24 أيلول 2017 الموافق لـ 03 محرّم 1439
En FR

القائد الخامنئي :: القدس

الشعب الفلسطيني يتمسك بنموذج المقاومة مقابل مشروع الإستسلام



"الواقعية" ومشاريع "الإستسلام" لم تُعِد حقا للشعب الفلسطيني
إن الشعب الفلسطيني الكبير الذي يتحمّل بمفرده الأعباء الثقيلة لمواجهة الصهيونية العالمية وحماتها العتاة، منح الفرصة ـ صابراً محتسباً، ولكن قوياً صامداً ـ لكل الأدعياء ليختبروا ادعاءاتهم ويجرّبوها. يوم طرحت مشاريع الاستسلام بشكل جادّ تحت طائلة الزعم الباطل الذي يدعو إلى الواقعية وضرورة قبول الحد الأدنى من الحقوق للحؤول دون تضييعها، منح الشعب الفلسطيني، وحتى كل التيارات التي كان قد ثبت لديها مسبقاً عدم صحّة هذه الرؤية، الفرصة لها. طبعاً أكدت الجمهورية الإسلامية في إيران منذ البداية على خطأ هذا النوع من الأساليب الاستسلامية ونبّهت إلى آثارها الضارّة وخسائرها الجسيمة. إن الفرصة التي منحت لمسيرة الاستسلام كان لها آثار مخرّبة على مسار مقاومة الشعب الفلسطيني وكفاحه، بيد أن فائدتها الوحيدة هي إثبات عدم صحة فكرة «الواقعية» هذه على الصعيد العملي. بل إن طريقة ظهور الكيان الصهيوني كانت بالشكل الذي لا يمكنه معها أن يكفّ عن نزعته التوسعية وقمعه وسحقه لحقوق الفلسطينيين، لأن وجوده وهويته رهن بالقضاء التدريجي على هوية فلسطين ووجودها. ذلك أن الوجود غير الشرعي للكيان الصهيوني لا يمكنه الاستمرار إلّا على أنقاض هوية فلسطين ووجودها. ولهذا فإن الحفاظ على الهوية الفلسطينية وحماية كل ملامح وعلامات هذه الهوية الحقيقية الطبيعية كان أمراً واجباً وضرورياً وجهاداً مقدساً. وطالما بقي اسم فلسطين عالياً صامداً وذكر فلسطين والمشعل الوضاء لمقاومة هذا الشعب الشاملة، فلن يكون من الممكن لأركان الكيان المحتلّ أن تتعزّز.

مشكلة مشروع الاستسلام لا تقتصر على أنه بتنازله عن حق شعب، يمنح الشرعية للكيان الغاصب، وإنْ كان هذا بحدّ ذاته خطأ كبيراً لا يُغتفر. إنما المشكلة في أنه لا يتلاءم إطلاقاً مع الظروف الحالية لقضية فلسطين، ولا يأخذ بنظر الاعتبار النزعات التوسعية والقمعية والجشعة للصهاينة. على أن هذا الشعب اغتنم الفرصة واستطاع إثبات خطأ مزاعم دعاة الاستسلام، وبالتالي فقد حصل نوع من الإجماع الوطني بخصوص الأساليب الصحيحة للكفاح من أجل استعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين

نموذج المقاومة بديلا لمشروع الإستسلام
والآن، فإن الشعب الفلسطيني قد جرّب طوال العقود الثلاثة الماضية نموذجين متباينين وأدرك مدى ملاءمة كلٍّ منهما لظروفه. فهناك مقابل مشروع الاستسلام نموذج المقاومة البطولية المستمرة للانتفاضة المقدسة الذي أتى بمكتسبات عظيمة لهذا الشعب.

وليس دون سبب أنْ تقوم جهات مفضوحة اليوم بمهاجمة المقاومة أو إثارة الشكوك حول الانتفاضة. إذ لا يتوقع من العدوّ غير هذا، لأنه يعلم علماً تامّاً بصحّة هذا الدرب وجدوائيته. ولكن نشاهد أحياناً بعض التيارات وحتى البلدان التي تدّعي في الظاهر مواكبة القضية الفلسطينية ولكنها تريد في الحقيقة حرف المسار الصحيح لهذا الشعب؛ نشاهدها هي الأخرى تهاجم المقاومة. ذريعة هؤلاء هي أن المقاومة لم تستطع بعد عقود من عمرها تحقيق تحرير فلسطين. وبناءً على ذلك فإن هذا الأسلوب بحاجة إلى إعادة نظر!

مكتسبات "المقاومة"
أ ــ المقاومة أبقت قضية فلسطين حية
وينبغي القول في معرض الرد: صحيح أن المقاومة لم تستطع بعدُ الوصول إلى هدفها الغائي أي تحرير كل فلسطين، بيد أن المقاومة استطاعت إبقاء قضية فلسطين حيّة. لنتصور أنه لو لم تكن هناك مقاومة فما كانت الظروف التي كنا نعيشها اليوم؟

ب ــ المقاومة عقبة كبرى أمام المشاريع الصهيونية
أهم مكتسبات المقاومة إيجاد عقبة أساس أمام المشاريع الصهيونية. لقد تمثل نجاح المقاومة في فرض حرب استنزافية على العدو، بمعنى أنها استطاعت إفشال الخطة الأصلية للكيان الصهيوني وهي السيطرة على كل المنطقة. وفي هذا السياق ينبغي بحقّ تكريم مبدأ المقاومة والأبطال الذين بادروا إلى المقاومة خلال فترات مختلفة ومنذ بداية تطبيق مسرحية تأسيس الكيان الصهيوني، ومن خلال تقديم أرواحهم حافظوا على راية المقاومة عالية خفاقة، ونقلوها من جيل إلى جيل. ولا يخفى على أحد دور المقاومة خلال الفترات التي أعقبت الاحتلال، ومن المتيقن منه أنه لا يمكن تجاهل دور المقاومة حتى في الانتصار الذي تحقق في حرب عام 1973 وإن كان انتصاراً بسيطاً.

ومنذ عام 1982 ألقيت أعباء المقاومة عملياً على عاتق الشعب في داخل فلسطين، إلّا أن المقاومة الإسلامية في لبنان ـ حزب الله ـ ظهرت هي الأخرى لتكون عوناً للفلسطينيين في دربهم الكفاحي. لو لم تكن المقاومة قد شلّت الكيان الصهيوني لشهدنا اليوم تطاوله مرة أخرى على أراضي المنطقة ابتداء من مصر إلى الأردن والعراق والخليج الفارسي وغير ذلك.

ج ــ تحرير جنوب لبنان وتحرير غزة إنجازان مهمان في سياق تحرير فلسطين
نعم، هذا مكسب مهم جداً، بيد أنه ليس المكسب الوحيد للمقاومة، فتحرير جنوب لبنان وتحرير غزة يعدّان هدفين مرحليين مهمّين في سياق تحرير فلسطين، استطاعا تغيير مسار التوسّع الجغرافي للكيان الصهيوني إلى العكس. منذ بدايات عقد الستينات -هجري شمسي- المصادف للثمانينات من القرن العشرين للميلاد فصاعداً لم يعد الكيان الصهيوني قادراً على التطاول على أراضٍ جديدة. وليس هذا وحسب بل بدأ تراجعه بالخروج الذليل من جنوب لبنان، واستمر بخروج ذليل آخر من غزة. ولا أحد يستطيع إنكار الدور الأساس والحاسم للمقاومة في الانتفاضة الأولى. وقد كان دور المقاومة في الانتفاضة الثانية أيضاً أساساً وبارزاً، تلك الانتفاضة التي اضطرت الكيان الصهيوني في نهاية المطاف إلى الخروج من غزة.

د ــ حروب الأيام الطويلة في لبنان وغزة صفحات مشرقة في ملف المقاومة
كما إن حرب الثلاثة وثلاثين يوماً في لبنان، وحرب الاثنين وعشرين يوماً، وحرب الثمانية أيام، وحرب الواحد وخمسين يوماً في غزة، كلها صفحات مشرقة في ملف المقاومة تبعث على فخر واعتزاز كل شعوب المنطقة والعالم الإسلامي وكل إنسان تائق إلى الحرية في أرجاء المعمورة.

في حرب الثلاثة وثلاثين يوماً تم عملياً إغلاق كل طرق إمداد الشعب اللبناني والمقاومة البطلة في حزب الله، ولكن بعون من الله وبالاعتماد على الطاقة الهائلة لشعب لبنان المقاوم تكبّد الكيان الصهيوني وحاميه الأساس أعني الولايات المتحدة الأمريكية، هزيمة فاضحة بحيث لن يتجرّأ بعدها بسهولة على الهجوم على تلك الديار.

والمقاومات المتتابعة في غزة التي تحولت الآن إلى حصن منيع للمقاومة، أثبتت عبر حروب عدة متلاحقة أن هذا الكيان أضعف من أن يستطيع الصمود أمام إرادة شعب. البطل الأصلي في حروب غزة هو الشعب الباسل المقاوم، الذي لا يزال يدافع عن هذا الحصن بالاعتماد على قوة الإيمان على الرغم من تحمّله الحصار الاقتصادي لسنين عدّة.

ومن الجدير أن يقدَّر عالياً كل فصائل المقاومة الفلسطينية مثل سرايا القدس من حركة الجهاد الإسلامي، وكتائب عز الدين القسام من حماس، وكتائب شهداء الأقصى من فتح، وكتائب أبي علي مصطفى من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كان لها جميعاً دور قيّم في هذه الحروب.


* كلمة الإمام الخامنئي في المؤتمر الدولي السادس لدعم الانتفاضة الفلسطينية 21/2/2017

23-02-2017 عدد القراءات 154



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا