذكرنا بالمحافظة على خط أهل البيت عليهم السلام وخط الولاية والمقاومة.

فهذا سيد شهداء المقاومة الشهيد السيد عباس الموسوي رضوان الله عليه يقول لنا: "الوصية الأساس حفظ المقاومة الإسلامية".

ويقول السيد القائد الخامنئي دام ظله: "البعد الآخر للشهادة هو أن الجميع مكلفون بحراسة دم الشهيد ولكن ما معنى حراسة دم الشهيد؟ معناه وجوب حماية الهدف العظيم الذي سعى إليه هذا الشاب وهذه الأسرة وهذا الأب وهذه الأم، وكرست له الهمم العالية والمعنويات التي لا تعرف الهزيمة حافظوا على هذا الهدف أكثر من أرواحكم...".

ويتابع سماحته دام ظله: "عليكم جميعا أنتم ذوي الشهداء آباء وأمهات وزوجات وأولاداً أن تحتفظوا بمفخرة صيانتكم لدماء الشهيد وسيركم على نهجه وحملكم لرايته بما تعنيه من تمسك بدين الله وحفظ للقيم الإلهية".

ومن طرق الحفاظ على نهجهم أن تحيى ذكراهم وتذكر ملاحمهم ومواقفهم البطولية كي تحفر في وجدان وذاكرة الأجيال الصاعدة.

ويؤكد الإمام القائد دام ظله على هذه المسالة حينما يقول في أحد خطاباته:

"يجب أن تصبح الصورة المقدسة لأولئك الشهداء محاطة بهالة من النور والطهارة في ذاكرة شعبنا وتزداد عظمة يوماً بعد يوم لتصبح مثل الشخصيات الأسطورية بطلة، عظيمة، محبوبة أكثر ولتكون أسمائهم وذكرياتهم الآن وفي المستقبل تعطي خاصة للشباب والفتيان درساً في العظمة والشجاعة والتقوى والصفاء والطهارة إن قسماً من هذا العمل هو مهمة الكتّاب والفنانين وقبل كل هؤلاء أمهات وآباء وزوجات وأبناء الشهداء".

ولا يخفى أن كل ما نقدمه للشهداء لا يعدو كونه محاولة منا للوفاء ولرد الجميل الكبير لهم علينا وما هو إلا قليل من الوفاء لتضحياتهم وعظمتهم فلا شي‏ء في الدنيا يوفي حق الشهداء.

2- تكفل أيتامهم‏
إن تكفل الأيتام ورعايتهم من أهم الأمور التي حث الإسلام عليها وجعل الله لها من الثواب الجزيل والعظيم ويعتبر تكفل الأيتام ورعايتهم من الأمور الأساسية في المجتمع والتي تضمن التكافل لهذه الفئة التي فقدت معيلها والمنفق عليها.

هذا فكيف بأيتام الشهداء، فمن الواجب علينا حينئذ أن نؤكد على أهمية رعايتهم وتكفلهم في جميع النواحي المادية والمعنوية لأن الشهداء قد تركوهم أمانة في أعناقنا ومن المعيب بحقنا أن نضيع الأمانة لا سيما مع علمنا بما ورد من الأجر الذي وعد به الله (عزَّ وجلّ) لمن تكفل يتيماً ووصية أمير المؤمنين عليه السلام لنا. فعنه عليه السلام: "الله الله في الأيتام فلا تغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله (عزَّ وجلّ) له الجنة كما أوجب لأكل مال اليتيم النار"18.

وعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة إذا اتقى الله عز وجل، وأشار بالسبابة والوسطى"19.

3- قضاء ديونهم‏
قد تقدم معنا أن كل شي‏ء يغفر للشهيد إلا الدين لذا يلزم علينا أن نسعى لقضاء دين الشهيد لكي نريحه من أعبائه.

فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "سبحان الله ماذا أنزل من التشديد في الدين، والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه"20.

فجميع حقوق الناس كالدين والأمانة والذنوب التي لها علاقة بالناس لا تغفر بدون رضاهم.

ففي رواية أخرى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ما ها هنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي، وكان شهيداً"21.

وفي حديث آخر: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب جميعها إلا الأمانة"22.

4- زيارة قبورهم‏
وتستحب زيارة قبور الشهداء أسوة بسيدتنا الزهراء عليها الصلاة والسلام فقد روي أنها كانت تأتي قبور الشهداء و قبر الحمزة رضوان الله عليه كل صباح سبت 23 فتترحم عليه وتستغفر له.

ولزيارة الشهداء فوائد جمة، أبرزها التذكير بالموت وبعظمة الله (عزَّ وجلّ) والآخرة.

ففي الرواية عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة".

ومنها أن الإنسان يتذكر المعروف الذي قدمه الشهداء ومنها أن في ذلك إدخال السرور على قلوب وأرواح الأموات والشهداء. ففي الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام: "زوروا موتاكم فإنهم يفرحون بزيارتكم"24.

كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يزور قبور الشهداء وكان إذا أتى قبورهم قال: "السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار"25.

وفي الحديث عن إمامنا الباقر عليه السلام: "إن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وزيارة قبور الشهداء، وزيارة قبر الحسين عليه السلام تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"26.

وعلى كل حال فإن زيارة قبور الصلحاء مستحبة على كل حال وقد ورد في الحديث الشريف.

عن الإمام الصادق عليه السلام: "من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا ليكتب له ثواب زيارتنا"27.

وشهداؤنا هم أصلح الناس، كيف لا وهم الذين أصلحوا بدمائهم القلوب المريضة والنفوس السقيمة، فهذا ثواب الله لمن زارهم، نسأل الله العلي القدير أن يحشرنا معهم في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*أهل الفضل، إعداد ونشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، ط1، شباط 2004، ص57-72.


1- ميزان الحكمة، ح 9749.
2- ميزان الحكمة، ح 9750.
3- ميزان الحكمة، ح 9751.
4- ميزان الحكمة، ح 9755.
5- ميزان الحكمة، ح 9752.
6- نهج البلاغة الخطبة 51.
7- الكثيب: هو تلال الرمل (صحاح الجوهري).
8- كنز العمال، ح 11100.
9- جريدة العهد عدد 1405 45 هجرية.
10- ميزان الحكمة، ح 9787.
11- ميزان الحكمة، ح 9759.
12- ميزان الحكمة، ح 9762.
13- ميزان الحكمة، ح 9778.
14- ميزان الحكمة، ح 9780.
15- ميزان الحكمة، ح 9777.
16- ميزان الحكمة، ح 9811.
17- ميزان الحكمة، ح 9814.
18- ميزان الحكمة، ح 22577.
19- ميزان الحكمة، ح 22581.
20- جامع الأحاديث، ج‏4، ص‏282.
21- كنز العمال، ح 11112.
22- مستدرك الوسائل، ج‏13، ص‏393.
23- من لا يحضره الفقيه، ج‏1، ص‏180.
24- ميزان الحكمة، ح 7987.
25- من لا يحضره الفقيه، ج‏2، ص‏574، في الهامش.
26- الكافي ج‏4، ص‏548.
27- ميزان الحكمة، ح 7986.

 

10-11-2011 عدد القراءات 5778



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا