18 كانون الثاني 2020 م الموافق لـ 22 جمادى الأولى 1441 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: 2007

كلمة الإمام الخامنئي في صلاة أول جمعة من شهر رمضان المبارك



كلمة الإمام الخامنئي في صلاة أول جمعة من شهر رمضان المبارك. الزمان: 23/6/1386هـ. ش ـ 2/9/1428هـ.ق ـ 14/9/2007م.
المشروع الإستكباري للقضاء على الثورة والنظام الإسلامي ينتهي إلى حتفه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونؤمن به ونستغفره ونصلّي ونسلّم على حبيبه ونجيبه وخيرته في خلقه وحافظ سرّه ومبلّغ رسالاته, بشير رحمته ونذير نقمته سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين سيّما بقية الله في الأرضين.

شهر رمضان شهر الفرص والتزود بالبركات
أخوتي أخواتي المصلّون أوصيكم ونفسي بتقوى الله التي تعدّ أهم ما نحصل عليه في هذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي أقبل علينا مرة أخرى بكل ما يحمله إلينا من بركات وخيرات وصفات معنوية.

وكان الرسول الأعظم(ص) إذا أقبل شهر رمضان يدعوا الناس الى التهيّؤ والاستعداد لاستقبال هذا الشهر العظيم والمبارك، فيقول: (قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة). إذ تشير إحدى الروايات أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان في خطبة الجمعة الأخيرة من شهر شعبان يُنبّه الناس للإستعداد لاستقبال شهر رمضان المبارك قائلاً: (قد أقبل إليكم شهر رمضان).

وإذا ما أردنا أن نعرّف شهر رمضان المبارك بجملة واحدة فإننا نقول: هو شهر الفرص؛ لِمَا يحمله هذا الشهر المبارك من فرص كثيرة لي ولكم، فإذا ما اغتنمنا هذه الفرص فإننا سنتزوّد بكثير من الصفات والبركات العظيمة. لذا فإنني سأخصص الخطبة الأولى لتوضيح هذا الموضوع والتحدّث باختصار عن بركات شهر رمضان وما يحمله من فرص عظيمة.

الإستفادة القصوى من بركات شهر رمضان وأشكالها
قال الرسول الأكرم(ص) في خطبته التي أشرنا إليها عن شهر رمضان: (شهر دعيتم فيه الى ضيافة الله) وهي جملة تحتاج في حدّ ذاتها الى تدبّر وتأمل.

فالله تعالى لم يجبر جميع الناس على الاستفادة من هذه الضيافة، بل جعلها فريضة علينا لكنه تركنا مختارين في الاستفادة من هذه الضيافة أم لا. إذ لا يجد البعض فرصة للاهتمام بهذه الضيافة، لغفلتهم وانغماسهم في أهوائهم الدنيوية والمادية الى درجة أنّ شهر رمضان يمرّ عليهم دون أن يشعروا به. شأنهم في ذلك شأن من يُدعى الى ضيافة كثيرة الخير والبركة لكنه لا يجد فرصة حتى للنظر في بطاقة الدعوة، فمثل هؤلاء يخرجون من هذه الضيافة خالي الوفاض تماماً.

البعض الآخر يعلم بهذه الضيافة لكنهم لا يذهبون إليها، وهم مَنْ حرمهم الله من لطفه وعنايته, فلم يصوموا هذا الشهر المبارك دون عذر شرعي، أو أنهم لم يوفّقوا لتلاوة القرآن أو الاستفادة من أدعية هذا الشهر المبارك، وجزاء من لا يذهب الى هذه الضيافة معلوم.

أما أغلب المسلمين ـ أمثالنا ـ فإننا نلبّي هذه الدعوة لكننا نتفاوت في مقدار ما نستثمره منها، إذ يغتنم بعضنا هذه الفرصة فيستفيد منها بأكبر قدر ممكن.

ولعلّ ترويض النفس لتحمّل الصيام ومشقّة الجوع والعطش، أهم ما نستفيد من هذه الضيافة الإلهية؛ لِمَا يحمله الصيام من بركات وصفات معنوية تزيد الإنسان إيماناً ونوراً.

فالبعض يصوم هذا الشهر الفضيل ويستفيد من هذه الضيافة الإلهية، لكنهم وإضافة الى ما يجنونه من بركات هذا الصيام، فإنهم يغذّون أنفسهم بتلاوة القرآن الكريم بتدبر وتأمل في أيام وليالي هذا الشهر المبارك؛ لِمَا تحمله هذه التلاوة في حالة الصيام والانقطاع الى الله والأنس بالقرآن ومخاطبة الحق تعالى في ليالي هذا الشهر الفضيل من لذّة تفوق أي لذة أخرى يمكن أن يتذوقها الإنسان من تلاوة القرآن في الأيام والليالي العادية.

كما يستفيد الصائمون أيضاً من مخاطبة الله تعالى والتضرع والدعاء إليه وكشفهم لمكنونات النفس وأسرار القلب, من خلال أدعية شهر رمضان، كدعاء أبي حمزة الثمالي وأدعية الأيام والليالي وأدعية السحر فإنها كلام مع الله تعالى؛ لأن التضرع الى الله والطلب منهم يُعدّ تقرّباً لذاته المقدسة، من هذا تتضح المكاسب التي يمكن أن يجنيها الصائم من هذه الضيافة الإلهية.

أما أهم الأعمال في هذا الشهر المبارك فهو اجتناب الذنوب، إذ نجد في نفس الخطبة التي أشرنا إليها أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يسأل الرسول الأعظم(ص) عن أفضل الأعمال في شهر رمضان، فيجيب الرسول (ص): (الورع عن محارم الله).
فاجتناب الذنوب والورع عن المحارم مقدمة على جميع الأعمال الحسنة؛ لِمَا يؤديه ذلك من تطهير للنفس وصفاء للقلب.

إذاً في هذا الشهر المبارك، صيام، وتلاوة قرآن ودعاء وذكر، واجتناب للذنوب، وكل هذه الأعمال تقرّب الإنسان من كماله الأخلاقي الذي يدعو إليه الإسلام؛ لأنها تطهّر قلب الإنسان من الضغينة والحقد وتحيي في نفسه روح التضحية والفداء، والأخذ بأيدي المحرومين والضعفاء، وتدفع الإنسان الى الإيثار في الأمور المادية. لذا فإننا نرى أنّ الجريمة تقلّ كثيراً في شهر رمضان، وتزداد أعمال الخير وتسود المحبة بين أفراد المجتمع أكثر من أي وقت آخر، وليس هذا إلاّ ببركة هذه الضيافة الإلهية.

الإستفادة القصوى لا تحصل إلا بالإستغفار
فالبعض إذاً يستفيد من هذا الشهر المبارك الى أقصى حدّ ممكن، بينما البعض الآخر يستفيد من شيء لكنه يحرم نفسه من شيء آخر. لذا يجب على جميع المسلمين الاستفادة القصوى من بركات هذه الضيافة الإلهية وطلب رحمة الله ومغفرته. ولا يحصل ذلك إلاّ بالاستغفا. لذا فإني أؤكد على الاستغفار؛ الاستغفار من الذنوب, والاستغفار من الخطايا, والاستغفار من الانحراف، سواء كانت من الكبائر أو الصغائر.

فمن المهم أن نطهّر قلوبنا ونفوسنا من الرذائل والذنوب والأحقاد، ولا يحصل ذلك إلاّ بالاستغفار، لذا نجد في كثير من الروايات التأكيد عليه واعتباره أهم الأدعية.

أ ــ أنواع الإستغفار
إنّ طلب مغفرة الله تعالى هو نوع من الاستغفار، حتى أنّ النبي(ص) كان يستغفر الله كثيراً. فالاستغفار لأمثالنا هو استغفار من الذنوب المتعارفة وما تفرزه رغباتنا الحيوانية وأهوائنا النفسية وهي ذنوب واضحة.

في حين يستغفر بعض الناس ليس من هذه الذنوب المتعارفة بل من ترك الأولى؛ أما البعض الآخر من الأفراد فإنهم لا يتركون الأولى، لكنهم يستغفرون أيضاً, وهذا الاستغفار هو استغفار لقصورهم الذاتي والطبيعي في قبال ذات الله المقدسة. وهناك استغفار من عدم المعرفة الكاملة لله تعالى، وهو استغفار الأولياء والصالحين.

إذاً، يجب علينا الاستغفار، وأهم ما نستفيده من هذا الاستغفار هو الابتعاد عن غفلة النفس، إذ إننا كثيراً ما نرتكب الأخطاء بحق أنفسنا، وعندما نستغفر الله تعالى من الذنوب والخطايا تتجسّم أمام أعيننا جميع هذه الذنوب وكل ما ارتكبناه من خطايا واتّباع لأهواء النفس، وتجاوز لحدود الله، وظلم لأنفسنا وظلم للآخرين، مما يُبّعدنا عن غرور النفس والغفلة عنها. كما أنّ الله تعالى قد وعد الناس بقبول التوبة والاستغفار إذا كان حقيقياً نابعاً من صميم القلب، إذ قال:{لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} ، فهذا الاستغفار هو رجوع الى الله، واجتناب للذنوب والخطايا وبالتالي فهو استغفار حقيقي يقبله الله تعالى.

واعلموا أنْ لا فائدة من الاستغفار عندما يكون مجرد لقلقة لسان, كأن يردد الإنسان: استغفر الله، استغفر الله، وفكره وحواسه في مكان آخر، بل لابد أن يكون الاستغفار حقيقياً؛ لأنه نوع من الدعاء والطلب من الله تعالى، وبالتالي يجب أن يكون طلب الرحمة والمغفرة من الله حقيقياً مع الخضوع والتضرع, كأن يقول الإنسان: إلهي لقد أذنبت فاغفر لي وارحمني، وهذا الاستغفار سيتبعه حتماً مغفرة الله ورحمته؛ لأن الله قد جعل باب التوبة والاستغفار مفتوحاً لجميع الناس.

ب ــ لا يجوز طلب الإستغفار من غير الله
وقد منع الإسلام الإقرار بالذنب والاعتراف به أمام الآخرين، كما هو الحال في بعض الأديان التي تدعوا الناس الى الاعتراف بذنوبهم أمام رجال الدين أو القسيس مثلاً؛ لأن الإسلام لا يرى فائدة في كشف الأسرار والاعتراف بالذنوب أمام الآخرين، إذ يعتقد أنّ الله هو الوحيد القادر على غفران الذنوب وقبول التوبة لا القسيس ولا أي شخص آخر كما هو الحال في بعض الأديان الواهية المحرّفة.

فالآية الكريمة تقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} . أي أنّ الرسول(ص) لا يغفر الذنوب بل يستغفر لهم الله؛ لأنه الوحيد القادر على غفران الذنوب.

إذاً، لا تغفلوا عن الاستغفار في هذا الشهر المبارك خاصة في الليالي ووقت السحر؛ لِمَا لذلك من مكانة عظيمة عند الله تعالى، واهتمّوا بقراءة الأدعية وتدبّروا معانيها أيضاً.

الحمد لله أنّ مجتمعنا مجتمع معنوي، يكثر الدعاء والتوسل والابتهال الى الله بين أفراده، ويستأنس شبابه بذكر الله، وهذه من الفرص العظيمة التي يجب الاستفادة منها. كما أنّ شهر رمضان المبارك هو أحد الفرص التي منحها الله إيّانا؛ لذا علينا الاستفادة منها الى أقصى حدّ ممكن، بأن تتقرّب القلوب الى الله، وتتطهّر بالاستغفار والتوبة، ونتوسل الى الله لقضاء حوائجنا. فهذا الارتباط المعنوي بين شعبنا والله تعالى قد حقق لنا الكثير من المنجزات والمكاسب العظيمة، وشهر رمضان إحدى الفرص لتوثيق هذا الارتباط، فعلينا اغتنامها والاستفادة منها.

أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع في هذا الشهر المبارك حتى تتغلب صفاتنا الملائكية على غرائزنا الحيوانية، إذ نمتلك جميعاً نوعين من الصفات: إحداهما ملائكية, وأخرى مادية وحيوانية، حيث تتغلب الصفات المادية على صفاتنا الملائكية عند النزوع الى أهوائنا النفسية.

وإن شاء الله نتمكن في شهر رمضان من تقوية صفاتنا الملائكية والمعنوية؛ حتى تتغلب على صفاتنا المادية، ونجعل من شهر رمضان تمريناً معنوياً يفيدنا طيلة أيام السنة.

بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين سيّما علي أمير المؤمنين وسيدة نساء العالمين والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والخلف القائم المهدي حججك على عبادك وأمنائك في بلادك وصلّ على أئمة المسلمين وحماة المستضعفين وهداة المؤمنين واستغفر الله لي ولكم.
أول صلاة جمعة في طهران أقامها آية الله الطالقاني عالم بأمر من الإمام(رض)

نبتدئ هذه الخطبة باستعادة ذكرى المرحوم آية الله طالقاني (رضوان الله تعالى عليه) الذي أقام بأمر الإمام (قدس) أول صلاة جمعة في طهران، إذ كان هذا المرحوم عالماً مجاهداً ربّانياً مؤمناً تمكّن باقتدار من اجتياز ما تعرّض له من امتحان في فترة الجهاد والنضال, وفي فترة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية, وما تعرّض له طيلة هذه الفترة من مصاعب جمّة ومشاكل سياسية واقتصادية وأمنية.

صلاة الجمعة منبر للعبادة والتقوى ومركز للمقاومة
كما أصبحت صلاة الجمعة اليوم في طهران وسائر مدن البلاد منبراً مباركاً يزداد عظمة يوماً بعد يوم في جميع أنحاء البلاد, حتى في القرى والمدن الصغيرة؛ لتتحوّل تدريجياً الى مصدر لترويج المعنوية وتقوية روح المقاومة في المجتمع، مما يبُيّن سبب إطلاق الإمام(قدس) عليها بأنها صلاة عبادية ـ سياسية، فهي بحق مركز للعبادة ونشر الثقافة السياسية والمعنوية، هذه الثقافة التي تقي الشعب من الانحراف والخضوع. فأغلب ما نشهده اليوم من هزائم سياسية لحقت ببعض الشعوب في العالم، إنما كان نتيجة الجهل بالمسائل السياسية والمعنوية؛ لأن الوعي السياسي والمعنوي يؤمّن البلاد والشعوب من التعرّض لهذه الهزائم، لهذا كانت صلاة الجمعة منبراً للعبادة والمعنوية ومركزاً للمقاومة.

إذاً، على جميع أفراد المجتمع أن يدركوا أهمية صلاة الجمعة، وخاصة شبابنا الأعزاء وحتى أئمة الجمعة في مختلف أنحاء البلاد، لِمَا آلت إليه من مكانة عظيمة قلّ نظيرها. فعلى الجميع أن يشجع الشباب على الالتزام بهذه الصلاة, ويعمدوا الى تقوية هذا المنبر؛ ليصبح يوماً بعد آخر مركزاً للإشعاع الفكري والسياسي.

المشروع الإستكباري للقضاء على الثورة والنظام الإسلامي مني بالهزيمة
أودّ الآن أن أتطرّق لموضوع آخر ليكون مقدمة للموضوع الأساسي الذي سأتطرق إليه لاحقاً، وهو موضوع أسبوع الدفاع المقدس الذي يمرّ علينا هذه الأيام.

أ ــ الحرب المفروضة نموذجا
إنّ الحرب التي فُرضت على الجمهورية الإسلامية عام 1359هـ.ش(1980م)، رغم أنها قد بدأت بأمر من صدام المقبور إلاّ أنّ مؤامرة دولية استكبارية كانت من ورائها؛ لضرب النهضة الإسلامية والثورة الإسلامية في إيران.

إذ إنّ المحللين الغربيين أدركوا وفهموا جيداً أنّ هذه الثورة لم تكن مجرد إسقاط لنظام سياسي عميل في إيران وإخراج البلاد من سيطرة الاستكبار العالمي، بل كانت نهضة معنوية هزّت كيان العالم الإسلامي, وألهمت الشعوب معاني الثورة والتحرر؛ وهذا ما حصل فعلاً حيث انتشر هذا الفكر في فلسطين، ودول شمال أفريقيا وبرزت حركات التحرر الإسلامية في جميع الدول الإسلامية ومازالت تنتشر حتى يومنا هذا.

إذاً، قد قرر الاستكبار العالمي القضاء على الجمهورية الإسلامية؛ لأنهم أدركوا خطرها وما آلت إليه كمركز للتحرر الفكري في العالم الإسلامي، ورغم خطورة منطقة الخليج الفارسي وأهميتها النفطية بالنسبة للدول الغربية وسعيهم الدائم للحفاظ على أمن هذا المنطقة الحيوية، إلا أنهم عمدوا الى تقوية نظام صدام بل وشجّعوه على شنّ الحرب على الجمهورية الإسلامية، وقد وقع هذا الجاهل في الفخ متوهّماً قدرته على تحقيق النصر خلال يومين أو ثلاثة أيام أو في بضعة أسابيع ثم يعود مقتدراً متسلطاً.

وما أن اشتغل فتيل الحرب حتى تحمّلت الجمهورية الإسلامية أقسى أنواع الضغوط الدولية، من قِبَل الاتحاد السوفياتي السابق، وأمريكا وحلف الناتو والدول الأوروبية، التي يمكن أن تحطّم أعظم الثورات وتسقط أقوى الدول، لكن هذه الضغوط الدولية ليس أنها فقط عجزت عن إسقاط الجمهورية الإسلامية، بل عملت على تقوية الشعب الإيراني وزيادة وعيه السياسي والفكري، ورسّخت من عزيمة وإرادة الجمهورية الإسلامية؛ لتصبح قوة إسلامية وإلهية عظيمة. وهذا يُبيّن الأثر الذي يتركه الصمود في ساحات الدفاع عن الوطن.

وقد تعرّض صدام ونظامه البعثي الى أقسى الضربات في هذه الحرب، إذ أدركت أمريكا ماهيّة هذا النظام الديكتاتوري وضعف قاعدته الشعبية فحاولت لملمت أركانه وتقويته، لكن الجمهورية الإسلامية قد وجّهت له الضربة الأساسية التي قصمت ظهره حتى انتهت به الأمور الى ما عليه الآن، في حين أخذت الجمهورية الإسلامية تزداد قوة يوماً بعد آخر.

ب ــ العقوبات والحصار نموذجا آخر
اليوم وعندما يتحّدثون عن العقوبات والحصار، نقول: إننا قد تعرّضنا الى عقوبات أشد في فترة الحرب، وفي ظل مثل هذه العقوبات تمكّنا من بناء قوّاتنا المسلحة وتجهيزها بأفضل الأسلحة والمعّدات, حتى أصبحت الجمهورية الإسلامية من الناحية العسكرية من أقوى دول المنطقة، حتى إنّ القدرات التي اكتسبتها الجمهورية الإسلامية بفضل إمكاناتها العلمية وطاقتها الداخلية، قد حيّرت جميع المتابعين والمحللين خاصة في المجالات العلمية التي يمثل التقدم الكبير الحاصل في مجال الطاقة النووية النموذج الأبرز في هذا المجال.

وقد تحققت جميع هذه المنجزات في ظل هذه العقوبات وهذا الحصار الذي يعاني منه الشعب الإيراني، أي أنّ العقوبات ليس فقط لم تؤثر على قدرات الجمهورية الإسلامية؛ بل على العكس عمدت الى إبراز الطاقات الكامنة عند هذا الشعب وحرّكت فيه روح الفكر والإبداع.

أهمية الأمور "المعنوية" في منعة الشعوب وتقدمها
والآن أتطرّق باختصار الى ما رغبت التحدّث عنه هذا اليوم: وهو أنّ المشروع الاستكباري لإسقاط الثورة والنظام قد باء بالفشل؛ بل وبالعكس فقد لحقت الهزيمة بالمتآمرين على النظام الإسلامي، حتى إنّ دولة عظمى كأمريكا بدأت تعاني من الهزائم المتكررة وتقترب يوماً بعد آخر من هزيمتها الكبرى؛ لِمَا نشاهده اليوم من علامات بارزة ودلائل واضحة على فشل السياسات الأمريكية في المنطقة. فهذه الأمور من المواضيع المهمة التي تحتاج نوعاً من التدبر والتأمل من قِبَل شعبنا وشبابنا والمحللين في البلاد. أي أنّ المواجهة بين القوى الشعبية التي تستند على الأمور المعنوية وبين القوى المادية القائمة على القوة والتهديد، تعتبر من البحوث المهمة جداً والجديدة التي لابد أن تحظى باهتمام الباحثين في العلوم الاجتماعية والنفسية للشعوب.

فشعبنا مثلاً لم يكن يمتلك قنبلة نووية، ولم يحظَ في الجانب العلمي طيلة قرن بفرصة لمواكبة قافلة التطور العلمي فتخلّف عنها في كثير من الأمور، كما أنه يتخلف عن الدول الغنية حتى في حجم الثروات، لكنه مع ذلك تمكن من إفشال جميع المؤامرات التي خططت لها الدول العظمى بكل إمكاناتها وقدراتها السياسية والعسكرية وإلحاق الهزيمة بها في أهم الميادين، فما هو السبب؟

إنّ هذا الأمر يستحق التدبّر والتأمل، والتحليل من قِبَل علماء العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية؛ ليتوصّلوا الى دور هذه الأمور المعنوية في ما تحقق حتى الآن في إيران.

لذا لابد أن نعتبر ونستفيد من هذا الأمر؛ لأنه يمثل ميداناً لهزيمة أمريكا وانكساراً لقدرتها الاستكبارية، وهذا ليس ادّعاءاً واهياً، بل هو حقيقة واضحة وحسب اعترافهم أيضاً.

مشروع أميركا والشرق الأوسط الكبير: هزائم متتابعة على امتداد مساحة المنطقة
لقد سعت أمريكا أن تتخذ من قضية الحادي عشر من سبتمبر ذريعة لتنفيذ مطامعها في الشرق الأوسط، وهدفها الأساسي هو تغيير خارطة الشرق الأوسط لتتلائم مع مصالح إسرائيل، لتصبح كما عبّرنا عن ذلك في تلك الأيام منطقة الشرق الأوسط وعاصمتها إسرائيل. وكان غزوهم للعراق واحتلاله جزءاً من هذا المخطط الاستعماري؛ لِمَا يمتلكه العراق من ثروات عظيمة تجعله من أغنى دول المنطقة، لكن شعبه اليوم وللأسف يعيش في حالة من الفقر المدقع.

وسعت أمريكا الى إحكام قبضتها على العراق ـ إذ لم يكن إسقاط صدام كافياً ـ وتشكيل دولة تستند الى رأي الشعب في الظاهر وتسيطر عليها في الواقع، فكانت هذه الخطوة الأولى من خطة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد القائم على تأمين مصالح إسرائيل، وفرض الحصار على الجمهورية الإسلامية في إيران. والآن لو أمعنا النظر في كل قسم من هذه الخريطة لرأينا الفشل واضحاً فيها، كفشلها في فلسطين التي تمثل محوراً أساسياً في هذه الخريطة، فلماذا؟ لأن حركة حماس التي تمثل محور المقاومة الإسلامية ضد إسرائيل قد فازت في الانتخابات وتمكّنت بآراء الشعب تشكيل حكومة منتخبة في فلسطين، فهل من ضربة أقسى منها على أمريكا وإسرائيل؟

وقد سعت أمريكا منذ ذلك اليوم الى إسقاط هذه الحكومة بمختلف الوسائل والمؤامرات, حتى إنها وللأسف كانت تستمد العون من بعض الفلسطينيين لإسقاط هذه الحكومة المنتخبة، لكنها عجزت عن تحقيق مآربها حتى الآن، وإن شاء الله لن تتمكن من تحقيق ذلك في المستقبل.

حتى الكيان الصهيوني قد تعرّض لضربة موجعة، فتعرّضت معه أمريكا لضربة موجعة أيضاً، كيف؟

في صيف السنة الماضية قام الجيش الإسرائيلي ـ مع تلك الهالة الإعلامية التي تدّعي أنها أقوى الجيوش في المنطقة ـ بشنّ هجوم واسع على الأراضي اللبنانية، فلم تتصدى له الدولة ولا قوات منظمة بل عدة آلاف من مقاتلي حزب الله والمقاومة الإسلامية، وقد استمرت هذه الحرب لثلاث وثلاثين يوماً وهي فترة لم يسبق تحققها طيلة تاريخ الحروب مع إسرائيل، إذ لم تتجاوز فترة الحروب التي حدثت بين العرب وإسرائيل عن عدة أيام, وكأقصى حد عن الأسبوع أو أسبوعين.

وقد انتهت هذه الحرب بإلحاق هزيمة قاسية بالجيش الإسرائيلي، فمن كان يتوقّع هذا الأمر؟ أمريكا لم تتوقّع أبداً حدوث مثل هذا الأمر، فكانت هذه ضربة قاصمة لها؛ لأنها كانت تسعى لنزع سلاح حزب الله، لكنها لم تفشل فحسب، بل أصبح حزب الله أكثر قوة واقتداراً بحيث تمكن من هزيمة الجيش الإسرائيلي وتبديد أسطورته.

إذاً، فشلوا بالنسبة لحكومة فلسطين، وفشلوا بالنسبة للكيان الصهيوني، وفشلوا في منع الشباب اللبناني من مساعدة الفلسطينيين، وفشلوا أيضاً بالنسبة للعراق، إذ عمدوا أولاً في العراق الى احتلاله عسكرياً وكان هذا الجزء السهل من القضية، واليوم وبعد مضي أربع سنوات من احتلال العراق أذعن جميع المحللين في العالم بهزيمة أمريكا وفشلها في العراق، وأنها تخطط اليوم لإيجاد سبيل للخروج من العراق يحفظ لها ماء وجهها، بعد أن وصلت الى طريق مسدود في هذا البلد.

وقد سعت أمريكا الى تشكيل حكومة عميلة في العراق، لكن الشعب العراقي انتخب حكومة تبتعد كثيراً عن أهداف أمريكا، حكومة تختلف مع أمريكا وليست عميلة لها؛ لهذا لجأت أمريكا الى وسائل مختلفة لإسقاط هذه الحكومة المنتخبة، وتشكيل حكومة عميلة لها، لكنها فشلت حتى الآن في تحقيق هذا الأمر، وستفشل في المستقبل أيضاً إذا تمكّن الشعب العراقي إن شاء الله من المحافظة على وعيه السياسي.

وحصل العكس أيضاً فيما يتعلق بإضعاف الجمهورية الإسلامية ومحاصرتها، إذ وبتوفيق من الله تعالى تمكّن الشعب الإيراني من ارتقاء سلّم التطور والتقدم درجة بعد أخرى، فنحن اليوم من ناحية المكانة السياسية أرقى مما كنّا عليه قبل أربع أو خمس سنوات عندما بدأت أمريكا بمشروعها الاستكباري، وكذلك نحن اليوم أكثر رقيّاً في المجال العلمي، وأكثر قدرة في مصادرنا المالية، كما أنّ شعبنا أصبح أكثر نشاطاً واستعداداً من الناحية المعنوية، وأكثر تمسّكاً بالقيم الإسلامية ومبادئ الإمام (قدس سره).

على مدى هذه السنوات الأربع أو الخمس كان الشعب الإيراني ـ وعلى عكس ما سعت إليه أمريكا ـ أكثر وعياً وحكمة ونشاطاً، حاضراً في كل الميادين التي تتطلب موقفاً ثابتاً منه.

إذاً، ما حصلت عليه أمريكا حتى الآن هو الهزيمة الكاملة لجميع أهدافها، إضافة إلى تدنّي مكانتها بين الشعوب الإسلامية، وأصبحت مدانة عند الرأي العام الإسلامي، حيث تشير جميع استطلاعات الرأي التي تجريها المؤسسات المختلفة في العالم الإسلامي الى تزايد الإدانة والكراهية لأمريكا بين الشعوب الإسلامية، وهذا الأمر يستحق التدبر والتأمل.

وإنّي أؤمن تماماً بأنه سيأتي اليوم الذي يُحاكَم فيه رئيس أمريكا الحالي والمسؤولين فيها في محكمة دولية عادلة عما ارتكبوه من جرائم وجنايات بحق الشعب العراقي؛ لأنهم لابد أن يحاسبوا على احتلالهم للعراق، وعلى الأوضاع الأمنية المتردّية والفوضى وتزايد العمليات الإرهابية التي خلّفوها في هذا البلد، ولابد أن يحاسبوا على سبب انتشار الفقر وكثرة البطالة بين أفراد الشعب العراقي رغم ما يمتلكه من ثروات عظيمة، ولماذا يعاني هذا الشعب من قلّة الخدمات، وعدم توفر أبسط مستلزمات الحياة البسيطة من الكهرباء والوقود وقلّة الماء الصالح للشرب، وتخريب المدارس والجامعات، وعدم تأهيل المستشفيات، فالناس بحاجة الى المستشفى، فماذا فعلت أمريكا؟

وأي مستشفى قامت ببنائها، أو قامت بتأهيلها وتجهيزها بالمعدات الطبية؟ وأي جامعة قامت بإنشائها؟ وأي طريق قامت بتعبيدها؟ وأي شبكة أنابيب قامت بمدّها؟ وأي مشروع لإيصال الماء الصالح للشرب قامت بإنجازه؟ إنها أسئلة يجب على أمريكا الإجابة عليها، إذ لا يمكنها التنصّل من مسؤولياتها في هذا المجال.

اليوم، ورغم اللامبالاة التي تتعامل بها أمريكا مع هذه القضايا، إلا أنّ هذا الأسلوب لن يستمر طويلاً، إذ سرعان ما سينقلب الأمر عليهم كما حدث مع الكثيرين قبلهم من الطغاة والساسة الكبار، كما انقلب الأمر على هتلر وعلى صدام وعلى بعض رؤساء أوروبا أيضاً؛ لأن معظم الشعوب ومنهم الشعب الأمريكي يعترض على هذا الأسلوب، فالشعب الإنجليزي كان يعارض وجود قوات بلادهم في العراق، حتى أجبروا حكومتهم على إخراج قوّاتها من البصرة، وهكذا الحال بالنسبة للشعب الإسباني والإيطالي إذ اسقطوا حكوماتهم التي ساندت أمريكا في حربها على العراق وانتخبوا حكومات جديدة في بلادهم.

فشعوب العالم تعارض هذا الأسلوب من التعامل، وستتحقق في النهاية إرادة هذه الشعوب وتنهزم أمامها قوة الدول والحكومات.

لقد فشلت أمريكا في تحقيق أهدافها في المنطقة؛ لأنها ما سعت إليه خلال السنوات القليلة الماضية هو السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وفي النهاية ـ حسب رأينا ـ إضعاف الجمهورية الإسلامية، لكنها فشلت في تحقيق أي من هذين الهدفين، إضافة الى مشاكلهم في العراق.

إنّ أمريكا تواجه اليوم مشاكل كثيرة، لكنها تحاول تشويه الحقائق من خلال وسائل الإعلام باتّهام إيران أو دولة أخرى بضعف قاعدتها الشعبية، لكنهم يكشفون في نفس هذه التقارير عن ضعفهم وانهزامهم وتخبّطهم الكامل، حتى الوفد السياسي والعسكري الذي أرسلته أمريكا الى العراق لم يقدّم في تقريره الى مجلس النواب الأمريكي أية نقاط إيجابية في العراق, سوى أنّ العراق قد انضمّ إلى قائمة مستوردي السلاح الأمريكي. فتعساً لكم، قمتم باحتلال هذا البلد، وحطّمتم شعبه، ودمرّتم مصالحه وثرواته, وخدعتم شعبكم إذ لم تفصحوا عن أهدافكم الحقيقية، والآن تتبجّحون ببيع السلاح الأمريكي في العراق.

إنّ هذا الأمر يُبيّن مدى الضعف والتخلّف والفشل الذي وصلت إليه أمريكا.

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء؛ أيها الشعب الإيراني العظيم، اُدركوا مكانتكم؛ واُدركوا طريق الحق والصراط المستقيم الذي تسيرون فيه, الذي أعزّكم وأذلّ أعداءكم؛ لأنه طريق الله، ودعوة الأنبياء، وطريق حاكمية الإسلام.

إنّ المجال لا يتّسع الآن لبحث الكثير من المسائل الداخلية التي تواجهنا في البلاد؛ لكن الشيء الوحيد الذي أودّ التطرّق إليه هو ضرورة المحافظة على الوعي واليقظة بين أفراد الشعب؛ لأن ما حققناه حتى الآن من منجزات ومكاسب عظيمة في مختلف الميادين، لم يحصل إلا في ظل هذا الوعي واليقظة التي يتمتع بها شعبنا العظيم، والتي ستمكّننا في المستقبل من فتح قمم الرقي والتقدم، وتحصين أنفسنا من المؤامرات التي تسعى لإلحاق الأذى بنا.

أوصيكم بالسعي لمنع كل من يتجّرأ على تهديد شعبنا العظيم.

إنّ الجمعة الأخيرة من هذا الشهر، تصادف يوم القدس العالمي والذي يحتمل أنْ يُقدّم هذه السنة أسبوعاً واحداً, حتى تتمكن جميع الشعوب الإسلامية المشاركة فيه، وهذا الأمر يعود الى المسؤولين على تنظيم هذا اليوم، لذا أوصيكم بالاهتمام بهذا اليوم والمشاركة فيه.

أسأل الله تعالى، أن يوفقنا جميعاً للإستفادة القصوى من الفرص المعنوية في هذا الشهر المبارك.

بسم الله الرحمن الرحيم{إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
 

14-02-2017 عدد القراءات 837



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا