3 آب 2020 م الموافق لـ 13 ذو الحجة1441 هـ
En FR

 

القائد الخامنئي :: 2008

كلمة الإمام الخامنئي في لقائه الشباب النخبة



كلمة الإمام الخامنئي في لقائه الشباب النخبة 26/08/2008

بسم الله الرحمن الرحيم

إنه ليوم وساعة طيّبان جداً بالنسبة لي أن أجلس إلى مجموعة من النخبة والعينة الباعثة على الأمل لمستقبل البلاد ونتحدث في إحدى أهم وأخطر قضايا البلاد ألا وهي قضية تقدم العلوم المفضية إلى تقدم التقانة. كل الأفكار والطروحات التي جئتم أيها الإخوة والأخوات والشباب الأعزاء إلى هنا وذكرتموها تعزز لدى الإنسان فكرة أن تيار تربية النخبة وتنمية الأفكار البناءة بين شباب البلاد، تيار متنامٍ متقدم إلى الأمام ويبشر بمستقبل جيد. لا زلت أتذكر إلى حد ما كلمات الأعزاء في السنة الماضية - هذا ما عدا كونها سجّلت ودوّنت - وهي بدورها تدل على هذا المعنى أيضاً. الأفكار التي يحملها شبابنا ونخبتنا ويرون من المناسب ذكرها هنا تعد مؤشراً ومعياراً بالنسبة لنا. يلاحظ الإنسان أن الاهتمام والتحفّز لتقدم العلوم والتركيز على أهمية العلم والتقنية في تزايد مضطرد، مضافاً إلى أن التوجهات تتلائم أكثر فأكثر مع الأهداف السامية لنظام الجمهورية الإسلامية.

العلم في نظر"الإسلام" موهبة إلهية لفائدة المجتمع الإنساني
أذكر نقطة قد تكون إجابة عن السؤال الذي طرحه أخونا العزيز في نهاية الجلسة، وهي أن العلم موهبة إلهية للمجتمع الإنساني، سواء العلوم القيمية أو العلوم المعرفية أو العلوم التي تساعد الإنسان كي ينتفع أكثر وأفضل من الكنوز التي أودعها الله العظيم للإنسان في هذه الطبيعة المذهلة. سار الإنسان منذ بداية ظهوره نحو اكتشاف أسرار الطبيعة وخباياها وتعقيداتها الكامنة في بنائها العظيم ونسيجها الكبير، وقد بارك الإسلام وجميع الأديان هذه الحركة وأيدوها. ليس بالإمكان أن تجدوا في أي دين - ولا سيما الدين الإسلامي - عبارة أو جملة تدل على أن العلوم الدنيوية عديمة الفائدة أو مضرة أو يجب أن لا تُطلب. بل على العكس، كل العلوم التي توفرت عليها الإنسانية لحد اليوم، وهي وسائل تمكِّن الإنسان من الانتفاع بنحو أفضل من هذه الحقيقة وهذه الطبيعة التي خلقها الله لنا. وكذلك العلوم التي لم يتوفر عليها الإنسان لحد الآن، قد تظهر في المستقبل علوم أكثر ربما كان حجمها أكبر من كل العلوم التي حملها الإنسان لحد الآن. كل هذه العلوم لها أهميتها وقيمتها من وجهة نظر الإسلام.

العلم ذاته قيمة. وهي قيمة يمكن تبديلها إلى قيمة سلبية على يد الذين يستخدمونها ضد مصالح الإنسانية. لكن العلم بذاته يعد قيمة، فبفضل العلم تتيسر معرفة الله. أصحاب العلم وحملته يستطيعون فهم أحقية رسالة الأنبياء وأحقية رسالة الإسلام الحقيقية بصورة أفضل. ينبغي عدم خلط العلم بالشهوات والأغراض والميول المادية. الشيء السلبي هو التحرك بخلاف القيم والتوظيف الشهواني والأناني للعلم وليس العلم نفسه. إذن العلم شيء قيم .. لا تشكوا في هذا .. سواء العلوم المعرفية، أو العلوم القيمية، أو العلوم الحقيقية أو العلوم الاعتبارية كالفلسفة والفقه وما إلى ذلك.. إنها علوم قيمة جداً.. وكذلك العلوم التي تمثل وسائل لاكتشاف العالم الذي يعيش فيه الإنسان والاطلاع على أسراره والاقتدار على الاستفادة بشكل أفضل من كنوزه العظيمة.

العالم الموضوع تحت تصرفنا، والأرض التي نحن عليها، والمواد الخام الممنوحة لنا، قد يمكن الانتفاع منها أكثر مما انتفع منها الإنسان لحد الآن بملايين الأضعاف. هذا الماء والتراب والمواد والهواء والمواد الجوفية والأشياء الموضوعة تحت تصرفنا ولا نعرف قيمتها، قد ينتفع الإنسان منها في المستقبل كثيراً. نحن نُحرق النفط حالياً، وقد تظهر فيه فوائد قيمة جداً للبشرية مستقبلاً بحيث لا يعود أي إنسان عاقل على استعداد لإحراق قطرة واحدة من النفط، وقد تستخدم بدلاً عنه أنواع أخرى من الطاقة. لاحظوا أنهم اليوم يعيدون استهلاك النفايات ليستخلصوا منها مواداً جد قيمة.. النفايات نفايات على كل حال وهذا مثال صغير جداً.. وثمة أشياء كثيرة جداً يمكن أن تستخدم وتوظّف.. كيف يتسنى الاطلاع على ذلك.؟ كيف يمكن معرفة طرق الطبيعة والسير فيها والانتفاع منها؟ بواسطة العلم. لذلك يقول الرسول (ص): "اطلبوا العلم ولو بالصين".. لا يريد القول أطلبوا الفلسفة أو الفقه من الصين.. بل أطلبوا العلم.. أي علم.. العلم وما يترتّب على العلم من نتائج، أي التقانة والقدرات العديدة التي يصيبها الإنسان.. هذه أمور ضرورية. حسناً، كانت هذه إشارة إلى قضايا بديهية.. أي إنني لم أتصور أن يكون بينكم أيها الشباب النخبة من يشك في هذه الأمور وفيما يقوله الإسلام في هذا الباب.

الغربيون استغلوا العلم للهيمنة على الشعوب وسحق حقوقها
و"ميثاق الأفق" ليس اقتباساً من الرؤى الغربية بالمطلق.. لقد غيّرنا التوجهات.. من النقاط التي لا بأس أن تتنبّهوا لها أنتم الشباب، هي أن هناك العديد من الأمور لا إشكال في مظهرها الخارجي لكن الإشكال يرد على جهتها. ولدينا مثل هذه الأمور حتى في الإسلام. الحج والعمرة اللذان تذهبون إليهما وتتأثر بهما فتياتنا وشبابنا بقلوبهم الطاهرة كل هذا التأثر.. هذا الحج رسم جاهلي وقد كان في الجاهلية.. الطواف الذي تطوفونه كانوا يطوفونه في العهد الجاهلي. في موسم الحج أي في الأشهر الحرم كان الناس يتوجهون من أطراف الجزيرة العربية - خارج الجزيرة العربية لم يكن هناك من يؤمن بهذه المعتقدات - إلى مكة كي يطوفوا حول الكعبة. ظاهر العمل هو نفسه الذي تؤدونه أنتم أيضاً، لكن مضمونه واتجاهه تغيّر مائة وثمانين درجة. حينما تطوفون حول الكعبة اليوم إنما تجسّدون التوحيد.. حركة العالم العظيمة حول محور الخالق المتعال حيث ظهرت هاهنا حركة رمزية وصارت الكعبة مظهراً للتوحيد في الإسلام وأضحى الحج خير سبب لتوحيد الكلمة في تجمّع هائل للعالم الإسلامي. هذا هو الاتجاه اليوم وهو مناقض لاتجاه الجاهلية بمائة وثمانين درجة. كانوا قد علّقوا كثيراً من الأصنام داخل الكعبة وخارجها.. البعض كانوا يأتون ويطوفون حول الكعبة وهم في الحقيقة محبّون للأصنام ولا يعرفون شيئاً عن الله الواحد الأحد. لم يكن ذلك الطواف ليقرّبهم إلى بعضهم أبداً، بل كان يبعدهم عن بعضهم، لأن ميولهم ونزعاتهم كانت مختلفة.. أحدهم يطوف حول الكعبة لأجل الصنم الفلاني وآخر يطوف لأجل صنم آخر.. والأصنام كلها كانت مجموعة في الكعبة.. لم يغيّر الرسول الحج والطواف والسعي بالمطلق إنما بقي هذا القالب الخارجي كما هو وغيّر الرسول اتجاهه مائة وثمانين درجة. الحج الذي كان مظهراً للشرك والوثنية والخرافة والعصبية والجهالة المطلقة تحوّل إلى مظهر للتوحيد والإخلاص والنقاء والهيام مقابل الذات الإلهية المقدسة.

لا إشكال في القوالب والمظاهر. التقنية النووية لم ترتكب أي ذنب.. الذنب ذنب مَن يوجِّهها باتجاه تدمير البشرية.. أو تقنيات النانو المتقدمة مثلاً.. أو الصناعات الألكترونية المتطورة جداً والآيروديناميكية وما إلى ذلك.. هذه لا ذنب عليها.. إنها إنجازات جيدة جداً وأدوات تُمكِّن الإنسان من الانتفاع على أفضل وجه من المصادر والفرص التي أودعها الله في الطبيعة. الذنب ذنب الذين يوظّفون هذه النعمة والكنوز الإلهية للتجبّر على البشر والهيمنة على الآخرين وسحق حقوقهم.. أما أنتم الذين تنطلقون من أسس حسنة، وتؤمنون بالله وبكرامة الإنسان، وتعارضون الظلم والاغتصاب والاعتداء وتشجبون الاستكبار والمجتمعات او الحكومات الناتجة عن الأهواء الشخصية والجماعية.. اكتسبوا هذه العلوم كي تشيعوا قيمكم في العالم وتسوِّدوا معارفكم في الدنيا. هل هذا شيء سلبي؟! شخص يركب الطائرة ليسافر للمدينة الفلانية في البلد الفلاني من أجل اللهو والفساد، وشخص يركب الطائرة ليزور بيت الله.. لا ذنب للطائرة هنا.. إنما الاتجاهات هي التي تختلف. اكتسبوا العلوم والتقنية واستخدموا الذكاء المميز الذي تتمتعون به - وسوف أشير لهذا الجانب وقد أشار إليه بعض الأصدقاء - كي تفتحوا القمة في هذا الاتجاه. ثم وظفوا هذا الوضع وهذه الفرصة لنشر القيم الحقيقية بدل القيم الكاذبة والأنانيات والفساد وهيمنة المال والقوة على مصير الإنسان.

ثمة في العالم اليوم أكثر من ملياري إنسان جائع. هل هذا شيء هيّن؟ ثمة اليوم شعوب تمشي على الذهب لكن بطونها جائعة. النظام العالمي نظام هيمنة واستكبار وظلم. بأية وسيلة وصلت أمريكا إلى ما وصلت إليه؟ كيف استطاعت التجبّر على العالم هكذا؟ لأنها توفرت على العلم واستخدمته. لقد أساء الغربيون استغلال العلم في هذا السباق العالمي الذي أمتد على طول التاريخ.

لاحظوا أن العلم تم تداوله بين شعوب العالم على مر التاريخ من يد إلى يد. لا تجدون شعباً كان العلم بيده منذ البداية وإلى النهاية.. كلا.. هذه من سنن الله. في هذا السباق الذي قام بين المجتمعات البشرية - الشعوب في سباق دائم وبعضها يتقدم على بعض - كان الشرق متقدماً علمياً في وقت من الأوقات، وكانت البلدان الإسلامية متقدمة أحياناً، وفي بعض الأحيان كانت إيران على وجه الخصوص هي الرائدة؛ نفس هذه الحالة التي تشاهدونها اليوم في بعض البلدان الغربية حيث تحتل مرتبة عالية من الناحية العلمية وعلى الآخرين أن يرفعوا رؤوسهم حتى ينظروا إليها.. ذات يوم كان لبلادكم مثل هذا الواقع وكان على البلدان الأوربية والشرقية والغربية أن تنظر إلى الأعلى حتى تستطيع أن ترى العالم الإيراني.. العلماء العظام الذين تقدموا على العالم كله لا في العلم وحسب، بل حتى في التقنيات الملائمة لذلك العصر. هكذا كان الوضع في يوم من الأيام. وفي يوم آخر تقدم الغربيون. بيد أن النقطة المهمة هنا هي أن الغربيين حين تقدموا استخدموا هذا التفوق العلمي لمقاصدهم السياسية والاقتصادية الرامية إلى الهيمنة، فكان أن ظهر الاستعمار ولم يكن في السابق. معنى الاستعمار أن يعتدي بلد على بلدٍ يبعد عنه آلاف الكيلومترات لأن الثاني مصدر ثروة للأول - شبه القارة الهندية مثلاً - ويستولي عليه بقوة السيف والأسلحة المتطورة. وتعلمون أن بريطانيا محاطة بالبحار، لذلك تطورت في الملاحة وصناعة السفن وتقبّلت الأخطار والمجازفات، ووصل البريطانيون إلى الهند وسيطروا عليه؛ هنا استخدموا تفوقهم العلمي لأهداف سياسية، العمل الذي لم يقم به حتى ذلك الحين أي بلد تمتع بالتفوق العلمي. الإنجليز، والبلجيك، والهولنديون الذين توجهوا نحو الشرق وشبه القارة الهندية وأطلقوا الحالة الاستعمارية لأول مرة، والذي توجهوا بعد ذلك لأفريقيا. بعض البلدان الأوربية كالبرتغال؛ هؤلاء استخدموا تطورهم وقدراتهم العلمية سياسياً.. أي إنهم أوجدوا الاستعمار. وحينما ظهر الاستعمار وقع مصير الشعب المستعمَر بيد الشعب المستعمِر الذي استخدم علمه لإبقاء المستعمرين في الجهل، وأوقفوا السباق العلمي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً!

هذا حدث قد وقع، وهو إساءة استغلال للعلم.. للعالم تحولاته وتغيّراته والبشر لا يبقون ضمن حدود معينة ولا يمكن حبس الإنسان، فتفجّر المواهب الإنسانية العلمية والسياسية يفعل فعله بالتالي وقد فعل، حيث انطلقت حركات جماهيرية عديدة في مختلف أنحاء العالم. الواقع الراهن في العالم هو أن القوى المتقدمة علمياً تحاول احتكار هذا التقدم. تعلمون جيداً أن قسماً من العلم تمتلكه البلدان الغربية المتطورة ولا تسمح لأحد خارج نطاقها بالتوفر عليه إطلاقاً.. إي إنه علم حصري. الوثائق التي تصبح قديمة وبالية ينشرونها، وكذلك العلوم التي يمتلكونها حينما تسقط عن أهميتها الأولى يسمحون لغيرهم بامتلاكها وذلك حينما يكونوا هم قد بلغوا مرحلة أعلى. هكذا هم.. يحتكرون العلوم؟

العلم لشعبنا وسيلة لبلوغ الإقتدار والوطني والثروة الوطنية
ولأجل تغيير واقع الهيمنة في العالم لابد من النهوض علمياً. نظام الجمهورية الإسلامية الذي يعد من الناحية القيمية النقطة النقيضة لما يريده المهيمنون الغربيون اليوم، وهو نظام استطاع النجاح سياسياً وحقّق لنفسه الاستقرار وصمد بوجه المؤامرات مدة ثلاثين عاماً وتقدم إلى الإمام على شتى الأبعاد والمستويات، على هذا النظام من أجل تحقيق أهدافه الإنسانية السامية التي يوافقها كل إنسان أن يطلب العلم. لذلك أقول إن خطاب التقدم العلمي والتقني يجب أن يكون من الخطابات الأساسية لبلادنا في العصر الحاضر. هذا أمر لا مندوحة منه. لا يمكن مواجهة تلك القوى من دون أن نطلب التطور والنمو العلمي ونضاعف من قدراتنا العلمية ومن دون أن نوفر الفرص العلمية في حياتنا ونرتفع بمستوى حياتنا المادية. الراية التي ترفعها الجمهورية الإسلامية ستبقى مرفوعة مرفرفة منتصرة بهذا الشرط. حسناً، ربما أطلت الحديث حول هذا الموضوع بعض الشيء، وذلك لأنني لم أتصور أن الشباب النخبة يتساءلون عن فائدة العلم، ولهذا قدمت إيضاحات أكثر في هذا المجال؟

لاحظوا.. العلم مصدر قوة وثروة. إن كان يجب على بلدكم وعلى نظام الجمهورية الإسلامية أن يتمتع بهذه القوة والاقتدار حتى يستطيع الدفاع عن شعبه وبلده وقيمه ونظامه وصيانته ــ وهذه هي فائدة القوة.. ليس الاقتدار من أجل التجبّر على الآخرين بل لصد تجبّر الآخرين - وإذا كان إلى جانب ذلك بحاجة للثروة كي يستطيع التغلب على شتى المشكلات التي ورثها عن سنين طويلة من الحكم الاستبدادي في هذا البلد، فعليه أن يكتسب العلم. العلم بالنسبة للشعب وسيلة لبلوغ الاقتدار الوطني والثروة الوطنية.

تقدمنا العلمي كبير لكنه دون الطموح
لحسن الحظ لدينا في هذا المجال إمكانات وفرص كثيرة. إذا حسبنا الأمر بصورة دقيقة ربما أمكن القول إنهم أوقفوا الشعب الإيراني لمدة 150 عاماً حقاً. هذه المواهب الدفّاقة التي ترونها الآن ليست ابنة اليوم بل لقد تمتعت الأجيال الإيرانية بمثل هذه المواهب على الدوام، وقد بقيت متوقفة مجمّدة لأسباب مختلفة علی رأسها الحكومات المستبدة الجائرة في كل العصور وخصوصاً في الفترة الأخيرة مضافاً إلى التبعية والفساد. هذا التخلّف موجود، بيد أن موهبة الشعب الإيراني أعلى من الحد المتوسط، وهذا ما ذكرناه مراراً. تصوّر البعض أن هذا مجرد ادعاء نطلقه، واليوم ينتشر هذا المعنى تدريجياً على مستوى العالم فتتكرر الشهادات والتأييدات العالمية في أنحاء مختلفة لصالح الذكاء الإيراني العالي جداً. يكتبون ذلك في المجلات الأمريكية ويذكرون أسماء بعض جامعاتنا علی وجه الخصوص. طبعاً ذكرهم للأسماء له أغراضه الخاصة. الجامعات التي يذكرونها سواء في طهران أو إصفهان هي الجامعات الأفضل دون شك، لكن ذكرهم للأسماء ممارسة مغرضة. فالجامعة تقوم على أساس الطاقات البشرية: الطالب، والأستاذ، والإدارة طبعاً. الطالب والأستاذ من هذه الأجيال الإيرانية، وإذن، فالحالة هذه حالة عامة ولا تخص جامعة دون أخرى. في أي مكان تبذل فيه جهود معينة سيظهر هذا التميّز الذي يعترفون به بعض الأحيان. إذن، نحن نتمتع بهذه الإمكانات البشرية العالية جداً، أي الذكاء والموهبة الإنسانية الأعلى من المتوسطة في إيران. وهذا بوسعه تعويض التخلف. خلال هذه الأعوام التي سرتم فيها وتحركت فيها قافلة العلم في البلاد تحققت الكثير من المكتسبات. في غضون الأعوام العشرة أو الأثني عشر الأخيرة التي انطلقت فيها أفكار النـزعة العلمية وطلب العلم ونهضة إنتاج العلم والنهضة البرمجية وحالة رعاية النخبة في البلاد، منذ ذلك الحين ولحد الآن حققنا تقدماً كبيراً وهو تقدم مغتنم قيّم.

أنا طبعاً لست قانعاً بهذا المقدار، فلا تتصورا أنني اعتقد بأننا بلغنا المراد والغاية. كلا، لابد من جهود جبّارة لأجل تعويض هذا التخلف التاريخي الطويل، خصوصاً وأننا لوحدنا.. نحن لوحدنا.. لا أحد يدعم النظام الإسلامي والأفكار الإسلامية. هؤلاء الصينيون؛ الذين شاهدتم الآن بمناسبة الألعاب الأولمبية في بكين جانباً من قدراتهم التقنية التي ظهرت، أو التي كشف عنها النقاب في الحقيقة، لهم تقدمهم الجيد جداً من الناحية العلمية، ولكن لاحظوا أنهم كانوا صفر اليدين في سنة 1948 حينما تأسست الصين الحديثة الشيوعية. فجاء الاتحاد السوفيتي وهو حكومة أسبق وأعرق من الناحية الإيديولوجية والعلمية والتقنية ووضع كل ما لديه تحت تصرف الصين؛ وكان ذلك في عهد استالين. وجود بلد عظيم كالصين - طبعاً لم يكن عدد السكان فيه كما هو اليوم، لكنه كان بالتالي بلداً كبيراً واسعاً هائل السكان - إلى جانب بلد كبير كالاتحاد السوفيتي وفي قلب آسيا كان مهماً جداً بالنسبة للاتحاد السوفيتي الشيوعي آنذاك. وضعوا تحت تصرف الصينيين كل ما كان لديهم؛ حتى الطاقة النووية. لكن شبابنا توفروا على الطاقة النووية بأنفسهم. استلم الصينيون الطاقة النووية هديةً من الروس الذين منحوها لكوريا الشمالية أيضاً ومنحها لها الصينيون أيضاً.

لاحظوا أن تقدم بلدان كالصين كان بفضل دعم استثنائي قدمته لها البلدان الأخرى.. وكذا الحال بالنسبة للهند، ولكن من نواحٍ أخرى. حينما نشب الخلاف بين روسيا والصين - وتعلمون أن خلافاً شديداً وعميقاً نشب لمدة عقود بعد فترة ستالين بين هذين البلدين الشيوعيين الكبيرين، كالخلاف بين الشرق والغرب وربما أكثر حدة بعض الشيء - تحرك الروس لمساعدة الهند جارة الصين، وتحرك الصينيون لمساعدة باكستان منافسة الهند. أي إن العوامل السياسية تركت بصماتها على التحالفات والصداقات. منح الصينيون الطاقة النووية لباكستان، وأعطى الروس الطاقة النووية والكثير من منجزاتهم للهند. أي إن الهند وباكستان استلما تطورهما من الآخرين.

كلما أمعنت النظر لا أجد بين هذه البلدان التي حقّقت تطوراً في المجالات المختلفة بلداًيشبه بلدنا. لقد استطاع شبابنا الذكي الشاطر جداً من أبناء شعبنا تنمية هذه الغرسات وتثميرها وسط أجواء تطفح بالمظلومية والغربة والوحدة، ووسط كل هؤلاء الأعداء .. حينما كان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي يعادوننا بكل جد، وأوربا التي رغبت في ممارسة دور وسط لم تقدم لنا أية مساعدة بل وجهت لنا الضربات بدورها؛ تم إنجاز أعمال كبيرة. وهذا ما يبعث على الأمل حقاً. بوسعكم إنجاز مثل هذه الأعمال في المستقبل أيضاً، لذلك نظرتي للمستقبل نظرة إيجابية جداً، ومع إني أجد الواقع الحالي جديراً بالثناء والإعجاب لكنني لا أرى الاقتناع به من قبل أياً كان صحيحاً على الإطلاق.. لا من قبل رجال الحكومة، ولا من قبلكم أنتم الشباب، ولا من قبل أساتذتكم. علينا السير مسافات طويلة أخرى والتحرك والعمل كثيراً. المسافات التي تفصلنا عن تلك القمم - بل حتى عن مستوى أدنى من تلك القمم أحياناً - كبيرة وينبغي قطع هذه المسافات.

طبعاً هذا بحاجة إلى ثروات وأموال، والأموال ينبغي أن تُجنى بدورها عن هذا الطريق. أشار الأعزاء - معظم النقاط التي ذكرها الأصدقاء كانت صحيحة وهي مدرجة في حساباتنا وفيما سجلناه من رؤوس نقاط - إلى أن الثروة يجب تستحصل عن هذا الطريق. يوم نستطيع كسب عائدات بلادنا عن طريق علومنا ونغلق أبواب آبار النفط يومئذ سيكون يوماً طيباً بالنسبة لنا. إننا اليوم نأكل من ذخائرنا. معظم ميزانية البلد من النفط. النفط هو ذخيرتنا. ونحن إنما نقوم بتفريغ كنـزنا اضطراراً. ينبغي أن يأتي اليوم الذي نستطيع فيه الأكل من علمنا ويستطيع هذا الشعب إنتاج الثروة من علمه. عندئذ ستساعد هذه الثروة بدورها على تقدم العلوم، ويحصل تكاثر مطرد: العلم يساعد الثروة، والثروة تساعد العلم، ويستمر هذا التكاثر والتعاضد دون انقطاع. علينا التطلع إلى ذلك اليوم.

طبعاً الاتجاهات يتوجب أن تكون سليمة ومعنوية وإلهية، وهذا ما لمحناه في كلمات العديد من هؤلاء الشباب الأعزاء. هذه الميول العزيزة لدى الشباب تنير قلب الإنسان حقاً وتبعث فيه الرضا.

ذكرت نقاط جيدة، وقد كانت تختلج بذهني أيضاً، وأود التأكيد عليها.

اعرفوا قدر خدمة البلاد عن طريق العلم
لحسن الحظ مؤسسة النخبة والسيد الدكتور واعظ زاده ينشطون بشكل جيد جداً والحمد لله. أنا سعيد جداً لأنهم بدأوا التحرك والعمل، ولكن ينبغي التفطن إلى مواطن الضعف وتلافيها ورفعها تباعاً.

إحدى نقاط الضعف هي عدم التنسيق.. لابد من التنسيق الدقيق في القطاعات ذات الصلة بالعلم والتقنية. لقد أثرنا قضية التواصل بين الجامعة والصناعة، ويجري العمل على هذا الصعيد والحمد لله وسيجري أكثر في المستقبل. وقد طرح علينا المسؤولون أموراً بشأن ارتباط النخبة بمراكز البحث أو بمراكز الصناعات وما إلى ذلك وهي تبشر بخير وستذاع عليكم إن شاء الله في حينها وتطلعون عليها، لكن التنسيق بين المراكز العلمية ذاتها مهم جداً. أي لا بد من تواصل وتعاون وتكاثر مستمر بين وزارتي العلوم والصحة والمعاونية العلمية والتقنية لرئيس الجمهورية ومؤسسة النخبة ومؤسسة البحوث العلمية والصناعية وأي قطاع من القطاعات الناشطة في هذه المجالات لئلا تحبط الأعمال والمشاريع أو تظهر فراغات وحلقات مفقودة على هذا الصعيد، من قبيل ما ذكرته إحدى السيدات حول مشكلة شباب »خوارزمي«.

القضية الأخرى التي لابد لي من إثارتها هنا ؛ رغم أن المعني بها أشخاص آخرون ، هي قضية تكريم النخبة واحترامهم. المعني بهذا الأمر هم العاملون في وسائل الإعلام وخصوصاً وسيلة الإعلام الوطنية الإذاعة والتلفزيون. لاحظوا أن الإعلام يسلط الأضواء على الفنانين والفنانين الأجانب والأسماء المختلفة. مثلاً يسألون في المسابقات التلفزيونية ما اسم بطل الفيلم الفلاني؟ وإذا كنت تعرفه وذكرته فسوف تفوز. وما الضير لو لم يكونوا يعرفونه؟! لنفترض أن ملايين الأشخاص لم يشاهدوا هذا الفيلم ولا يعرفون ممثله فهل سيكون ذلك منقصة؟ حتى تكون معرفته ميزة؟ أو في مجال الرياضة مثلاً. تعلمون طبعاً وقد ذكرت مراراً أنني من أنصار الرياضة البطولية، أي خلافاً لمن يقول: وما هي أهمية الرياضة البطولية؟ أقول أنا إن الرياضة البطولية ضرورية. الرياضة البطولية هي في الواقع إعداد للنخبة في مجال الرياضة.. وسيكون أولئك النخبة قمماً، وما لم تكن هنالك قمم لن تكون السفوح. حينما تكون هناك قمة ستكون هناك السفوح طبعاً أي الرياضة العامة. إذن، أنا ممن يؤمنون بالرياضة البطولية، وأحب الأبطال الذين يذهبون ويرفعون علم بلادنا ونشيدنا الوطني هنا وهناك أمام أنظار وأسماع العالم.. وأشكرهم وأحبهم كثيراً، وهم يأتون عندي أحياناً. لكني أقول: لماذا يجب أن نقدِّر النخبة العلمية بأقل مما نقدر به النخبة الرياضية؟ كم لدينا من النخب العلمية ممن هم في القمة؟ كم لدينا من النخب العلمية التي لو تمكنت البلدان الأخرى لسارعت لكسبهم واحتضانهم؟.. ينبغي تكريم هؤلاء.

وأذكر هنا من باب المثال المرحوم كاظمي آشتياني، أو هذا الشاب العزيز الذي ذكره الدكتور السيد واعظ زاده والذي كان في اجتماعنا هذا في العام الماضي ورحل عن الدنيا هذا العام.. يجب تكريم هؤلاء ومعرفتهم.. إننا لا نسلط الأضواء حتى على نخبنا العلمية التاريخية.. الكثير من أبناء بلدنا لا يعرفون علماءهم الكبار في الحقول المختلفة، لا في حقول الفقه والفلسفة والعلوم الدينية وحسب، بل حتى علماء الحقول المعروفة في العالم اليوم كالفيزياء، والرياضيات، والكيمياء، والميكانيك، ممن كانوا مميزين في تاريخنا وأنجزوا أعمالاً كبيرة في حينها، وبعض اختراعاتهم لا تزال تستخدم إلى اليوم، هؤلاء لا يعرف شبابنا أسماءهم ولا تسلط عليهم الأضواء ولا يذكرون! هذا نقص كبير ينبغي إصلاحه وتلافيه.

ثمة نقاط متنوعة أخرى ذكر الأصدقاء بعضها. مسألة انتقال المشاريع العلمية إلى سوق الاستهلاك من المسائل المهمة جداً التي ينبغي للحكومة أن تساعد عليها وهي تعتزم المساعدة عليها وأنا على علم بذلك.. ستتخذ خطوات على هذا الصعيد إن شاء الله كي تؤتي الأعمال نتائجها التجارية.

والنقطة الأخيرة - وقد حان الظهر ويبدو أنه وقت الأذان - هي أن تعرفوا قدر خدمة البلاد عن طريق العلم. خدمة البلاد متاحة بطرائق مختلفة، ومن أفضلها خدمة البلد عن طريق العلم. رجال السياسة يقدمون بدورهم خدمة للبلاد، ومجاهدو سبيل الله ومقاتلو سوح الحرب أيضاً يخدمون البلاد، لكن من أبرز سبل خدمة البلاد هو سبيل العلم. وذلك للأسباب المذكورة سابقاً وهي أن العلم من عوامل الاقتدار الوطني وقوة البلاد وإنتاج ثروتها وتحقيق شموخها. إذا كانت هذه هي نيّتكم في دراستكم وحيازتكم المراتب العلمية العالية كان عملكم عبادة. بمعنى أن عمل الإنسان - عمل واحد ليس إلا - يكتسب حالتين مختلفتين إذا كانت نوايا إتيانه مختلفة.. أحياناً يكون عبادة وأحياناً يكون العمل نفسه معصية. الصلاة التي يؤديها الإنسان إذا كانت بقصد القرب إلى الله والتوجه إليه وإذا صلّاها الإنسان بإخلاص كانت أرقى العبادات، وإذا صلّى الإنسان نفس تلك الصلاة ولكن من أجل الرياء كانت معصية وذنباً. الرياء ذنب كبير، وقد يكون مصداقه الصلاة التي تؤدى بدافع الرياء.. النية مؤثرة إلى هذا الحد. إذا نهضتم بهذا التحصيل الدراسي والجهد العلمي والسعي لإحراز المراتب النخبوية لأجل خدمة الناس والبلد ولرفعة النظام الإسلامي، فسيكون هذا بلا شك إحدى حسناتكم.

نتمنى أن يوفقكم الله تعالى جميعاً إن شاء الله ويعينكم، وأن نشهد يوماً بعد يوم انتشار العلم والبحث العلمي في البلاد أكثر فأكثر، ونرى شبابنا المؤمن الصالح وقد استطاعوا السير في مقدمة هذا السباق الكبير. حفظكم الله جميعاً إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

09-03-2017 عدد القراءات 1006



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا