18 كانون الثاني 2020 م الموافق لـ 22 جمادى الأولى 1441 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: 2009

كلمة الإمام الخامنئيّ في أعضاء مكتبه وحمايته



كلمة الإمام الخامنئيّ في أعضاء مكتبه وحمايته_ 27-07-2009

بسم الله الرحمن الرحيم

أوّلًا أبارك هذه الأعياد الكبرى المتتابعة التي يُعدّ كلّ واحدٍ منها بحقّ شمسًا مشرقةً ونورًا باهرًا على قلوب الشيعة: ولادة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه الصلاة والسلام) وولادة الإمام السجاد (عليه الصلاة والسلام) وولادة أبي الفضل العباس (عليه الصلاة والسلام). بوركت لكم جميعًا هذه الأعياد إن شاء الله. والبركة هي أوّلًا في أن تكون قلوبكم مسرورة إن شاء الله، وأرواحكم متمتّعة بالاستقرار والسكينة الإلهيّة، وكلّ كيانكم زاخرًا بالثقة بالله والتوكّل عليه تعالى؛ فإذا [وُجدت] كانت هذه الأحوال كان العيد مباركًا عليكم بركة تامّة. لنحاول أن نحقّق لأنفسنا هذه الأحوال، لنجعل قلوبنا مبتهجة وأرواحنا حافلة بالسكينة الإلهيّة، وكياننا طافحًا بالثقة بالله أكثر فأكثر.

وعد الله صِدْق
إنّنا نثق بالكلام المتعارَف العاديّ الصادر من شخصٍ لم نرَ منه سوءًا. إذا أردنا منه قرضًا، أو كانت لدينا عنده حاجة، ووعدَنا بأن ينجز لنا هذه الحاجة، عادةً ما نثق به ونتحرّك لنهيّئ مقدّمات المسألة، والحال أنّه ليس أكثر من إنسان، وقد يعتذر أو قد يأتي من يغيّر رأيه، أو قد ينسى، أو قد يفقد الإمكانيّة التي أراد بواسطتها تلبية طلبنا وحاجتنا. هناك عشرة احتمالات أو عشرات الاحتمالات التي قد تفسد وعده هذا، ومع ذلك نثق به. حسنًا، كم وعد الله تعالى المؤمنين بالنصر والهداية والتعليم: {واتقوا الله ويعلّمكم الله}1. وعد بالحفظ والصيانة ووعد بالمساعدة في أمور الدنيا. كلّ هذه الوعود وعدنا الله تعالى إيّاها. طبعًا هذه الوعود ليست مطلقة. بل لها شروطها وشروطها ليست صعبة جدًا، إنّما بوسعنا توفيرها. والدليل على ذلك إنّنا متى ما عملنا بهذه الشروط ساعدنا الله تعالى. ومثال ذلك الحرب المفروضة. أنتم الشباب الذين لم تدركوا مرحلة الحرب المفروضة اعلموا أنّه يوم بدأت الحرب المفروضة قال جميع المنظّرين والمحلّلين والنخبة على نحو القطع إنّ صدّامًا هو المنتصر في هذه الحرب وإيران سوف تُهزَم؛ باستثناء عدد قليل من أصحاب الرؤية الإسلاميّة والإيمانيّة -نظرة الإمام إلى الحوادث- كان في قلوبهم أمل يزيد أو ينقص. فمنهم من كان في قلوبهم بصيص من أمل ومنهم من كانت قلوبهم مشعّة بالأمل.

من يتوكل على الله فهو حسبه
نقلتُ هذه الخاطرة مرارًا: في اليوم الثالث أو الرابع للحرب كُنّا مجتمعين كلّنا في غرفة هيئة أركان الحرب؛ كنت موجودًا وكان مسؤولو البلاد ورئيس الجمهوريّة ورئيس الوزراء -رئيس الجمهوريّة في حينها كان بني صدر، ورئيس الوزراء المرحوم رجائي- وعدد من نوّاب المجلس وسواهم كُنّا مجتمعين كلّنا هناك نناقش الأمور ونتشاور. وكان العسكريّون موجودين أيضًا. جاء أحد العسكريّين إليَّ وقال: الأخوة في الغرفة الأخرى يريدونك في أمرٍ خاص، فنهضت وذهبت إليهم. كان هناك المرحوم فكوري والمرحوم فلاحي2 - على ما أذكر - وشخصان أو ثلاثة آخرون. جلسنا وقلت لهم: ما شأنكم؟ قالوا: أنظر يا سيدي -وأخرجوا ورقة لا أزال أحتفظ بها إلى حدّ الآن بين أوراق مذكّراتي وفيها خط أولئك الإخوة الأعزاء -هذه طائراتنا، مثلًا أف 5، وأف 4، وسي 130، وكذا وكذا من أنواع طائرات النقل والقتال. كتبوا سبعة أو ثمانية أنواع. ثمّ كتبوا: من هذا النوع من الطائرات لدينا مثلًا عشر طائرات جاهزة للعمل وستكون جاهزة إلى اليوم الفلاني. وفيها قطع غيار تحتاج إلى تبديل سريع- في الطائرات قطع غيار تتبدّل مع كلّ رحلة جويّة أو كلّ رحلتين- وكانوا يقولون إنّنا لا نمتلك هذه القطع. لذلك سينتهي مفعول هذا النوع من الطائرات بعد خمسة أو عشرة أيام وتعود كأنّها غير موجودة وكأنّنا لا نمتلكها. وبعد اثني عشر يومًا سينتهي ذلك النوع من الطائرات. وبعد أربعة عشر يومًا ينتهي النوع الفلانيّ من الطائرات. ومعظمها كان من نوع سي 130 الموجودة إلى حدّ الآن والتي قالوا عنها إنّها ستعمل حوالى ثلاثين أو واحد وثلاثين يومًا. أي إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لن يكون لديها بعد واحد وثلاثين يومًا أيّ طائرة عسكريّة سواء طائرة عسكريّة مقاتلة أو طائرة إسناد أو نقل عسكري. سينتهي كلّ شيء. قالوا: يا سيدي، هذا هو وضعنا العسكريّ، فاذهب وانقل هذا إلى الإمام. ولا أخفي عليكم إنّني شعرت بالخوف قليلًا وقلت: عجيب ماذا نفعل إن لم تكن لدينا طائرات؟ إنّهم يأتون إلينا دائمًا بالطائرات الروسيّة. لم تكن لدى طيّاريهم شجاعة ومهارة طيّارينا، لكنّ حجم العمل كبير. كانوا يأتون باستمرار وكانت لديهم أنواع الميغ.

قلت لهم حسنًا. أخذت الورقة وذهبت بها إلى الإمام في جماران. قلت له: سيدي هؤلاء السادة هم قادة جيشنا وكلّ ما لدى العسكريّين هو في أيديهم، وهذا ما يقولونه، يقولون إنّ طائراتنا الحربيّة تعمل إلى خمسة عشر أو ستة عشر يومًا على الأكثر، وآخر ما سيتبقّى لنا من الطائرات هي طائرات سي 130 وطائرات النقل التي لن تعمل لأكثر من ثلاثين أو واحد وثلاثين يومًا. وبعد ذلك لن تكون لدينا طائرات على الإطلاق. نظر إليَّ الإمام وقال -أروي هنا قوله بالمضمون ولا أتذكّر عبارته حرفيًّا، ربما كتبت عباراته حرفيًّا في مكانٍ ما- قال: ما هذا الكلام؟ قل لهم ليحاربوا، والله سوف يمدّهم ويصلح الأمور، لن تحدث مشكلة.

لم يكن كلام الإمام مقنعًا بالنسبة إليّ من الناحية المنطقيّة؛ فالإمام ليس متخصّصًا في الطائرات؛ لكنّني كنت مؤمنًا بأحقيّة الإمام ونور قلبه وتأييد الله له، كنت أعلم أنّ الله تعالى بعث هذا الرجل لأمرٍ عظيم وسوف لن يتركه؛ كنتُ مؤمنًا بهذا. لذلك اطمأنّ قلبي وعدتُ إلى السادة -في نفس اليوم أو في اليوم التالي لا أتذكر- وقلت لهم إنّ الإمام يقول أصلحوا هذا الموجود ما استطعتم وأعدّوه وبادروا إلى العمل.

فتلك الطائرات من طراز أف 5، وأف 4، وأف 14 نفسها وتلك التي كان المتوقّع أن تتوقّف تمامًا بعد خمسة أو ستة أيّام لا تزال تعمل إلى حدّ الآن في قوّاتنا الجويّة. مضت تسع وعشرون سنة على عام 1359 [1980] ولا تزال تلك الطائرات تعمل. طبعًا تضرّرت بعضها في الحرب أو سقطت أو أصيبت، وخرجت بعضها عن حيّز الاستعمال. ولكن كان مقابل هذا التساقط نماء وتجدّد. فقد استطاع مهندسونا في الأجهزة المختصّة صناعة قطع الغيار اللّازمة وملء الفراغات واستيراد بعض القطع بطرقٍ معيّنة على الرغم من الحظر المفروض وعلى الرغم من أنوف الذين فرضوه، ومن ثمّ بقيت الطائرات تعمل. أضف إلى ذلك أنّهم تعلّموا منها واستطاعوا صناعة نوعَين من الطائرات الحربيّة. وتعلمون الآن أنّه يوجد في قوّاتنا الجويّة نوعان من الطائرات الحربيّة ــ هي طبعًا ليست عينُ طائراتنا السابقة لكنّ المهندسين استفادوا من تلك على كلّ حال، فالمهندس بطبيعة الحال ينظر إلى الأعمال ويكتسب التجارب ويصمّم بنفسه - طائرات بمقصورتين للتعليم وطائرة بمقصورة واحدة للحملات العسكريّة. إضافةً إلى أنّنا لا نزال نمتلك تلك التي كانت لدينا.

هذا هو التوكّل على الله. وهذا هو صدق الوعد الإلهيّ. حينما يقول الله تعالى بتأكيدٍ مكرّر ومتعدّد الجوانب:‌ {ولينصرنّ الله من ينصره}3 فإنّ الله تعالى سينصر ويعين الذين ينصرون دينه وهذا لا شكّ ولا ترديد فيه. حينما يقول الله هذا ــ وأنا وأنتم نعلم أنّنا ننصر دين الله؛ إذًا، لنطمئنّ أنّ الله سوف يمنّ بنصره.

عودة أسرى الحرب المفروضة مثالا
وقد شاهدنا النصر الإلهيّ والعون الإلهي بعد نشوب الحرب أيضًا عشرات المرات. وإذا حسبنا الحالات التفصيليّة الصغيرة ربما كان العدد أكثر من هذا بكثير. ولأمكن القول أنّنا شهدنا النصر الإلهيّ آلاف المرات. إلّا أنّه يمكن ذكر الحالات البارزة فقط. ومن جُملة هذه الحالات عودة أسرى الحرب. كان لنا في العراق نحو خمسين ألف أسير؛ خمسين ألفًا. وكان للعراق أيضًا أقلّ من هذا العدد بقليل عندنا. لكن الفرق هو أنّ أسرى العراق عندنا كانوا كلّهم عسكريّين أما أسرانا في العراق كان أكثرهم غير عسكريّين. أخذوا الناس من البوادي وأسروهم. حينما انتهت الحرب بدا لي أنّ استعادة هؤلاء الأسرى من صدّام قد يطول ثلاثين عامًا. وقد شاهدنا تبادل الأسرى في الحروب المعروفة. ففي الحرب العالميّة، وفي حرب اليابان، بعد مرور ثلاثين سنة لا يزال أحد الأطراف يدّعي أنّه ما زال الطرف الآخر يحتفظ بعددٍ من الأسرى، ويُنكر الطرف الآخر وجودهم. تستمرّ المفاوضات والمساومات والاجتماعات دون الوصول إلى نتيجة. يجب عقد مئات المؤتمرات والاجتماعات لنثبت أنّه لا يزال هناك هذا العدد من الأسرى؛ وبشكلٍ بطيء جدًا. هكذا كان صدّام بالتالي، هو شخصٌ سيّئ المراس وسيّء الأخلاق وخبيث ومؤذٍ وكلّما شعر بالقوة عملَ على إظهارها. كانت طبيعة صدام طبيعة جدّ دنيئة ومنحطّة. متى ما شعر الأشخاص المنحطّون الدنيؤون بالاقتدار ينتفخون إلى درجة أنّه تتعذّر إقامة أيّ تعامل أو تبادل معهم، أبدًا. وحينما يشعرون بالضعف ويقفون أمام طرفٍ أقوى منهم يتذلّلون ويتصاغرون أكثر من النملة. لاحظتم كيف راح صدام يتوسّل الأميركيّين. قبل أن يهاجموا العراق -في هذه المرّة الأخيرة - كان يتوسّل أن تعالوا لنتفاهم ونتصالح ونتّحد كلّنا ضد الجمهوريّة الإسلاميّة. إلّا أنّ حظه كان عاثرًا ولم يعد الأميركيّون يرغبون فيه.

كنت أقول: إنّ إطلاق سراح الأسرى سيطول ثلاثين سنة. لكنّ الله تعالى مهّد الأمور، وحصل هجوم ذلك الأحمق على الكويت. فإذا ما أراد أن يحارب الكويت -طبعًا كانت حربه مع الكويت بهدف احتلالها بالكامل- فلا بدّ أن يطمئن باله من جانب إيران، وهذا غير ممكن مع وجود الأسرى. في البداية كتب رسالة إلى رئيس الجمهوريّة في حينها، و[لي بنحو من الأنحاء. ولأنه لم يتلقّ جوابًا وافيًا من هذا الجانب، بدأ هو بإطلاق الأسرى والذين يذكرون يتذكّرون. فجأة سمعنا أنّ الأسرى يتوافدون على الحدود جماعات جماعات إلى أن انتهى الأمر. كان هذا من فعل الله ومن نصره. وهكذا القضايا الأخرى من هذا القبيل وإلى اليوم.

وصيّتي لكم: زيدوا من بصيرتكم
أنتم إخوة وأخوات أعزاء ــ سواء الذين يخدمون في الحماية أو في المنظومة الإداريّة هنا، أو عوائلهم وزوجاتهم وأبناؤهم؛ أنتم تخدمون حقًا في موقع حساس. إذا أردت أن أوصيكم بوصيّة فهي أن تزيدوا من بصيرتكم؛ البصيرة. فالبلايا التي تنزل بالشعوب إنّما هي، في العديد من الحالات، بسبب انعدام البصيرة. الأخطاء التي يرتكبها البعض- الكثير منها ولا أقول كلّها- هي نتيجة انعدام البصيرة. ترون في مجتمعنا أنّ بعض عامّة الناس أحيانًا، والنخبة في كثير من الأحيان، يقعون في أخطاء. المتوقّع من النخبة أن تكون أخطاؤهم قليلة؛ وأحيانًا إذا لم تكن أخطاؤهم أكثر كمًّا فهي أكثر نوعًا من أخطاء عامّة الناس.

ارفعوا مستوى بصيرتكم ومستوى وعيكم. كثيرًا ما ذكرت عبارة الإمام أمير المؤمنين التي أظنّ أنّه قالها في حرب صفين: «ولا يحمل هذا العلم إلّا أهل البصر والصبر»4. تعلمون أنّ راية أمير المؤمنين قد واجهت صعوبات أكثر من راية الرسول في عدّة نواحي. ففي راية الرسول كان العدو والصديق معروفين. أما تحت راية أمير المؤمنين فلم يكن العدو والصديق كذلك كما ينبغي. كان العدو يتكلّم بنفس الكلام الذي يتكلّم به الصديق. كانت صلاة الجماعة نفسها التي تقام في معسكر أمير المؤمنين تقام في المعسكر المقابل أيضًا: في حروب الجمل وصفين والنهروان. فماذا كنتم ستفعلون لو كنتم هناك؟ يقولون لكم: الطرف الآخر على باطل. وتقولون: فما هذه الصلاة والعبادة إذًا؟ بعض منهم كالخوارج كانت عبادتهم شديدة جدًّا. انتهز أمير المؤمنين ظلمة الليل ودخل إلى معسكر الخوارج فرأى رجلًا يقرأ بصوت جميل: «أمّن هو قانت آناء الليل»5 كان يتلو هذه الآية القرآنيّة في منتصف الليل بصوت حزين ومؤثّر. وكان إلى جانب أمير المؤمنين أحد أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين طوبى لهذا الذي يتلو الآية القرآنيّة بهذا الصوت الحسن. ليتني كنت شعرة في جسده، لأنّه سيدخل الجنة، ولا شكّ أنّني سأدخل الجنة معه وببركته. مضت هذه وبدأت معركة النهروان. وبعد أن هُزم الأعداء وقُتلوا جاء أمير المؤمنين عند أجساد قتلى العدو فكان يجتاز بها ويأمر بأن يقلبوا بعض الجثث الملقاة على وجوهها فكانوا يقلبونها وكان الإمام يتكلّم معهم. كانوا ميّتين لكنّه أراد لأصحابه أن يسمعوا. أمر بأن يقلب أحدهم فقلب فقال الإمام لصاحبه الذي كان معه تلك الليلة: هل تعرف هذا؟ قال صاحبه: لا. فقال الإمام: هذا هو من تمنّيت أن تكون شعرة في جسده وكان في تلك الليلة يتلو القرآن بتلك النبرة الحزينة المؤثرة، وهنا يقف مقابل القرآن الناطق أمير المؤمنين (عليه أفضل صلوات المصلّين) ويشهر السيف في وجهه. لأنّ البصيرة مفقودة؛ وعندما تُفقد، لا يستطيع أن يفهم الأوضاع.

البصيرة: "استطلاعٌ سياسي" للتعرف على العدو وأحواله
كثيرًا ما شبّهتُ هذه الجبهات السياسيّة والميادين السياسيّة بجبهات الحرب. إذا لم تتوفّر لديكم هندسة الأرض في الحرب النظاميّة فمن المحتمل وقوع أخطاء كبرى. ولذلك تذهبون للاستطلاع. من الأعمال المهمّة في العمل العسكري هو الاستطلاع. الاستطلاع عن قرب حيث يذهبون ويشاهدون طبيعة الأرض، ومكان العدو، ومواقعه، وتموضعه، وما هي موانعه وتحصيناته ليفهموا ما الذي ينبغي عليهم فعله. إذا لم يتمّ القيام بهذا الاستطلاع ولم يُعرف الميدان وأضاع العدو فقد يجد فجأة أنّه يلقي قذائفه ومدفعيّته باتّجاه يتموضع فيه أصدقاؤه ولا أعداؤه؛ لأنّه لا يعلم الواقع. وكذا الحال بالنسبة إلى الساحة السياسيّة تمامًا. إذا لم تتوفّر لديكم البصيرة ولم تعرفوا العدو فقد ترون فجأة أنّ نيران مدفعيّة إعلامكم ومناظراتكم وممارساتكم متجّهة نحو أصدقائكم لا أعدائكم. على الإنسان معرفة العدو فلا يخطئ في تشخيص العدو. إذًا البصيرة ضروريّة والتبيين ضروري.

ضرورة تبيان الحقائق دون عصبيات وأهواء فئوية
التبيين من الأعمال المهمّة للنخب والخواص. فليتمّ تبيين الحقائق من دون عصبيّات ومن دون أن تسيطر الانتماءات الفئويّة على قلب القائل. هذه الأحوال مضرّة. ينبغي ترك الانتماءات والتيارات جانبًا وإدراك الحقيقة كما هي. كان من جُملة الأعمال المهمّة التي قام بها عمّار بن ياسر في حرب صفّين، تبيين الحقيقة. لأنّ التيّار المقابل وهو تيّار معاوية كان يمتلك العديد من أبواق الإعلام والدعاية. وهو ما يسمّونه اليوم الحرب النفسيّة. هذه ليست من الاختراعات الجديدة إنّما اختلفت الأساليب، وقد كانت منذ البداية. وقد كانوا ماهرين جدًّا في هذه الحرب النفسيّة. ينظر الإنسان في أعمالهم فيرى أنّهم كانوا ماهرين في الحرب النفسيّة. إنّ تخريب الأذهان أسهل من بنائها؛ حينما يقال لكم شيء ويعتريكم سوء الظن بشيء معيّن، فإنّ ولوج سوء الظن إلى الذهن سهل إلّا أنّ محوه من الذهن صعب. لذلك كانوا يبثّون الشبهات وينشرون سوء الظن وكان عملهم سهلًا. وإنّ الشخص الذي رأى أنّ من واجبه في هذا الطرف الوقوفَ بوجه هذه الحرب النفسية ومقاومتها هو سيّدنا عمار بن ياسر الذي ورد في أحداث حرب صفين أنّه كان يتنقل على الفرس من هنا وهناك في أطراف المعسكر وبين صفوف الجنود ويتحدّث مع الحشود والمجموعات -الكتائب أو الألوية حسب التعبير الدارج اليوم- بمقدارٍ معين. كان يوضح لهم الحقائق ويؤثّر فيهم. في موضع ما كان يرى نشوب خلاف وأن البعض اعتراهم الشك وحصل بينهم نقاش وجدل فكان يوصل نفسه إليهم بسرعة ويتحدّث إليهم ويبيّن ويحلّ هذه العُقَد.

عالجوا انعدام البصيرة
إذًا البصيرة مهمة. وإنّ دور النخب والخواص هو أن يعملوا على إيجاد هذه البصيرة، ليس في أنفسهم فحسب بل لدى الآخرين أيضًا. ويرى الإنسان أحيانًا، مع الأسف، أنّ بعضَ النخب مبتلون هم أنفسهم، بانعدام البصيرة فلا يكادون يفهمون أو يلتفتون، يطلقون فجأة كلامًا لصالح العدو، لصالح الجبهة التي تكرس كل همّها للقضاء على الجمهوريّة الإسلاميّة. هناك النخب وهناك الخواص؛ وهم ليسوا أفرادًا سيّئين وليست نواياهم سيّئة؛ لكنّهم هكذا على كلّ حال؛ إنّه انعدام البصيرة. أنتم الشباب على وجه التحديد عالجوا انعدام البصيرة هذا بقراءة الأعمال الجيّدة بتأمل، وبالحوار مع الأشخاص الموثوقين الناضجين وليس بالحوارات التقليديّة -حيث تقبلون كلّ ما قيل، لا، ليس هذا ما أريده - هناك أشخاص بوسعهم إقناع الآخرين بالأدلّة وتنوير أذهانهم وإقناعهم.

عليكم التعرّف على الإمام الحسين "مُبيّنًا"
حتّى الإمام الحسين (عليه السلام) استخدم هذه الوسائل في بداية نهضته وعلى امتدادها. ولأنّ الأيام أيام الإمام الحسين (عليه السلام) أقول هذه الكلمة:
ينبغي أن لا نعرف الإمام الحسين من خلال معركة يوم عاشوراء فقط. فذلك جانب من جهاد الإمام الحسين. ينبغي معرفته من خلال تبييناته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإيضاحه للقضايا والأمور في منى وعرفات وخطابه للعلماء وللنخب - للإمام الحسين كلمات عجيبة ومهمّة مسجّلة في الكتب - ثمّ في الطريق إلى كربلاء وفي ساحة كربلاء نفسها. كان (عليه السلام) في ساحة كربلاء نفسها صاحب تبيينٍ وتنوير فكان يذهب ويتحدّث. مع أنّها ساحة حرب والمتوقَّع إراقة الدماء لكنّه (عليه السلام) كان ينتهز أيّ فرصة للتحدّث مع الطرف المقابل عسى أن يستطيع إيقاظهم. بعض النيام استيقظوا طبعًا، وبعض المتظاهرين بالنوم لم يستيقظوا حتى النهاية. من الصعب إيقاظ الذين يتظاهرون بالنوم، وأحيانًا من المستحيل إيقاظهم.

بوركت عليكم جميعًا هذه الأعياد السعيدة إن شاء الله، ووفقكم الله تعالى جميعًا، نساءكم ورجالكم، شيبكم وشبّانكم لقلوبٍ مبتهجة وأرواح متفائلة وكيانٍ ملؤه السكينة والاستقرار والثقة والحركة نحو الهدف.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


1-  سورة البقرة، الآية: 282.
2- الشهيدان فكوري وفلاحي من القادة المعروفين أثناء مرحلة الحرب والدفاع
3- سورة الحجّ، الآية: 40.
4- نهج البلاغة، الخطبة172.
5- سورة الزمر، الآية: 9.

14-02-2017 عدد القراءات 655



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا