24 كانون الثاني 2020 م الموافق لـ 28 جمادى الأولى 1441 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: 2008

كلمته في المسؤولين التنفيذيين بمحافظة فارس



كلمته في المسؤولين التنفيذيين بمحافظة فارس 07/05/2008
لا إشكال في "الفن" ما لم يكن متهتكا

بسم الله الرحمن الرحيم

لقاؤنا اليوم أيها المسؤولون الأعزاء في هذه المحافظة من مختلف القطاعات - والذي أقيم في اليوم الأخير من زيارتي لشيراز - له طابع الشكر والتقدير قبل أن يكون له طابع التوصيات.

أولاً أرى لزاماً علي أن أقدم الشكر الجزيل الصميمي لأهالي شيراز والمدن الأخرى في هذه المحافظة لمودتهم وضيافتهم، وهي من الخصال المعروفة عن أهالي هذه المنطقة. ثانياً أشكركم على تعاونكم ولطفكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء العاملون في الأقسام المختلفة والذين يقع على عاتقكم جانب من جهود زياراتنا وصعوباتها.

كما أعتذر من أهالي المدن التي لم نوفق لزيارتها، لذلك بعثت إليها ممثلين عني. إنها محافظة كبيرة والحمد لله وفيها مدن كثيرة، ويطيب للمرء أن يتحدث عن قرب مع أهالي جميع هذه المدن والنواحي. ولكن " ما كل ما يتمنى المرء يدركه ". ثمة الكثير من المطامح لا يقدر الإنسان على تحقيقها. وقد تجشم بعض الإخوة والأخوات عناء السفر وجاءوا إلى شيراز من مدن شتى وشاركوا في اللقاءات المختلفة - في اليوم الأول والأيام التالية - وتحملوا الجهود والصعاب؛ أشكرهم أيضاً من الصميم.

في المحافظة إمكانيات ومواهب واسعة جداً أشار إليها السيد المحافظ المحترم. وهي مدرجة أيضاً في التقارير ذات الصلة بمحافظة فارس؛ الإمكانات الطبيعية؛ والمواهب المتنوعة ذات الصلة بالتباين الأقليمي بين شمال المحافظة وجنوبها؛ وفوق ذلك المواهب والإمكانيات الإنسانية المميزة حقاً في هذه المحافظة.

كل من يقدم الخدمة - في أي مرتبة كان - لسكان هذه المحافظة، عليه أن يشكر الله. الحق أن الجماهير الفاهمين اللطيفين الذواقين جديرون بالخدمة؛ والحق أن خدمتهم عملية طيبة وممتعة. أنتم بالطبع من هؤلاء الأهالي في الغالب. حينما ينظر الإنسان في خصائص أهالي شيراز وفارس وأخلاقهم يشعر أن تقديم الخدمة لهؤلاء الناس بهذه السمات والأخلاق واللطف والدقة والمواهب الثرة الهائلة، هو - للحق والإنصاف - حظ سعيد يصيبه الإنسان. اعرفوا قدر هذا. أينما كنتم وفي أي مرتبة ودرجة من السلطات الثلاث كنتم، اعرفوا قدر هذا واشكروا الله عليه. قدموا الخدمة وخصصوا الوقت للناس بشكل حقيقي. كرموا هؤلاء الناس والمراجعين واحترموهم. الناس كلهم وفي كل مكان جديرون بالتكريم. وحينما يشاهد المرء خصالاً إنسانية وأخلاقية لدى جماعة معينة يتشوق لتكريمهم أكثر. هذه هي نصيحتي الرئيسية لكم أيها الإخوة.

اتخذت في هذه الزيارة قرارات معينة بشأن قضايا المحافظة المختلفة. وقد خصصت الحكومة المحترمة دعماً جيداً من الميزانية لقرارات هذه الزيارة. وسيجتمع مسؤولو الحكومة اليوم ويثبتون ذلك في قرارات حكومية رسمية؛ ويجب أن تطبقوا وتنفذوا هذه القرارات بأسرع ما يمكن وبكل قدراتكم وطاقاتكم لتنتفع الجماهير منها.

"شيراز" الحرم الثالث لأهل البيت (ع) في إيران
أعتقد أن من الأمور المهمة جداً التي ينبغي التفطن إليها في شيراز هو مركزية ومحورية هذا الحرم الطاهر الذي قلما حظيت مدينة من مدن بلادنا بمثل هذه الميزة والخصلة. وجود ثلاثة من أبناء الأئمة صحيحي النسب وأصحاب مراتب عالية، مضافاً إلى الكثير من أبناء الأئمة الآخرين في هذه المدينة، يرفع قدسيتها وانتسابها لولاية أهل البيت (عليهم السلام) إلى مراتب عالية جداً.

من المناسب التركيز على هذا الجانب - الدال على الروح والمعنى الراقي لولاية أهالي فارس - في الإعلام العام، والإذاعة والتلفزيون، والإبداعات المختلفة على الصعد الخدمية والاقتصادية وغيرها. بعد مشهد وقم، تعد هذه المدينة الحرم الثالث لأهل البيت (عليهم السلام) في كل إيران. من الأعمال التي ينبغي أن تتم تقديم الخدمة لزوار هذا الحرم وتعريف القلوب المتشوقة من مختلف أنحاء البلاد ومن خارج البلاد بهذا المرقد الشامخ.

ومن الأمور التي يشعر بها المرء في هذه المحافظة أنها رغم توفرها على مواهب مميزة، محافظة خجولة وذات حياء؛ كالذين لهم فضل وعلم جم لكنهم لا يكثرون إبداء علمهم وقدراتهم. هذا ما يشعر به الإنسان هنا؛ كل هؤلاء المفاخر في الماضي والحاضر؛ لقد اغتبطت أمس في الاجتماع مع النخبة ولقاء المتفوقين في المجال العلمي، والأدبي وأرباب العمل، والشخصيات النافعة للمجتمع - سواء على المستوى الذهني أو العملي - ومع ذلك لم يكن الإعلام والتركيز على كل هذه المواهب في شيراز بالمستوى الكافي واللازم. يشعر الإنسان أن أهالي فارس ليسوا من ذوى القيل والقال. قيل أن أهالي فارس يركزون على " الحال" والقصد هو أنهم ليسوا أهل جد وعمل. وأنا أقول: لا، إنهم أهل "الحال" بمعنى أنهم ليسوا من أهل القال. وإلّا فأهل العمل هنا كثيرون؛ ثمة حركة علمية، وعملية في مجالات الصناعة والزراعة تبهر الإنسان. ليس أهالي فارس من أهل القيل والقال والتبجح والضجيج ولفت الأنظار إليهم؛ هذا ما ينبغي أن يعوض بشكل من الأشكال. وقد قال حافظ قديماً:
مللتُ أنفاس الملائكة، وأريد الصبر على قيل وقال العالم من أجلك.

إنه يمل أنفاس الملائكة، ويتقبل قيل وقال العالم الأرضي من أجل الحبيب. يلاحظ المرء أن هذه الروح لا تزال سارية في شيراز. ليس أهلها ميالين للقيل والقال والتظاهر والتشدق. لكن المواهب هنا كبيرة جداً، وينبغي استثمارها.

لا إشكال في "الفن" ما لم يكن متهتكا
أحد السادة الذين تحدثوا بالأمس أثار قضية كلية الفن وتعضيد الفن هنا. يخال البعض أن الفن يعني اللاأبالية وعدم التقيد والبعد عن الدين؛ هذا خطأ. الفن من التجليات الجميلة للخلقة الإلهية في الإنسان. السيئ في الفن والذي أشكل عليه أهل البصائر دائماً هو التوجه الخاطئ في الفن. السيئ هو جر الفن إلى إغواء الإنسان وتهتكه وتحلله. وإلا إذا امتزج الفن بالروح الدينية والتوجه الديني فهو من أهم مظاهر الوجود البشري. وكذا الحال اليوم والحمد لله. حينما ينظر المرء حالياً لشعرائنا ورسامينا ومختلف فروع الفن عندنا يلاحظ أن إنجازاتهم ممتزجة بالروح الدينية غالباً. ما الإشكال في هذا؟ من المناسب جداً أن يكون هنا مركز لتخريج الفنانين وتقوية الفن مع الحفاظ على التوجه الصحيح. لا إشكال في هذا أبداً. جيد جداً الانتفاع من هذه المواهب الهائلة في هذا الاتجاه.

من الأمور المهمة في هذه المحافظة والتي يجدر أن تولى مزيداً من الاهتمام، قضية السياحة. وبسبب وجود الحرم الطاهر للسيد أحمد بن موسى (عليه وعلى أبيه وأخيه السلام) تكتسب هذه المدينة طابعاً سياحياً مضاعفاً؛ ثمة هاهنا مرقد ومزار. المعالم السياحية هنا كثيرة جداً. أخال أنه لو استطاع مسؤول البلاد والمحافظة توظيف حالة السياحة بشكل صحيح وبإعلام وتوجيه صائب فإن عائداتها ستغني المحافظة عن كل المعونات الأخرى. قضية السياحة مهمة جداً.

• للإهتمام بالسياحة حتى لوكانت آثارا لجبابرة التاريخ
أشير هنا إلى الأبنية الأثرية المتبقية عن عصور ما قبل الإسلام: تخت جمشيد وسائر الآثار الموجودة في هذه المحافظة. يمكن للمرء أن ينظر لهذه المعالم الأثرية من زاويتين ينبغي الفرز بينهما. نظرة تقول إنها تعود لجبابرة التاريخ. أي أثر منها ننظر إليه يعود بنحو من الأنحاء لأحد جبابرة التاريخ وطغاة الإنسانية. نعم، يمكن النظر إليها من هذه الزاوية السلبية. معظم المتدينين والأفراد ذوي النفور الطبيعي من الاستبداد والغطرسة حينما ينظرون لهذه الأبنية الأثرية من هذه الزاوية، فلن تكون جميلة جذابة بالنسبة لهم طبعاً. ولكن ثمة جانب آخر أيضاً هو أن هذه الآثار ثمرة أيدي الفنانين الإيرانيين والأفكار الإيرانية الراقية النيرة خلال الأعوام والقرون الماضية. هذا هو الجانب الإيجابي من المسألة. جميع الأبنية التاريخية الموجودة هنا أو في إصفهان أو في مناطق البلاد الأخرى هي من هذا القبيل. صحيح أن الجبابرة استخدموها، ولكن من هم مبدعوها وموجدوها؟ أبدعها الذهن الإيراني، والأيدي الإيرانية الفنانة، والروح الإيرانية السامية، والذوق والإبداع الإيراني. هذا فخر للشعب. حينما ننظر من هذه الزاوية نرى أنها إيجابية؛ سواء تخت جمشيد أو المعالم الأخرى. ركزوا عليها واعرضوها.

بعض الأشياء التي قد لا تكون باعثة على الفخر، تستخدم في العالم أحياناً باعتبارها مفاخر تاريخية. من ليس لديهم مفاخر تاريخية يختلقونها لأنفسهم. ولدينا كل هذه المفاخر التاريخية؛ كل هذه الأشياء التي تخول شعب إيران أن يفخر بها تاريخياً ويضاعف بفضلها من ثقته بنفسه؛ لماذا لا نعرضها؟

يروي لي أحدهم؛ يقول: ذهبت لليونان وأخذونا إلى المناطق السياحية المختلفة ومنها منطقة قالوا إنها المنطقة التي جاءت إليها جيوش إيران وهزمناها. يأخذون الناس إلى صحراء قاحلة ويقولون لهم إن الإيرانيين زحفوا إليها ذات يوم وانتصرنا عليهم. يعرضون فضاءً فارغاً، ويثبتون مادة تاريخية بواسطة فضاء فارغ. وهنا بالقرب من كازرون - كما سمعت - يوجد تمثال فالرين امبراطور الروم يركع أمام الملك الإيراني. يمكن أن تعرضوا هذا مقابل ذاك. توجد أشياء إيجابية كثيرة يمكن أن تعرض ماضينا.

وأقول لكم طبعاً إنني اعتقد اعتقاداً راسخاً جازماً عملياً بأن ما فعله الإيراني بعد مجيء الإسلام لا يقبل المقارنة بما كان له طوال التاريخ القديم. إيران العهد الإسلامي في القرون الثالث والرابع والخامس للهجرة كانت في قمة العلوم والتحضر والسياسة والاقتصاد العالمي. لم يبلغ أي بلد في العالم - في الشرق والغرب، وفي آسيا وأوربا - هذه المرتبة آنذاك. وكان هذا ببركة الإسلام. لم يبلغ قبل ذلك مثل هذه الذروة. عصور الدول الإيرانية - من آل بويه إلى الغزنويين والسلاجقة وغيرهم، حتى نصل العهد الصفوي - تمثل جزءاً من التاريخ لا يمكن مقارنته بغيره. بيد أن ذلك الجزء القديم من تاريخ إيران هو بدوره تاريخنا. هو أيضاً إيراني، وكان على رأسه حاكماً طاغوتياً وشاعت فيه تقاليد وطقوس باطلة خاطئة. هذه قضية أخرى لها محلها. لكن الفن فن إيراني. على كل حال ينبغي العمل في مجال السياحة؛ سواء فيما يتصل بالمزارات الإسلامية وتمتلكون هنا أفضلها، أو ما يرتبط برموز الأدب والفن وتمتلكون هنا أرقاهم، أي حافظ وسعدي، أو ما يتعلق بالماضي التاريخي القديم.

من الأمور التي أعتقد أنها يجب أن تتم هنا - وسيقدم الأصدقاء تفاصيلها إن شاء الله في تلخيص الزيارة ونتائجها وسيتخذ اللازم - هو جعل هذه المنطقة قطباً زراعياً. من المناسب تأسيس مركز أبحاث لمواجهة الجفاف على المدى الطويل في هذه المدينة، والأبحاث في هذا المضمار واسعة والطرق متنوعة. هذه من الأمور التي يمكن أن تكون لها مركزية هنا. مثلما قلتم إن لكم في الطب مراكز فريدة لا نظير لها، يمكن فيما يتعلق بهذه المسألة أيضاً أن يكون لكم مركز ممتاز. وطبعاً يمكن القيام بأعمال كثيرة أخرى في هذه المحافظة. وسيوفق المسؤولون للقيام بها إن شاء الله. وستوفقون أنتم أيضاً إن شاء الله للمساعدة في تقدم هذه البرامج أينما كنتم.

اعرفوا قدر هذه الخدمة؛ اعرفوا قدر مشاركة الجماهيرية هذه؛ اعرفوا قدر هذا الاقبال والاستعداد الروحي لدى أبناء الشعب الأعزاء؛ واطلبوا العون والهداية من الله؛ وسوف يمن الله بعونه إن شاء الله. اطلبوا أيها المسؤولون من الله تعالى أن يوفر لكم وسائل التقدم المضطرد لهذا البلد، وأن يجعل مستقبل هذه المحافظة ومستقبل البلاد أفضل من ماضيها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




 

09-03-2017 عدد القراءات 624



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا