12 آب 2020 م الموافق لـ 22 ذو الحجة1441 هـ
En FR

 

القائد الخامنئي :: 2009

كلمة الإمام الخامنئيّ في أعضاء مجلس الخبراء



كلمة الإمام الخامنئيّ في أعضاء مجلس الخبراء 24-09-2009 الموافق لـ2-7-1388

بسم الله الرحمن الرحيم

أرحّب بكم كثيرًا أيّها السادة المحترمون والأخوة الأعزّاء النخبة والعلماء الخبراء والمتّقون من هذا الشعب. وأشكركم شكرًا جزيلًا على جهودكم خلال هذين اليومين والاجتماع المفيد الذي عقدتموه، وكذلك على الكلمة التي ألقاها رئيس مجلس الخبراء المحترم، والتقرير المفصّل والمفيد والكامل الذي عرضه سماحة السيد شاهرودي.

تعزية بأحد علماء كردستان
أوّلًا، أرى لزامًا عليَّ أن أبارك وأعزّي الأهالي الكرد والأخوة أهل السُنّة برحيل هذا العالم الشهيد الذي كان خسارةً حقيقيّةً لكردستان ولنا أيضًا. وأبارك وأعزّي أيضًا كلّ محبّي رفعة البلاد ووحدتها. فأولئك، هم هذا نموذج من الجرائم التي تمتدّ رؤوس خيوطها دون شك إلى خارج الحدود وإلى الأجهزة التجسّسية المعشعشة في العراق المحتل وفي كردستان العراق. بلا شك منفّذو ومسبّبو هذه الجرائم، وهم المخطّطون لهذه الجرائم. كانت هذه خسارة بالنسبة لنا طبعًا. لكن ما من شكٍّ في أنّ هدف العدو من قتل الماموستا الملا محمد شيخ الإسلام لن يتحقّق. لم يستطع الإرهاب ولن يستطيع توجيه ضربةٍ للثورة، بل على العكس، أينما أُريق ظلمًا دمٌ على الأرض ارتفعت هذه الراية الدامية من قبل عدد أكبر من الناس. وسيكون الوضع كذلك هنا أيضًا. لا مراء أنّ طلبة العلوم الدينيّة الشباب من أهل السنّة وعلماء أهل السنّة والأهالي الكرد -في محافظة كردستان وغيرها- سيواصلون طريق هذا الشهيد بشوق وحرارة أكبر.

كل من ينادي بالوحدة مستهدف من أعداء النظام
لقد اطّلعت على دور أخينا الصالح هذا في كردستان عن بعد، واطّلعت عليه أيضًا عن كثب حين زرت المحافظة وشاهدته. لقد كان من العاملين للوحدة، ومن الناشطين في نشر أفكار الثورة الإسلاميّة، وكان مؤمنًا بأسس النظام ويتحلّى بمنتهى الصدق والجد. وسوف تنمو وتنتشر هذه الروح بلا شك بين محبّيه وبين طلبة العلوم الدينيّة الشباب في كردستان. ليعلم العدوّ أنّ هذا العنف وهذه الجريمة لن تجدي نفعًا ولن تضمن له بلوغ أهدافه. وليعلم الجميع أنّ العدوّ لا يعرف في عدائه شيعةً وسنّةً وكردًا وفرسًا وتركًا وبلوشًا وغير ذلك. كلّ من ينادي بالوحدة وكلّ من يلتزم بأسس النظام وأركانه هو مورد لبغضاء العدوّ وعدائه؛ أيًّا كان ومهما كان، ومن أيّ مذهبٍ أو قوميّة كان.

مجلس خبراء غير مسيّس وغير فئوي
النقطة الثانية التي أودُّ طرحها، هي أنّ الميزة الفذّة لمجلس خبراء القيادة أنّه مجلس يطرح الهموم الوطنيّة العامة بما يتّصل بالإسلام والثورة. لا سبيل في هذا المجلس - ولعلّ هذه الخصوصيّة لا نظير لها فيه - إلى الفئويّات السياسيّة، وألاعيب الخطوط والتيّارات. هكذا كان الوضع لحدّ الآن، وسيبقى كذلك بعد الآن أيضًا بحول الله وقوّته. وهذا هو مردّ رزانة هذا المجلس وأهمّيته وقيمته في أعين الشعب. ولذلك ترون أنّ معاداة الأعداء لهذا المجلس شديدة وواسعة، وهي تَظهر في كلّ فترة من الزمن بشكلٍ من الأشكال. هذا أساس ثقة الشعب، أن يشعر أنّ هذه الجماعة المنتخبة من قبلهم في هذا المجلس -وجميعهم من الشخصيّات العلمائيّة المعروفة بحملها لعلوم الدين -تفكّر بالقضايا الأساسيّة للإسلام والمسلمين والمجتمع الإيرانيّ والشؤون الرئيسيّة للبلاد. ولا سبيل للقضايا الشخصيّة والفئويّة في قراراتهم وتصريحاتهم. هذا شيء على جانبٍ كبير من الأهميّة. وإنّ ساحة العمل، بالنسبة لهذا المجلس هي ساحة دفاعٍ عن المبادئ ودفاعٍ عن القيم، وقد تختلف الأذواق والتعبيرات، بيد أنّ حقيقة القضيّة هي هذه، ويجب أن تستمر إن شاء الله بكلّ جدٍّ وقوّة.

نظام الجمهورية الإسلامية والأعداء
أ ــ معارضة النظام ليست بالشيء الجديد

النقطة اللاحقة التي نذكرها للإخوة المحترَمين هي أنّ لمعارضة النظام في هذه الثورة سابقة تعود إلى ثلاثين سنة، فهي ليست بالشيء الجديد. وقد تلبّست المعارضة بأشكالٍ متنوّعة، لكنّها كانت موجودة دومًا، وقد تأرجحت شدّتها وضعفها بما يتناسب ووضعنا في الداخل. أينما شعروا ومتى ما شعروا أنّه يمكنهم الحضور والعمل بصورةٍ أقوى وأكثر تأثيرًا وجّهوا ضربتهم التي استطاعوا توجيهها حسب ما يتوهّمون. وقد وقفت الثورة طوال هذه الأعوام

ب ــ الإنتصار على المعارضات والأعداء كان حليفنا دوما
الثلاثين مقابل ضرباتهم، ولم تضعف أبدًا، وليس هذا وحسب بل لقد ازداد البلد ونظام الجمهوريّة الإسلاميّة قوّةً يومًا بعد يوم والحمد لله.

ولكن ثمّة نقطة هنا هي: إنّنا في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة كلّما استطعنا تعميق جذورنا والتقدّم إلى الأمام وتثبيت أعمالنا وتعقيدها، كلّما تعقّدت مؤامرات الأعداء أكثر. ينبغي التنبّه لهذه النقطة. صحيح أنّنا نحمل تجربة الانتصار على التحديّات المفروضة؛ لا في حالةٍ واحدة أو حالتين: بل على مدى هذه الأعوام الثلاثين كانت تجربة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة تجربة الانتصار على التحديّات والمعارضات والعداء، ولكن يجب التنبّه وكما أشاروا إلى أنّ العدو يقِظ، و "من نام لم يُنَم عنه"1. فالأنباء التي تصلنا عن المراكز السياسيّة والأمنيّة الحسّاسة في العالم، تشير إلى أنّ هناك أجهزة عملاقة وواسعة وذات ميزانيّات عالية تعمل دومًا ضدّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة بدوافع مذكورة ومعروفة بالنسبة لنا ولكم. إنّهم يعملون ويطلقون في كلّ يوم مشروعًا ويرتّبون كلّ يوم ساحة واصطفافًا جديدًا مقابل الجمهوريّة الإسلاميّة. وسوف يستمر هذا المسلسل إلى أن ييأسوا وذلك حينما يصل نظام الجمهوريّة الإسلاميّة إلى نصاب [مستوى] محدّد في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والعلميّة والأخلاقيّة. ما لم تصل الجمهوريّة الإسلاميّة إلى هذا النصاب في المستويات المحدّدة فسوف يواصلون عداءهم ومؤامراتهم، وإذا وصلنا إلى هذه الحدود فسيقع العدوّ في اليأس طبعًا وسيرضخ إلى الواقع بشكلٍ كامل.

ج ــ الحرب الناعمة لا تقل خطرا عن الحرب العسكرية
على كلّ حال مؤامرة العدوّ اليوم مؤامرة معقّدة. يجب علينا معرفة جوانب هذه المؤامرة بوضوح وتعريفها للآخرين. هذا هو واجبنا. إنّ الحرب العسكرية ضدّنا ليست محتمَلة كثيرًا. لا نقول إنّها منتفية بالمرّة، لكنّ احتمالها ليس كبيرًا. بيد أنّ الحرب القائمة إن لم يكن خطرها أكثر فهو ليس بأقل. وإذا لم تكن تتطلب احتياطًا أكثر فالاحتياط الذي تتطلّبه ليس بأقل. في الحرب العسكريّة يتقدّم العدو نحو خنادقنا الحدوديّة ويحاول تدميرها ليستطيع التوغّل داخل الحدود. أمّا في الحرب النفسيّة وما يُسمّى اليوم في العالم بالحرب الناعمة يتقدّم العدو نحو الخنادق المعنويّة ليدمّرها. يتقّدم نحو الإيمان، والمعرفة، والعزيمة، والأسس، والأركان الأساسيّة للنظام والبلاد. يتقدّم العدوّ نحو هذه العناصر ليدمّرها ويبدّل نقاط القوّة في إعلامه إلى نقاط ضعف، ويحوّل فرص النظام إلى تهديدات. كذلك الأعمال التي يقومون بها، ولديهم تجاربهم في هذا المجال، ويبذلون الكثير من الجهود، ويمتلكون الكثير من الأدوات اللازمة. علينا معرفة أبعاد العدوّ وأبعاد عدائه لكي نستطيع التغلّب عليه. طبعًا لدينا الإمداد الإلهي والعون الغيبي بلا شك. هذا ما يشاهده الإنسان، لكن إذا لم نتواجد في الساحة بيقظة ووعي وما لم نستخدم التدبير اللّازم فلن يشملنا العون الإلهيّ.

خطوط العداء غير مخفيّة
أعداؤنا: أعداء الثورة وأعداء نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، يسيرون ويتابعون عدّة خطوط واضحة في إعلامهم وفي الأعمال التي يقومون بها. إنّها ليست بالخطوط الخفيّة السريّة؛ علينا تجميع هذه الخطوط في أذهاننا والتركيز عليها وعدم نسيانها:

1. النيل من مؤشرات الأمل
أحد هذه الخطوط هو النيل من مؤشّرات الأمل وثلمها، ومن ذلك ما حدث في الانتخابات الأخيرة. فقد كانت المشاركة الشعبيّة البالغة نسبتها 85 بالمئة شيئًا يبعث على الأمل وظاهرة مهمّةً للغاية، وكما قلنا فأن يحضر الناس بعد مضيّ ثلاثين سنة على الثورة ويمنحوا النظام المنبثق عن الثورة مثل هذا الحجم من الأصوات فلا معنى لهذا سوى الثقة بهذا النظام والتعلّق به وحبّه. وهذا ما حصل. أو يفوز رئيس الجمهوريّة بهذه الأصوات العالية: فهذا شيء لا سابقة له. هذا شيء حصل في البلاد وكان يمثّل نقطة قوّة مهمّة جدًّا. حاولوا تبديل نقطة القوّة هذه إلى نقطة ضعف. وتحويل رصيد الأمل هذا إلى رصيد شك ويأس؛ إنّه عمل عدوانيّ خصاميّ.

إنّ أرصدة الأمل في البلاد كثيرة؛ والبنى التحتيّة فيها اليوم بنى تحتيّة متينة جدًّا. أنجزت العديد من الأعمال والمشاريع طوال هذه الأعوام، والبلد اليوم مستعدّ لقفزةٍ واسعة نحو الأمام. وإنّ حالات التقدّم العلميّ في البلاد خلال الوقت الراهن ملحوظة ومثيرة للإعجاب حقًا. حتّى إنّ الآخرين -علماء البلدان الأخرى ومن ليست لديهم أغراض سياسيّة- يعترفون بذلك وقد شاهدنا ليلة أمس نموذجًا لذلك في التلفزيون، ففي مسألة الخلايا الجذعيّة اعترفوا أنّهم لم يكونوا ليصدّقوا كلّ هذا التقدّم الحاصل في إيران. يقول أحدهم: شاركت العام الماضي في هذا المؤتمر العلمي وشاركت هذا العام أيضًا ولاحظت فارقًا كبيرًا بين هذه السنة والسنة الماضية. [نعم] حصل تقدّمٌ كبير. هذا أحد النماذج. ولدينا العشرات منها وهي كلّها أمثلة ودلائل على التقدّم العلمي وأرصدة أمل وبواعث تفاؤل. إنّ تجربة الأعوام الثلاثين نفسها -لدينا تجربة ثلاثين سنة ترفدنا- والجيل الشاب المتوثّب والمتعلّم في وسط الساحة؛ هذه كلّها بواعث أمل ونقاط قوة. [أي] الجيل الشاب الذي يكون متعلّمًا وله ثقته بنفسه ويشعر أنّه يستطيع التقدّم ببلاده. لدينا "ميثاق أفق عشرينيّ" يحدّد إلى عام 1404 [2025] خطوطنا فيما يرتبط بتقدّم البلاد والإنجازات الماديّة، وهو شيءٌ مهمّ جدًا. أوضحنا إلى أين يجب أن نصل وما هي الطرق التي يجب أن نسلكها. هذه عوامل أمل ونقاط قوّة، يريدون تبديلها إلى أسباب يأس. إذا جرى الحديث عن ميثاق الأفق يقولون: يا سيّدي لم يحصل اهتمام بهذا الميثاق. وإذا جرى الكلام عن التقدّم العلميّ يقولون إنّ هذه الأمور ليست ذات أهميّة كبيرة. ويجري الحديث عن الانتخابات فيطرحون هذه الشبهات والتشكيكات. يدور النقاش حول الشباب فيذكرون مخالفات عدد من الشباب هنا وهناك! أي إنّهم يحاولون الحطّ من قدر كل هذه النقاط الإيجابيّة والقمم المميّزة الباعثة كلّها على الأمل. وفي المقابل يضخّمون نقاط ضعف صغيرة موجودة طبعًا، أو لنقل إنّهم يضخّمون نقاط الضعف- ولا نقول إنّها صغيرة، بل هي نقاط ضعفٍ موجود- يضخّمونها أضعاف ما هي في حقيقتها ويجعلون الأجواء سوداويّة وينشرون التصوّرات المتشائمة عن النظام. وأنتم ترون طبعًا. يريدون بث هذا اليأس في المجتمع بالقوّة. حينما يتفشّى اليأس في المجتمع سيسقط عن الحيويّة، وسوف يعتزل المبدعون والنخبة والشباب النشيط ولا يستطيعون العمل، وسوف تقلّ حالات المشاركة والحضور والتواجد، وتزول حيويّة المجتمع. هذا أحد خطوط عمل العدو. الإيحاء بالطريق المسدود دون انقطاع. لو اطّلعتم على إعلام هذه الإذاعات - والقضيّة اليوم لم تعد قضيّة إذاعات. وذات يوم كنّا نقول عشرات الإذاعات؛ أمّا اليوم المسألة مسألة آلاف الإذاعات والتلفزيونات ووسائل الاتّصال عبر شبكة الإنترنت - لوجدتم أنّها توحي دومًا ومن مراكز معيّنة بوجود طرقٍ مسدودة وأزماتٍ ووضعٍ حالك. يعملون بكلّ ما أُوتوا من قوّة وبأقصی ما يستطيعون استقطابه من المستمعين ومن يصدّقون كلامهم؛ يعلمون في هذا المضمار. هذا أحد خطوط عمل العدو.

2. التفرقة والشقاق
ومن خطوط العمل الرئيسة للعدو قضية التفرقة والشقاق التي شدّدتم عليها، أيها السادة بحقّ، وذكروها [الخبراء] في التقرير، وجرى الاهتمام بقضيّة الاتحاد في البيان الختامي لاجتماع الخبراء. إنّها مسألة على جانبٍ كبير من الأهمية. قضية اتحاد الشعب والعمل الذي يجري حاليًا لبثّ الفرقة قضيّة مهمّة جدًا. إنّنا نرى مؤشّرات الوحدة العامة بين الشعب. لقد شاهدتم صلوات الجمعة في شهر رمضان؛ وشاهدتم يوم القدس، وصلوات عيد الفطر؛ أيّة عظمة. حين ينظر الإنسان - لا في طهران وحسب، بل في مشهد، وأصفهان، وكرمان، وتبريز، وفي مختلف المناطق - يجد أنّ المشاهد لا نظير لها. ربّما لم يكن هناك طوال تاريخ الإسلام صلاة عيد فطر بهذه العظمة والجلال العجيب وفي مختلف مناطق البلاد وليس في مدينة معيّنة. نحن اليوم لدينا هذه الميّزات. هذه كلّها مؤشّرات وحدة وتعاطف بين أبناء الشعب؛ مؤشّرات وجود محور مشترك يتّفق جميع أبناء الشعب على الميل إليه والانتماء له رغم اختلافاتهم الجزئيّة والفرعيّة. قلوبهم تهفو إلى ذلك المركز؛ وذلك المركز هو الدين والأصول الإسلاميّة والقيم السامية؛ إنّه دين الله. هذا شيء على جانبٍ كبير من الأهميّة. يجب على الجميع أن يحنوا هاماتهم لهذه الوحدة حين يرونها. وترون أنّه يحصل أحيانًا العكس للأسف، فيتحدّث البعض عن التفرقة انطلاقًا من الجهل والغفلة؛ هذه أمور تحمل على الغفلة حقًا أكثر ممّا تحمل على أمور أخرى. هذه مسألة مهمّة. مسألة إيجاد الوحدة المذهبيّة والقوميّة، والوحدة بين المشارب والسلائق السياسيّة، مسألة مهمّة ينبغي بذل الجهود لها. من خطوط العدو إيجاد التفرقة: يريد إشعال نار الخلافات والفرقة مهما استطاع، وأينما استطاع، وعلى أيّ مستوى استطاع. وعلى المستويات المختلفة من مسؤولين وغير مسؤولين. وبين جميع أبناء الشعب، وبين مجاميع علماء الدين أنفسهم. وبين الفئات الجامعيّة، وبين التجمّعات والجمعيّات والتكتّلات الاجتماعيّة وبين المذاهب المتعدّدة. وأنتم تلاحظون نماذجَ عديدة لذلك في المجتمع؛ إنّها قضيّة مشهودة على مستوى المجتمع. خط العدو هو خطّ زرع الفرقة؛ هذه أيضًا مسألة من المسائل.

3. إغفال عداء الأعداء لدى الجماهير
المسألة الرابعة - وتتمثّل في خط آخر نعتقد أنّ العدو يستثمر به ويعمل وفقه- هي صرف أذهان الجماهير عن عداء الأعداء. إنّنا لا ننكر إطلاقًا وجود تقصيرات شخصيّة وجماعيّة داخليّة فيما يتّصل بالنواقص المتعدّدة والمشاكل الكثيرة التي تعترض طريق المجتمع والأفراد؛ هذا ممّا لا شك فيه إطلاقًا؛ ولا ينكره أحد "ما أصابك من حسنةٍ فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك"؛ هذا شيءٌ معروف. وإذا وجّه لنا العدو ضربة وكانت قاصمة ومؤثّرة فهي أيضًا "من نفسك". لا شكّ في هذا. ففي معركة "أُحد" حينما هجم العدو ووجّه ضربته كان المسلمون في الحقيقة قد تلقّوا الضربة من أنفسهم؛ هذا ممّا لا نقاش فيه. لكن المسألة هي أنّ الإنسان إذا أراد أن لا يتلقّى ضربة، فعليه أن يرى دور العدو. من لوازم التنبّه والتفطّن من أجل توقّع ضربات الأعداء هي رؤية الأعداء الذين يرومون توجيه الضربة. يجب أن لا ينجحوا في إغفالنا عن هذه المسألة. إنّ خط إغفال الناس وخصوصًا النخبة والخواص منهم عن تأثير العدو هو من الخطوط الإعلاميّة والإيحائيّة للعدو. ولديهم طبعًا طرق وأساليب متعدّدة لذلك. ما إن يقول شخص: "العدو"، حتّى يقولوا: لِمَ تلقي كلّ اللوم على الأعداء؟ لأنّ العدو موجود، لماذا لا نرى العدو؟ لماذا لا نرى الفرحة الكبيرة التي تصيب العدو بسبب اختلافاتنا هنا وبسبب الأحداث المختلفة والاضطرابات التي أعقبت الانتخابات؟ إنّهم يشجّعون العناصر المؤثّرة. هناك يَذكر رئيس جمهوريّة بلد كبير أسماء بعض الأشخاص! فهل هذا سوى تكريس للعداء؟ يذكر أسماء معارضي النظام ويثني عليهم. ويذكر فلانًا ويقول إنّنا ذهلنا لشجاعته. لماذا؟ لأنّه قال كلمةً أعجبتهم. يجب رؤية هذه الأمور والتنبّه إليها، وينبغي عدم الغفلة عن عداء الأعداء.

من غير المقبول أن نتحول إلى قطع صماء في بازل العدو
طبعًا، ليس عداء الأعداء خلاف المتوقّع، إنّما غفلتنا هي خلاف المتوقّع. تعلن الحكومة البريطانيّة ذات السجلّ الأسود الممتدّ لمئتَي سنة من تواجدها في بلادنا وعلاقتها ببلادنا ــ حقًّا أنّنا لا نجد محطّةً أو فترةً يمكن القول عنها إنّ الحكومة البريطانيّة اتّخذت فيها خطوة بسيطة لصالح الشعب الإيراني. فكلّ ما قامت به كان إلحاق الضرر بنا ولم تفعل لنا سوى توجيه الضربات والخسائر الكبرى - تعلن "أنّنا نناصر الشعب الإيراني"! وكذلك الحكومة الأمريكية تعلن "أنّها تناصر الشعب الإيرانيّ"! أي إنّنا على علاقة سيّئة بنظام الجمهوريّة الإسلاميّة لكنّنا نحبّ الشعب. لكنّ الشعبَ جزءٌ من هذا النظام، وهذا النظام غير منفصل عن الشعب. هذه حيل الأعداء التي يتعيّن معرفتها وفهمها. من الطبيعي أن يمارس العدو عداءه، لكن من غير المقبول أن لا نفهم عداءه ونغفل عنه. سنجد أنفسنا فجأة داخل جدول العدو وداخل لعبة الپازل، يرصفون قطعًا إلى جانب بعضها ليكوّنوا منها شكلًا معيّنًا. وإذا بنا نشكّل إحدى هذه القطع؛ هذا شيء سلبي جدًّا. يتوجّب أن نبذل كلّ جهودنا لكيلا نؤمِّن القطع والأشياء التي يريدها؛ مثل جدول الكلمات المتقاطعة الذي يضعون فيه حروفًا إلى بعضها بعضًا فتتكوّن منها كلمة معيّنة. لقد أعدَّ العدوّ مثل هذا الجدول ليستخرج منه كلمات معيّنة: ثم نأتي ونساعده في استخراج بعض هذه الكلمات؟! ينبغي الحذر من هذا الشيء. هنا موضع النقاش. يجب أن لا نكمِّل جدول العدو؛ ينبغي أن لا نكمِّل بازل العدو. لنرى ماذا يفعل العدو، وماذا يريد أن يفعل. يجب أن نلاحظ أهدافه ومكان حضوره الواضح.

إنّ سلاح الإعلام، اليوم هو من أكثر الأسلحة الدوليّة تأثيرًا ضدّ الأعداء والمعارضين؛ سلاح الاتّصالات الإعلاميّة1. هذا هو أمضى الأسلحة اليوم، وهو أسوء وأخطر حتّى من القنبلة الذريّة. ألم تشاهدوا سلاح العدو هذا في اضطرابات ما بعد الانتخابات؟ كان العدوّ يتابع بسلاحه هذا، قضايانا لحظةً بلحظة، وكان يوجّه به من هم أصحاب المشاغبة والشيطنة؛ {وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} .هم يوحون لأوليائهم وأنصارهم دومًا. إنّه حضور العدوّ على كلّ حال. هل يمكن افتراض حضور العدو بأوضح وأجلى من هذا؟

بالبصيرة والإرادة نواجه خطوط الأعداء
ينبغي التحلّي بالبصيرة. ما يتوقّعه المرء من النخب في المجتمع ومن التيّارات والفئات السياسيّة هو أن يتعاملوا مع هذه الأحداث ومع خطوط العدو ببصيرة؛ ببصيرة. إذا كانت هناك بصيرة وكانت ثمّة إرادة للمواجهة فقد تتغيّر الكثير من سلوكيّاتنا؛ وعندئذٍ يصبح الحال أفضل، بعض الأعمال وليدة عدم التحلّي بالبصيرة.

علينا أن نحسب هذه المحاور التي ذكرت -خطوط الأعداء هذه - في أعمالنا وفي تصريحاتنا، ويجب إدراجها في حساباتنا. فلو أردنا التصريح بشيء ينبغي أن لا ننسى هذه الخطوط التي يتحرك فيها العدو: وإذا أردنا القيام بشيء أو خطوة، يجب أخذ تلك الحقائق بعين الاعتبار، لنرى هل سنساعد العدو أم لا؛ هذا باعتقادي شيءٌ مهم.

الإسلام والشعب نسيج الجمهوريّة الإسلاميّة
النقطة الرابعة هي أنّ الثورة الإسلاميّة -التي انبثقت الجمهوريّة الإسلاميّة عنها- وحدة واحدة لها بعدان: الإسلاميّة والشعبيّة. إنّها إسلاميّة وشعبيّة في آنٍ واحد. وهي شعبيّة لأنّها إسلاميّة. ولأنّ الإسلام دينُ المجتمع. الدين مسؤوليّة شاملة للجميع [جماعيّة]. ليس الإسلام دين الأفراد واحدًا واحدًا من حيث هم أفراد منفصلين. هو طبعًا دين الفرد أيضًا بما هو فرد، بيد أنّ الأفراد بما هم مجتمعٌ مخاطبون أيضًا بخطاب الإسلام. الإسلام دينٌ شعبيٌّ جماعي. إنّه دين المسؤوليّة العامة. إذن، "الشعبيّة" تنبثق عن "الإسلاميّة" نفسها. وهي أيضًا إسلاميّة، فالله تعالى مَنَّ: {بل الله يمنُّ عليكم أن هداكم للإيمان}؛ مَنَّ الله علينا وهدانا للإيمان. لقد منَّ الخالق على شعبنا وعلينا، إذ هدانا لهذا الدين. لذا فإنّ جمهورنا يريد الإسلام، وهذا الدين الإلهيّ منحه الله تعالى لنا وله الحمد على ذلك. إذن، فهي "جمهوريّة إسلاميّة"؛ إنّها منظومة وهي مجموعة. أو لنقل "وحدة" واحدة لها أبعاد يجب أخذها بعين الاعتبار مع بعضها إلى جانب بعض. ينبغي حفظ هذا النسيج المحبوك. وإنّ تضعيف أي جانب من هذه الجوانب والمسّ به سيعود بالضرر على مجمل المنظومة.

الولاية التزام بالإسلام والشعب معا
وقضيّة الولاية تمثّل التزامًا بهذه المنظومة؛ سواء كانت ولاية المعصومين (عليهم السلام) أو ولاية الفقيه التي هي تتمّة ( إمتداد) لولاية المعصومين. القضيّة قضيّة التزامٍ بهذه المنظومة ومراعاتها وحفظها في البلاد وفي النظام لئلّا يحدث فيها انحراف أو مشكلة أو نقص أو تمييز. ولكي تواصل مسيرتها بهذه الجامعيّة وتتقدّم إلى الأمام. وإنّ الإسلام الأصيل المذكور في كلمات الإمام يتعلّق بهذا الجانب. فقد ذكر الإمام الإسلام الأصيل مقابل الإسلام الأمريكي. ليس الإسلام الأمريكي ما ترضاه أمريكا فقط. كلّ شيءٍ خارج نطاق هذا الإسلام الأصيل: الإسلام الملكيّ أيضًا [إسلام أمريكي]، والإسلام الانتقائي [الالتقاطي] أيضًا [إسلام أمريكي]، الإسلام الرأسمالي كذلك [إسلام أمريكي]؛ والإسلام الاشتراكي أيضًا كذلك. أنواع الإسلام التي تُعرض بأشكال وألوان مختلفة ولا تتوفّر فيها تلك العناصر الرئيسيّة كلّها على الضدّ من الإسلام الأصيل. وهي في الحقيقة إسلام أمريكي. يلاحظ الإنسان في هذه المعارضات التي شُنَّت ضد النظام [الإسلاميّ] طوال الثلاثين عامًا الماضية حضور ونشاط هذه الأنواع من الإسلام. فقد كان هناك الإسلام الانتقائي، وكان هناك الإسلام الملكي، وكذلك الإسلام الاشتراكي، ومختلف أنواع الإسلام في مواجهة نظام الجمهوريّة الإسلاميّة. حسنًا، في هذه النظرة للإسلام وفي هذا الفهم والوعي للإسلام، يؤخذ الفرد والمجتمع كلاهما بعين الاعتبار، وتؤخذ المعنويّة والعدالة إلى جانب بعضهما، والشريعة والعقلانيّة الواحدة مع الأخرى، والعاطفة والحسم إلى جوار بعضهما بعضًا. هذه العناصر كلّها يجب أن تتوفّر. الحسم في موضعه والعواطف في موقعها، والشريعة في مكانها. والعقلانيّة - وهي طبعًا ليست خارج نطاق الشريعة - في موضعها؛ كلّها يجب أن [تُستثمر و] تحضر بعضها إلى جانب بعض. يفضي الانحراف عن هذه المنظومة المتينة إلى الانحراف عن النظام الإسلاميّ.

الخشية من أحكام الناس يفقد التفكير الديني أصالته
النقطة الأخرى هي أنّنا لا نحتاج إلى الشجاعة في العمل فقط بل نحتاج إليها في الفهم أيضًا. ثمّة حاجة للشجاعة في الفهم الفقهي. إذا افتُقدَت الشجاعة فسيقع الخلل حتى في الفهم؛ وفي الوعي الواضح للكبريات والصغريات. أحيانًا يفهم الإنسان الكبريات بصورة صحيحة لكنّه يخطئ في الصغريات. هذا الوعي الصحيح لمباني الدين وللموضوعات الدينيّة وللموضوعات الخارجيّة المطابقة للمفاهيم الكليّة والعامة - أي الكبريات والصغريات - يحتاج لأن نكون شجعانًا ولا نخاف. وإلّا فالخوف على أموالنا، وعلى أرواحنا، وعلى سمعتنا، والانفعال أمام الأعداء، والخوف من الأجواء ومن المحيط [سيكون حاضرًا]. إذا قلنا كذا فسوف يتكتّلون ضدّنا، وإذا قلنا كذا فسوف يصموننا بالوصمة الفلانيّة، هذه المخاوف تزعزع فهم الإنسان وتصيبه بالخلل. أحيانًا لا يفهم الإنسان شكل القضيّة بصورةٍ صحيحة ويعجز عن معالجتها بسبب هذه المخاوف والملاحظات. وبذلك يقع في الخطأ. من هنا كان شعار "ولا يخشون أحدًا إلّا الله" مهمًّا جدًا. في هذه الآية الشريفة {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفى بالله حسيبًا}، يتّضح أنّ شرط البلاغ والإبلاغ والتبليغ هو عدم الخوف والخشية. {ولا يخشون أحدًا إلا الله}. قد تقول: يا سيدي، لو فعلت هذا فقد تنطلي عليَّ لعبةٌ في العالم. طيّب؛ {وكفى بالله حسيبًا}: اتركوا الحسابات على الله ودعوه هو تعالى يحسب لكم. إذا جعلنا خوف أحكام الناس وأقوالهم محلّ الخوف من الله فسوف نتعرض لمشاكل، لأنّ الخوف من الله تعالى هو التقوى، وإذا نبذناه جانبًا وأحللنا محلّه الخوف من النّاس عندئذٍ لن يحصل الفرقان الذي تحدّث الله تعالى عنه: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانًا} هذا الفرقان ناتج عن التقوى. من ثمرات التقوى تجلّي الحقيقة للإنسان. وأعتقد أنّ هذه المسألة على جانبٍ كبير من الأهميّة. مسألة الخشية على المال والأرواح والخوف من كلام الناس والخوف على السمعة والخوف من الهمس والأقاويل والتهم وما إلى ذلك. هذه القضية مهمّة إلى درجة أنّ الله تعالى يخاطب رسوله ويحذّره: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقّ أن تخشاه}. يجب عدم الاهتمام لكلام الناس والتهم التي سيطلقونها وما سيفعلونه. {والله أحقّ أن تخشاه}.

شجاعة الإمام الخميني حققت له فتوحاته المتنوعة
أعتقد أنّ من الأمور التي هُّيّئت للإمام الجليل ما حقّقه من فتوحات متنوّعة هو شجاعته: شجاعته هي التي حقّقت له فتوحاته العلميّة والمعنويّة والسياسيّة والاجتماعيّة وشدّت إليه قلوب الناس وكان ذلك شيئًا عجيبًا حقًا. وقد تمثّلت شجاعته في أنّه لم يكن يخاف من شيء. يرغب أهل الفتنة طبعًا في دسِّ خشيتهم وخوفهم في قلوب النخبة والخواص بدل خشية الله؛ أي إنّهم يرغبون في أن يخافهم الناس: {الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} إنّهم يقولون لنا دومًا {إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} والجواب على ذلك: {فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} وستكون نتيجة ذلك: {فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء} وإنّ نتيجة هذا الشعور، وهذا الوعي، وهذه الحقيقة الروحية والمعنوية: {فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء} إذن، يتوجّب التحلّي بهذه الشجاعة.

يد القدرة الإلهية ردت كيد أعدائنا إلى نحورهم
يمارس الأعداء شتّى صنوف الأعمال وأشكالها؛ يعملون على مختلف الأصعدة والمستويات. وأظنّ أنّ المستهدف الرئيس اليوم بمؤامرات الأعداء هم الخواص. الخواص هم المستهدفون راهنًا من قبل الأعداء. يجتمع الأعداء ويخطّطون لتغيير أذهان الخواص من أجل أن يستطيعوا جرَّ الجماهير للاتّجاه الذي يريدون، فالخواص لهم تأثيرهم، وكلمتهم لها نفوذها في عامة الناس. أخال أنّ من الواجبات الرئيسيّة التي تقع حاليًّا على عواتقنا نحن وإيّاكم هي أن نعزّز بصيرتنا بخصوص القضايا المختلفة ونتمكّن إن شاء الله من مضاعفة بصيرة مخاطبينا ومستمعينا.

إنّ الثورة الإسلاميّة قويّة الجذور جدًّا وأركانها متينة للغايةً، والله تعالى سندنا وعمادنا. وكما رويتُ مرارًا عن الإمام الراحل (رضوان الله عليه) حيث قال لي: لقد رأيتُ منذ بداية دخولي في هذه القضيّة وشعرتُ أنّ يد القدرة هي التي تدبّر الأمور. وهذه هي الحقيقة. هذا ما قاله هو لي. يرى الإنسان يد القدرة الإلهيّة هذه؛ طبعًا يد القدرة الإلهيّة ليست لها قرابة أو صلة رحم بنا: "من كان لله كان الله له"، {إن تنصروا الله ينصركم}، {ولينصرنّ الله من ينصره}. يجب أن نكون في خدمة هذا الدرب بإخلاص، ونأتي بما عندنا إلى الساحة ونقدّمه في هذا السبيل. علينا تقديم مساعينا وأعمالنا في هذا السبيل، وسوف يمنّ الله تعالى بفضله ولطفه. وقد حصل هذا اليوم حيث تفضّل الله تعالى وأعاد كيد الأعداء إلى نحورهم. عادت سهامهم إلى نحورهم ولم يجنوا شيئًا من المؤامرة التي دبّروها.

لا شكّ أنّ اضطرابات ما بعد الثورة مدبَّرة في نظر الخبراء والواعين. هذا ما يستنبطه المرء حينما يتحاور مع أي من أصحاب الفهم والوعي بقضايا البلاد والقضايا العالميّة. قلتُ له2 هذا قبل أمس: قلتُ له إنّ هذه الأمور مدبَّرة، فقال: بلا شكّ. أي إنّ الجميع يفهمون ذلك ويدركون أنّ هذه الأمور مدبّرة، وليست فجائيّة لنقول أنّها حصلت من تلقاء نفسها. كأن يقوم شخص ويتحدّث بشيءٍ دون مقدّمات. لا، إنّما كان هذا الأمر مدروسًا ومدبّرًا وموجّهًا من مركزٍ معين. لكنّهم أخفقوا على كلّ حال، وسوف يستمرّ إخفاقهم هذا إن شاء الله، لكنّهم يواصلون التآمر.

الاعتزال ظهير الفتنة
وأشير إلى نقطةٍ أخرى هي أنّ بعضهم يُسيئ فهم هذه العبارة "كن في الفتنة كابن اللّبون لا ظهر فيُركَب ولا ضرعٌ فيُحلَب"3، ويتوهّمون أنّ معناها هو أنّ الفتنة إذا اشتعلت وتشابهت الأمور فعليك الاعتزال. ليس معنى هذه العبارة مما يفيد الاعتزال إطلاقًا. بل معناها أن لا يستطيع صاحب الفتنة استخدامك على الإطلاق. "لا ظهرٌ فيُركب ولا ضرعٌ فيُحلَب" لا يستطيع أن يركبك ولا يستطيع أن يحلبك؛ ينبغي الحذر.

في حرب صفين لدينا في جانب عمار بن ياسر الذي كان يخطب في الناس دومًا - انظروا الأعمال والآثار الخاصة بصفّين - وكان في هذا الطرف وفي ذلك الطرف جيشٌ مع مجموعات مختلفة، فقد كانت تلك الساحة ساحة فتنة حقًا، حيث تحاربت فئتان من المسلمين وكانت فتنة كبرى اشتبهت على البعض، وكان عمّار ينوِّر الأذهان دومًا. يذهب لهذا الجانب وذاك الجانب ويتحدّث ويخطب في جماعات مختلفة. وخطبه وكلماته مسجّلة في التاريخ. من جانبٍ آخر تشير الروايات إلى أنّ جماعة "نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود" جاءوا للإمام علي بن أبي طالب (ع) وقالوا: "يا أمير المؤمنين -وكانوا يعترفون به أميرًا للمؤمنين - إنّا قد شككنا في هذا القتال"4. لقد شككنا في هذه الحرب، فابعثنا إلى الحدود والثغور لكي لا نشترك في هذا القتال. هذا الاعتزال هو بحدّ ذاته "ضرع فيحلب" و"ظهر فيركب". الصمت، والاعتزال، وعدم التحدّث يتحوَّل أحيانًا إلى ممارسات تساعد الفتنة. على الجميع في الفتنة ممارسة التنوير والإرشاد، وعلى الجميع التحلّي بالبصيرة. نتمنّى أن يوفّقنا الله تعالى نحن وإيّاكم للعمل بما نقول وما ننوي.

وحول هذه الفكرة التي ذكرها حضرة السيد شاهرودي؛ أعتقد أنّ الخبراء يجب أن لا يبادروا للإعلان عن أي شخصٍ من بينهم له عقيدة مخالفة. لا أرى هذه خطوة مناسبة جدًّا. أنا لا أريد طبعًا تعيين واجبات الخبراء أو ذكر شيء على أنّه واجبهم وتكليفهم؛ هذا هو ذوقي. شخصٌ له رأيٌ مخالف على كلّ حال في قضيّة معيّنة، لا أنّه يختلف عنهم في المباني والأصول ولا أعتقد أنّه كذلك.

من المتعذر إتفاق الجميع على يوم واحد للعيد
وحول قضيّة عيد الفطر التي تحدّثوا عنها، أعتقد أنّه من غير الممكن أن ندعو لاتفاق الجميع على يومٍ واحد في العيد، أي إنّ هذا غير متاح وفقًا لمبانينا الفقهيّة. من غير الممكن اتّفاق جميع الفقهاء على فتوى واحدة. إذن، الاختلاف سيحصل على كلّ حال. يجب أن لا نضخّم هذا الاختلاف كثيرًا، فما هي أهميّته؟ وما الإشكال فيه؟ شخصٌ له فتواه الخاصّة به - وله مقلّدوه أو ليس له مقلّدوه - ويعمل طبقًا لفتواه. لكن في هذه السنة طبعًا، لاحظتم أنّ بعض السادة الكبار المحترمين ومراجع الدين العظام كان رأيهم مختلفًا ولم يحصل أي تظاهر وإعلان لهذا الرأي المختلف، لقد لاحظتم ذلك. هذا شيء على جانب كبير من الأهميّة، وهو شيءٌ عظيم جدًا ينبغي تثمينه وشكره بجدّ. لم يحصل أن تقام صلاة عيد في يوم الأحد وتقام صلاة عيد أخرى يوم الاثنين في أصفهان مثلًا أو مشهد أو طهران أو منطقة أخرى. لم يحدث مثل هذا وإنّه لشيءٌ على جانب كبير من الأهميّة. يلتزم الكبار5 وكما اعتقدنا دومًا ولا نزال للإنصاف، بمباني النظام ومصالحه وعلى درجة عالية جدًا من الإيمان؛ يلاحظ المرء هذا المعنى، ويجب أن يشكره ويقدّره حقًا. أنا أشكر شكرًا جزيلًا السادة الأكابر المحترمين الذين كانت فتاواهم على غير مبنى حكمنا لكنّهم في الوقت ذاته لم يتظاهروا بالخلاف؛ هذا شيء مهم جدًا. قد يتحدّث العدو ببعض الكلمات ويضخّم الأمر ويثير الضجيج، لكنّنا لا نتّبع نغماته وإيقاعه طبعًا. وفقنا الله وأيدنا جميعًا إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


1- التواصل الإعلاميّ
2- المقصود: الشيخ هاشمي رفسنجاني
3- نهج البلاغة
4- واقعة صفّين ص 15
5- مراجع التقليد

14-02-2017 عدد القراءات 902



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا