18 تشرين الأول2017 الموافق لـ 27 محرّم 1439هـ
En FR

القائد الخامنئي :: الحرية

حقوق الإنسان لن يوفّرها إلا الدين



بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد (ص) وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين وصحبه المنتجبين المكرمين.

قال الله الحكيم في كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم
{قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربّي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربّي ولو جئنا بمثله مدداً * قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً}.

لابد أولاً وأن أرحب بالضيوف الأعزة، وعلى الأخص الضيوف الذين قدموا إلى هذا الوطن الإسلامي من دول أخرى، وأن أشكرهم على مشاركتهم إيانا في احتفال الجمهورية الإسلامية الكبير بعيدها، بل أكبر أعيادها التاريخية في الواقع. اليوم هو يوم 12 بهمن وبداية "عشرة الفجر"، يوم ورود إمامنا العزيز الجليل إلى البلد الإسلامي، ويوم تصاعد ثورتنا العظيمة. وإني لأرجو أن تكون المواضيع التي تطرح في هذا المؤتمر، والتي طرحت وشرحت في المؤتمرات السابقة، بشأن القضايا الإسلامية الرئيسية ـ وهي في الحقيقة كنز فكري ثمين لنا نحن المسلمين ـ منطلقاً للفكر والتأمل والتدبر، كما أرجو أن تلهم جميع المجتمعات الإسلامية السعي والعمل.

موضوع هذه السنة أيضاً هو قضية حقوق الإنسان، وهي بالطبع قضية مهمة، تتسع لكثير من البحوث الأصلية والكلية والمتفرعة عنها والتي بحث جانب منها في العام الماضي، وسوف يجري البحث هذا العام في جوانب أخر منها.

إنني اليوم إذ أبدأ هذه البحوث، سأتطرق إلى قضية مبدئية على صعيد حقوق الإنسان.

لقد طرحت قضية حقوق الإنسان ـ كما يعلم الإخوة ـ منذ القرن الثامن عشر في أوربا والعالم الغربي كمسألة يدور حولها الكثير من اللغط والكلام والجدل. لقد برزت قضية حقوق الإنسان، قبل الثورة الفرنسية الكبرى، في بعض البحوث الثانوية في كثير من الكتب والمحاضرات والمؤتمرات، ومازالت حتى اليوم من القضايا التي يوليها الغرب الكثير من اهتمامه، وطبيعي أن تبرز من خلال ذلك وجهات نظر جيدة ومفيدة وعميقة.

إننا ـ بالطبع ـ لا نرفض كل ما قاله الغرب بشأن حقوق الإنسان، كما إننا لا نتقبله كله، إذ إن هناك في البحوث الموجودة نقصاً مبدئياً موجوداً في جميع المساعي المبذولة في أرجاء العالم بخصوص حقوق الإنسان، وهو ما سأتناوله بالبحث اليوم. فعلى الرغم من كل الجهود المبذولة، ما زلنا نرى أن قضية حقوق الإنسان من القضايا التي لا حل لها في عالمنا اليوم. أقصد أن حقوق الإنسان ما زالت غير متوفرة حتى الآن.

إنك حيثما تلتفت بنظرك في العالم تجد المحاباة، والقيود، والفقر المفروض، وانعدام الثقافة الاجباري، بل تجد أن حقوق الإنسان تداس بالأقدام في بعض نقاط من العالم على الرغم من المساعي الكثيرة التي بذلت وتبذل في سبيل هذه القضية. فأين الخلل؟ وهذا سؤال مهم.

إنني عندما أشير إلى الغرب ونقص الثقافة الغربية، لا أعني أن الثقافات الأخرى الشائعة في العالم هي خير من تلك، بل أريد القول إن الثقافة الغربية هي ـ في الحقيقة ـ أم الثقافات الشائعة في العالم اليوم، بما فيها الثقافات الماركسية والاشتراكية في العالم الثالث.

من المؤسف أن نلاحظ أن ما يخطط له في الدول المتخلفة بهذا الخصوص يدور حول محور ما يقوله، ويزوقه مفكرو الغرب. بل إن الشعراء والمفكرين والفلاسفة والمصلحين في هذه الدول واقعون تحت تأثير أقوال أولئك المفكرين الغربيين وتزويقاتهم. وثقافة الكتلة الشرقية والفكر الماركسي أيضاً ـ كما قلنا ـ من منتجات الثقافة الغربية، ولذلك فهي واقعة أيضاً ـ وبشكل خاص ـ تحت تأثير تلك الثقافة نفسها. وحتى إذا ما ارتفعت فيها نغمة مضادة تماماً لما يرتفع في الغرب من نغمات، فإن الغرب هو الذي رفعها. كان لينين يقول:

"الحرية تعني ديكتاتورية البرجوازيين. إذن، في قبال تلك الديكتاتورية يجب أن يرتفع علم ديكتاتورية البروليتاريا" الديكتاتورية مرة أخرى. وهكذا ترون أن فكرة ديكتاتورية البروليتاريا لم تكن سوى انعكاس وتأثر بما كان يدور في ذهنه من الثقافة الغربية. وما جذور الثقافة الماركسية إلا نتائج الثقافة الغربية، وهذا أمر واضح لا لبس فيه.

إننا ـ إذن ـ عندما نشير إلى الغرب، فإنما نفعل ذلك بصفته نموذجاً بارزاً نستند إليه. على كل حال، هناك عيب أساس واحد يوجد في جميع ما يعرض اليوم في العالم باسم حقوق الإنسان، سواء أكان ذلك في المساعي العملية، كنشاط المؤسسات التي تبذل جهودها في هذا السبيل، أم في المساعي الفكرية، كالآراء التي يعرضها المفكرون على هذا الصعيد.

وعلى الرغم من الجهود الواسعة التي يبذلها عالم اليوم من أجل حقوق الإنسان ـ وبعض تلك الجهود مدفوع بدافع الإخلاص حقاً ـ فإنها تنطبق عليها الآية الكريمة التالية:

{قل هل ننبئكم بالأخسيرن أعمالاً * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}.

هذا ـ في الحقيقة ـ يجسد المساعي التي تبذل في العالم من أجل حقوق الإنسان، وقد قلنا إن بعضاً منها مدفوع بدافع الإخلاص. إن المشكلة الرئيسية في نظرنا هي أن أهم حق من حقوق الإنسان قد أغفلته تلك المساعي. إنهم تجاهلوا الأصل وتمسكوا بالفروع. ذلك الأصل هو حق حرية الإنسان في عدم العبودية لغير الله، كالعبودية للقوة، والعبودية للذهب والفضة، والعبودية لمختلف النظم غير الإلهية، هذا هو أكبر حق من حقوق الإنسان، ولكنهم تجاهلوه.

والتوحيد هو ما لا يعثر عليه في كل هذه الجهود. تلك هي المنقصة الكبرى. لا نقصد بالتوحيد مجرد الذهنية المحضة فقط، بل التوحيد بصفته فكراً اجتماعياً، أو مشروعاً لبناء العالم وبناء المجتمعات البشرية.

أما التوحيد بمعنى أن الحكم لله على جميع شؤون حياة الإنسان، فهذا ما نجد مكانه خالياً في العالم. وحيثما لا يكون الحكم لله، يكون الحكم لغير الله. وحيثما لا يكون الإنسان عبداً لله، يكون عبداً لغير الله. وهذا تضييع لأكبر حق من حقوق الإنسان. إن المفكرين والفلاسفة والسياسيين، الصادقين في أقوالهم وفي أعمالهم ـ لا الكاذبين ـ الذين يريدون اليوم أن يضمنوا حقوق الإنسان، فيسعون للحصول على حقوق الأسرة، أو حقوق المرأة، أو حق التقاعد، البطالة، أو التأمين، ولكنهم لا يتجهون لضمان حق الإنسان الأصلي، أي حقه في الحرية الحقيقة. تلك هي عقدة المسألة. ولهذا فإننا نسيء الظن بالجهود التي بذلت منذ السابق وحتى الآن من أجل حقوق الإنسان. إننا لا ننكر وجود جهود مخلصة، بل ونكرر قولنا هذا، فنحن لا نشك في وجود مثل هذه المساعي، ولا يمكن أن نخطئ الذين كتبوا كتابات جيدة، وأبدوا آراء طيبة، وعرضوا مُثُلاً قبولة.

نعم، لا نشك في أن هناك جهوداً مخلصة، ولكننا نسيء الظن بقيادات الحركات الكبرى التي تجري في العالم باسم حقوق الإنسان. إننا نلحظ وجود أيدٍ غير مخلصة، طامعة في حياة الإنسان وراء تلك الحركات، ولهذا تجاهلت هذا الحق الأساس للإنسان ونبذته جانباً. وإلاّ. لو كانوا مخلصين حقاً في نظرتهم، لرأوا هذا الحق الأصلي للإنسان أمام أعينهم.

في القرن التاسع عشر كانت المبادرة بشأن الحرية الفردية في أيدي الانجليز، فهم الذين حملوا لواء تلك النهضة، ومن ذلك مكافحتهم الرق في العالم. كانوا يأتون إلى الأقطار الواقعة تحت سيطرتهم فيجبرونها على التوقيع على إلغاء الرق. ترى ماذا كان هدف بريطانيا ـ في القرن التاسع عشر ـ من مواصلة تتبع هذه المسألة؟ لقد كان الهدف هو السيطرة على الممرات المائية الحساسة في العالم وعلى المناطق المحيطة بتلك الممرات، إذ كانت بريطانيا، بقوتها البحرية المتميزة، قادرة على السيطرة عليها باسم ضبط الرقابة على السفن التي تمر من تلك الممرات المائية، وهي تحمل الرقيق.

وهكذا فرضت سيطرتها على التجارة في جميع المناطق التي تهمها، ومنها منطقة الخليج الفارسي، جاءوا إلى بلدان سواحل الخليج الفارسي، ومنها بلدنا الذي كان يومذاك تحت حكم ملوك ضعفاء فاسدين، فأجبروهم على التوقيع على أن يكون للانجليز الحق في مراقبة جميع السفن التي تعبر في الخليج الفارسي وبحر عمان وفي مياه المنطقة كلها، للتأكد من أنها لا تحمل عبيداً أرقّاء. وبهذا الاسلوب أمسكوا بزمام التجارة في أيديهم، يمنعون السلع التي لم يكونوا يرغبون في خروجها، وأحياناً كانوا يضغطون على بعض السفن الراغبة في التجارة مع إيران، عند اقترابها من الموانئ الإيرانية فيوجهونها إلى موانئ الهند، وكانوا يشددون الضغط عليهم حتى يحملوهم على هجر التجارة مطلقاً، أو القبول برفع العلم البريطاني على سفنهم. وكان هذا الضغط يتكرر في مناطق أخرى من العالم، وفي البوسفور والدردنيل كانوا يضغطون على الامبراطورية العثمانية لتكرار القضية نفسها. ولعل لواء حرية الفرد الذي كان الانجليز يحملونه كان وسيلتهم في مناطق أخرى من العالم لتوسيع رقعة نفوذهم السياسي. أما لواء الحرية السياسية فقد كان في الغرب بيد الدول الغربية في أوربا وأمريكا.

كان هؤلاء يدافعون عن الديمقراطية والحرية الفردية، وكانوا يفخرون بذلك، ولطالما نعتوا دنياهم في قبال دنيا أعدائهم بأنها دنيا الحرية. ولكن هل هناك في عالم اليوم من لا يعلم أن الديمقراطية والحرية السياسية التي يحمل لواءها الغربيون والدول الغربية، لم تكن إلا مجرد ذريعة وواسطة لتسليط الشركات التجارية ـ التي بيدها وسائل الأعلام ـ على جميع الشؤون السياسية في الدول الأخرى؟ فيأتون بالحكومة التي يريدونها، ويشنون حملاتهم الاعلامية في الوقت المناسب، وينصبون رؤساء الجمهوريات الذين يرغبون فيهم، ويعزلون رؤساء الجمهوريات الذين لا يرغبون فيهم، ويفرضون عليهم سياساتهم، ويدخلون أتباعهم نواباً في المجالس النيابية، ويمررون القوانين طبقاً لمصالحهم، وفي الجو الذي يحس فيه الناس بالديمقراطية بصورتها المزيفة، يفرضون ديكتاتورية فظة وخطرة وظالمة على الناس.

وهذا هو ما يجري اليوم في أمريكا والدول الديمقراطية الغربية، حيث إن الحاكم الحقيقي المهيمن على سائر مصائر الناس هو ـ في الواقع ـ تلك الشركات التي تقبض بيدها على وسائل الإعلام، وتبذل الأموال، وعن طريق بذل المال، والإعلام الواسع الذي لا حدود له، يشكّلون الحكومات، ويمرر القوانين في المجالس النيابية، وهم آمنون على أنفسهم من غضب الناس وثوراتهم الناجمة عن غضبهم، وتسمى بلدانهم بالبلدان المستقرة. إن استقرار الدول الغربية يعني أنه لم يعد هناك في تلك الدول من يثور من أجل الحرية والديمقراطية، لأنهم جميعاً واقعون تحت إحساس كاذب بالديمقراطية، دون أن يكون للديمقراطية أو للحرية وجود، لأن لواء الحرية السياسية والديمقراطية كان بيد هذه الدول.

لاحظوا مقدار التزوير الكامن في هذا! وفي هذه الأيام ترفع أمريكا لواء حقوق الإنسان، وعلى الرغم من كل شيء، فما يزال الأمريكيون يظنون أنهم المدافعون عن حقوق الإنسان. وعندما كان الديمقراطيون في الحكم كانوا أكثر من الجمهوريين تبجّحاً بدفاعهم عن حقوق الإنسان، ومن هم هؤلاء؟ هؤلاء هم الذين تجد لهم أصبعاً ملطخاً بالدماء في كل زاوية من زوايا العالم المتخلف. فها هو الخليج الفارسي، وتلك هي فلسطين المحتلة، وأفريقيا، وجنوب أفريقيا، ودول أمريكا اللاتينية، وفي كل مكان آخر في العالم كان هؤلاء هم الذين يحملون لواء حقوق الإنسان على امتداد سنوات طوال خلال القرنين الماضيين. بديهي أن هؤلاء، ليسوا على استعداد لضمان حق الإنسان الأصلي، أي التحرر من غير الله. إن التحرر من غير الله يعني التحرر من هذه القوى نفسها، يعني التحرر من شرور هذه الأنظمة ذاتها.

إنك لتجد اليوم أن أشد الأنظمة رجعية، وفساداً، وظلماً، في العالم تحظى بحماية الذين يدعون الدفاع عن حقوق الإنسان، أي نظام ترونه أنتم من أحطّ الأنظمة وأكثرها ظلماً وعنفاً؟ إسرائيل؟ حسناً، لو لم تسند أمريكا إسرائيل وتحميها لما كانت هذه قادرة على البقاء وإدامة الحياة. إنني أدعي مؤكداً بأنه لو أزيل إسناد أمريكا ودعم الدول الكبرى لإسرائيل، لاستطعنا نحن الدول الإسلامية ـ بكل تأكيد ـ أن نزيل إسرائيل وأن نمحو هذا الاغتصاب والظلم الكبير.

كذلك حكام الدول الإسلامية والعربية الذين يرتبطون بإسرائيل، إنما هم يفعلون ذلك استناداً إلى دعم أمريكا لهم وجلباً لمرضاتها.

هل تعتبرون أفريقيا الجنوبية نظاماً فظاً وظالما؟ انظروا كيف أن أمريكا وبعض الدول الغربية ليست مستعدة للتوقيع على فرض حظر على أفريقيا الجنوبية هذه ذات النظام العنصري، بل إن الذين يملكون حق النقض ليسوا مستعدين للتخلي عن ممارسته في قرارات مجلس الأمن بهذا الخصوص.

هذه الأنظمة الرجعية المنتشرة في أرجاء العالم، عسكرية كانت أم غير عسكرية، هل تعتبرونها أنظمة عنيفة؟ إن يد امريكا وراءها في الأعم الأغلب.

هؤلاء يطالبون بحقوق الإنسان وحريته. ولكننا حيثما نظرنا على امتداد التاريخ هذه الشعلة وجدنا أن زمام الأمر في أيدٍ مشكوك فيها وذات نيات فاسدة. والذين تكلموا وفكروا أثناء ذلك لم يخرجوا عن إطارهم الفكري، ولم يعنوا بحرية الإنسان؛ حريته الحقيقة من نير القوى التي لا تعرف الله. وهكذا هي ـ مع الأسف ـ حال المؤسسات غير الحكومية في العالم.

أرى من اللازم أن اخاطب مرة أخرى هذه المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي تقوم بنشاطاتها باسم حقوق الإنسان، فتنذر أحياناً حكومة، أو بلداً، أو مجتمعاً، أو تتهمه، أو تقدم له الوصايا، فأقول لها: إنها بأسلوبها هذا الذي تتبعه، تقطع أمل الجماهير في جميع هذه المؤسسات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، ويزداد يأسها منها. ولو كانت هذه المؤسسات تريد مخلصة أن تعمل لكان عليها أن لا تتجاهل حق شعب فلسطين المظلوم. قضية فلسطين ليست من القضايا التي يمكن أن نتجاوزها بسهولة. إنها اليوم أكبر قضايا دنيا الإسلام. إنها قضية شعب مظلوم في عقر داره، وغريب في قلب وطنه. انظروا اليوم، بعد أن نهض الفلسطينيون باسم الإسلام في الأرض المحتلة، كيف يعاملونهم بقسوة وبوحشية. ولكن المؤسسات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان لا تقوم ـ مع الأسف ـ بواجبها ودورها، وهذا مما يدعو إلى الأسف الشديد. إنني أطلب منكم ـ أيها الإخوة وايتها الأخوات ـ ومن جميع الذين يستطيعون في بلدانهم أن يوصلوا أصواتهم إلى الآذان، أن تعلنوا هذه الحقيقة على الملأ وتبيّنوا أن منظمات حقوق الإنسان، والجمعيات التي تنشأ بهذا الاسم، لم تقم بأي عمل جاد لحماية أكبر حق من حقوق الإنسان من الضياع، وهو حق الشعب الفلسطيني، وهذا دليل على أن تلك السياسات مازالت تسير هذه المنظمات.

إن العلاج وطريق الحل الرئيسي هو العودة إلى الدين الخالص، أي التوحيد. إن ما يستطيع ضمان حقوق الإنسان هو العبودية لله. ففي ظل العبودية لله وحده يمكن دفع مفاسد العبودية للمال والقوة والأهواء النفسية والتحريف. إن على العالم أن يفكر مرة أخرى في الدين الخالص والتوحيد. ولئن أرادت المجتمعات البشرية أن تنجو من ضغوط القوى العظمى، فعليها أن تلجأ إلى قوة الله. إن الإيمان بالله وبالتوحيد الخالص يهب الإنسان ـ فرداً ومجتمعاً ـ من القوة ما لا تستطيع معها أية قوة مادية إخضاع ذلك الفرد الإنسان أو المجتمع الإنساني ولا تحطيمه. وهذا هو السر الكبير في انتصار ثورتنا. فقبل تسع سنوات، وفي مثل هذا اليوم الذي عاد فيه الإمام إلى البلاد بعد (15) سنة من البعد عن الوطن قام شعبنا ـ من دون أن يحمل أي سلاح، أو أن يتمتع بأي قوة ظاهرة ـ بمقارعة واحدة من أقوى السلطات الحكومية والعسكرية في المنطقة، في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تحمي تلك السلطة؛ إذ الحماية التي تقدمها الآن أيضاً أمريكا لأنظمة مثل إسرائيل، كانت تقدمها لنظام الشاه وتجهّزه بالإمكانات وتشجعه على استعمال العنف والشدة. والناس ـ في قبال هذا الجبل من القوة الظاهرية سياسياً وعسكرياً ـ لم يكونوا يملكون شيئاً سوى الإيمان وسوى الاعتقاد بالتوحيد الذي كان نافذاً إلى أعماق شعبنا. كان الشعب يؤمن بأن عليه أن يتقبل العبودية لله، وأن يخرج من تحت نير العبودية لذاك النظام الفاسد، وهكذا قرر ونجح.

في تلك الأيام دخل نضالنا مرحلة جديدة ـ بالطبع ـ ولكنه لم ينته. إننا اليوم مازلنا في حالة نضال، فالقوى العظمى التي كانت تدعم نظام الشاه ما كانت لترفع يدها عنا بسهولة، ولا ترفعها الآن. وما الحرب التي فرضتها علينا بواسطة العراق إلاّ استمرار لتلك الضغوط نفسها. إن ما يجري علينا اليوم في العالم وفي السياسات المخالفة للإسلام إنما هو تابع لتلك الضغوط والمعارضات. إن دنيا القوة والمال ـ دنيا الاستكبار ـ قد استولى عليها الغضب من رؤية الإسلام ينال مثل هذا الانتصار العظيم. إن الاستكبار مرتبك ويسعى لجعل انتصارنا ناقصاً لا يصل إلى أهدافه، وكل هذه الضغوط التي يتحملها اليوم شعبنا ناجمة عن ذلك. ولكننا بالاعتماد على الله مازلنا صامدين، وهذه القوة جاءتنا من التوحيد ومن الإيمان بالله.

هنالك عوائل بين الناس قدمت عدة شهداء في سبيل الله، ولمعرفتهم بأن ذلك في سبيل الله؛ لم ولن يعتورهم التعب. هذه هي القوة العظيمة التي ينالها الإنسان بخروجه من عبودية غير الله. فإذا ما تحقق هذا؛ تحقق أيضاً سائر الحقوق الأخرى، وعندئذ سوف تحس الشعوب بالحرية، ويومها تذوق المجتمعات طعم حقوق الإنسان.

إن المجتمع الإسلامي يتكفل توفير جميع الحريات وجميع الحقوق الحقة للإنسان. إن المجتمع الإنساني، المجتمع المسلم؛ يكفل الحرية والرفاه، والعدالة وحقوق الأسرة، والحقوق الفردية والجماعية. المجتمع الإسلامي لا يضيع فيه حتى أتفه الحقوق، والأمثلة على ذلك يجب أن نبحث عنها في صدر الإسلام.

بل إن في مجتمعنا أمثلة غير متكاملة على ذلك، إذ اننا مازلنا في منتصف الطريق إلى المجتمع الإسلامي المتكامل، ولكننا نسير في ذلك الاتجاه. علينا أن نشاهد الصورة الكاملة والدفاع الجميل عن حقوق الإنسان، جميع حقوق الإنسان، في صدر الإسلام، في حياة الرسول الكريم، في أدوار الحكم الحقيقي للإسلام والقرآن على المجتمع. إنه لم يغفل عن أي حق ـ مهما صغر ـ فجميع حقوق أفراد المجتمع مضمونة. إن علينا أن نواصل السعي للوصول إلى ذلك اليوم. إن على مجتمعنا أن يستمر في النضال حتى يبلغ تلك النقطة، والطريق أمامه صعب. كذلك على المجتمعات الإسلامية الأخرى أن تسعى من أجل الحكم الحقيقي للإسلام، وعلى المجتمعات البشرية أيضاً أن تسعى من أجل التحكيم الحقيقي ـ للدين الخالص ـ على أنظمتها، وهذا هو وحده طريق ضمان حقوق الإنسان، فبغير هذا يكون كل شيء ناقصاً.

إن الإخوة الأعزاء والأخوات العزيزات سيسعون خلال أيام انعقاد هذا المؤتمر؛ مؤتمر الفكر الإسلامي. لأن يدرسوا ـ إن شاء الله ـ مختلف جوانب الموضوع. ولكن الذي أرجوه هو أن يولوا هذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان مزيداً من العناية، وأن تتناول البحوث حاجات هذا المبدأ والركن الأساسي.

في ختام كلمتي أرحب مرة أخرى بجميع الإخوة الأعزة الذين شاركوا في هذا المؤتمر، وعلى الأخص أولئك الإخوة والأخوات الذين شرفونا بالقدوم من الدول الأخرى، وأشكر لهم حضورهم.

أرجو أن يتمكنوا في هذا الاجتماع من بذل جهودهم المناسبة، وأن يكون هذا المؤتمر ـ إن شاء الله ـ كنزاً جديداً وثميناً آخر من الأفكار الإسلامية للمجتمعات الإسلامية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

03-03-2017 عدد القراءات 130



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا