21 كانون الثاني 2020 م الموافق لـ 25 جمادى الأولى 1441 هـ
En FR

القائد الخامنئي :: 2012

كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في محفل الأنس بالقرآن الكريم



كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في محفل الأنس بالقرآن الكريم بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك 1433هـ. ــ الزمان: 21/7/2012م.

الحضارة الإسلامية طريقة حياة تقوم على المعارف القرآنية : تجربة صدر الإسلام نموذجا

العناوين الرئيسية
· تلاوة القرآن تُعمِق الإرتباط به
· ألأنس بالقرآن يفتح باب التدبر في معارفه
· للعمل بالقرآن الكريم بعد الأنس والتدبّر
· المعارف القرآنيّة: طريق السعادة وحلّ المشاكل
· الحضارة الغربيّة: العلم لإبادة الشعوب وقهرها
· الحضارة الإسلاميّة : كرامة إنسانية وعدالة
 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، لا سيّما بقيّة الله في الأرضين.

تلاوة القرآن تُعمِق الإرتباط به
نشكر الله تعالى من أعماق القلب ومن كلّ ثنايا الروح أن وفّقنا ووفق شعبنا وأهلنا للأنس بالقرآن والالتذاذ بتلاوته.

يقيناً، إنّ لكلّ واحدةٍ من هذه الجلسات، التي تتشكّل حول القرآن وتلاوته وتصدح فيها ألسنة عنادل القرآن1، تأثيرٌ كبير في تعميق الإيمان بالقرآن وعشقه ومحبته في نفوسنا، وإنّ كلّ شيءٍ رهنٌ بهذا. لو أنّ شعباً قرن الاعتقاد بالحقّ والقرآن والمعارف الإسلامية بالمحبّة فإنّ صبغة وأريج وردة المحبّة اللطيفة هي التي يمكنها أن تربّي وتنمّي العقائد العميقة في ميدان حياة الإنسان. لو أنّ هذه العقائد وهذه الالتزامات العقلانية تلازمت مع الحبّ والعواطف وعُجنت بها، هناك سيكون الميدان ميدان العمل القرآني, وستزداد التوفيقات والنجاحات وتتتالى، وهذا ما نسعى نحوه. إذا استطاعت هذه المحافل القرآنية أن تأخذ بقلوبنا إلى ما هو أبعد من الجوانب العقلانية، أي الجوانب العاطفية وعُلقة العشق والمحبة بالقرآن، فإنّ المشاكل التي تقف بوجه المجتمع الإسلامي ستزول, هذا هو اعتقادنا.

بالطبع نحن لا نكتفي بمجرد الأحاسيس والعواطف مطلقاً، لكننا نعدّها من اللوازم. ولحسن الحظ فإنّ هذا المعنى موجودٌ في مجتمعنا وفي المعارف الإسلامية التي أخذناها عن طريق أهل البيت عليهم السلام, فالعقل والعاطفة معاً، أحدهما إلى جانب الآخر.
 

ألأنس بالقرآن يفتح باب التدبر في معارفه
لحسن الحظ أنّ بلدنا وشعبنا وشبابنا يقدّمون تجربةً جيدة في موضوع الأنس بالقرآن. فهذه المعارف والخبرات والفهم المنتشر حول القرآن، والذي يراه المرء واضحاً في هذه الجلسات، وعبر هذه التلاوات وما نسمعه أو نراه خارجها، كلّ ذلك يختلف تماماً عمّا كانت عليه الأمور في السنوات الفائتة، مع بدايات الثورة في هذا البلد.

بحمد الله إنّ شبابنا وفتياننا ورجالنا ونساءنا قد تقدّموا في مجال الأنس بالقرآن، فهذه بشارةٌ عظيمة. لقد كنّا ذات يوم محرومين من هذا.

عندما يتحقّق الأنس بالقرآن ينفتح باب التدبّر والتأمّل والتفكّر في معارفه. لا يصحّ الاكتفاء بقراءة القرآن من أوّله إلى آخره والمرور عليه مرور الكرام, فهو بحاجة إلى التدبّر وإلى الوقوف على كلّ كلمةٍ من كلماته وكلّ تركيبٍ كلاميٍّ ولفظي فيه. فكلّما تدبّر الإنسان وتأمّل يزدد أنسه ويكثر نفعه واستفادته, هكذا هو القرآن.
 

للعمل بالقرآن الكريم بعد الأنس والتدبّر
يجب أن تكون أعمالنا قرآنيةً وإلهية. فلا نكتفي بالقول واللسان والادّعاء، بل نخطو ونتحرّك عملياً على هذا الطريق. فحيث أنستم بالقرآن وتلوتموه، أينما وُجد أمرٌ أو هدايةٌ أو نصيحةٌ، فاسعوا بالدرجة الأولى إلى أن ترسّخوها في وجودكم وباطنكم وقلوبكم، وتجعلوها ظاهرة في أعمالكم. فلو أنّ كلّ واحدٍ منّا تعهّد بهذا في عمله فإنّ مجتمعنا سيتقدّم ويصبح قرآنياً.

بحمد الله لقد أضحت نهضة الأنس بالقرآن في مجتمعنا وبلدنا جيدة. وقضية حفظ القرآن هذه، التي أوصينا بها سابقاً، نراها بحمد الله اليوم تنتشر بين شبابنا، ويجب أن يحصل ذلك. ويجب أيضاً أن نتعرّف إلى القرآن ونأنس به. حين تحفظون القرآن يمكنكم أن تفهموا معانيه جيداً.عندما يفهم المرء معنى القرآن يمكنه أن يتدبّره، وعندما يتدبّر يمكنه أن ينال المعارف العالية ويتكامل. فالإنسان يتكامل في باطنه من خلال الأنس بالقرآن.
 

المعارف القرآنيّة: طريق السعادة وحلّ المشاكل
إنّ مشاكل أي مجتمع سوف تُحلّ مع القرآن. فالمشاكل تعالج بالمعارف القرآنية. إنّ القرآن يقدّم طريق حلّ أزمات الحياة البشرية هدية لبني آدم. هذا هو الوعد القرآني، وقد أظهرت تجربة عصر الإسلام هذا الأمر. كلّما كنا أكثر قرباً من القرآن، وكلّما ازداد العمل بالقرآن بيننا ـ سواء في أرواحنا أم في أعمالنا الجسمانية، وسواء كان على مستوى أفرادنا أم مجتمعنا ـ فإنّنا نصبح أكثر قرباً من السعادة، ومن حلّ المشكلات والمعضلات.

العزّة تكون في ظلّ القرآن، وكذلك الرفاه والتقدّم المادي والمعنوي والأخلاق الفاضلة والقدرة والتغلب على الأعداء، كلها في ظل القرآن. لو أنّنا نحن الشعوب المسلمة أدركنا هذه الحقائق جيداً، وسعينا للوصول إلى هذه الأهداف، فباليقين سوف ننال فوائد جمّة.
 

الحضارة الغربيّة: إستغلال العلم لإبادة الشعوب وقهرها
إنّ الشعوب المسلمة اليوم تعاني من مشكلاتٍ كثيرة، لجهة هيمنة وتسلط أصحاب الرؤية المادية والنفعية لعالم الخلقة، هي نظرة منحطّة لمن لم يشمّ رائحة المعنويات. فحضارة اليوم، التي قدّمت للمستكبرين هذه الإمكانات العسكرية، مبنيّة على النظرة المادّية لعالم الخلقة. هذه النظرة هي التي جلبت التعاسة والشقاء إلى العالم، وإلى أصحابها أيضاً. فعندما تكون النظرة مادية ونفعية ومصلحية وبعيدة عن المعنويات والأخلاق فستكون النتيجة أنّ القدرة العسكرية والسياسية والمخابراتية ستستخدم لتكبيل الشعوب بالأغلال. إنّ الحضارة الغربية التي وصلت إلى أوجها في القرون الأخيرة لم يكن لديها سوى هذا الفنّ، وهو استغلال البشرية، وتكبيل الشعوب، وقد استغلّوا علومهم من أجل إبادة حضارات الشعوب الأخرى، والهيمنة عليها وعلى ثقافاتها واقتصاداتها.

لو كنتم قد طالعتم أوضاع وأحوال القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين ـ ما دوّنه الغربيون أنفسهم وقالوه وليس ما كتبه معارضوهم وأعداؤهم ـ لرأيتم ماذا فعلوا في شرق آسيا وفي الهند والصين، وأفريقيا وأمريكا، وأية مصائب أنزلوها على رؤوس البشر، وأيّ جحيم أدخلوا إليه تلك الشعوب وأحرقوها، كلّ ذلك لأجل الانتفاع والاستغلال فقط. لقد تطوّروا على صعيد العلم والتكنولوجيا وأوصلوا صناعتهم إلى الذروة، لكنّهم استخدموها من أجل شقاء الشعوب, لماذا؟ لأن تلك الحضارة كانت تفتقد إلى الركن المعنوي. فعندما تُفتقد المعنويات لن يكون هناك أخلاق. وادّعاؤهم فيما يتعلّق بالأخلاق كاذبٌ ولا واقعية له، نعم، ثمة أخلاقٌ وصبرٌ وعقل في أفلامهم السينمائية، وفي أعمالهم الهوليوودية، ولكن لا أثر لهذه الكلمات في واقع الحياة. فعندما يحصل البعد عن المعنوية هكذا تكون النتيجة.
 

مأساة مسلمي بورما مثالاً
انظروا هذه الأيام, في دولة في شرق آسيا ـ في ميانمار (بورما) يُقتل آلاف المسلمين، ويُذبحون بسبب العصبية والجهالة ـ إن لم نقل إن هناك أياديَ سياسية في القضية. فلنفرض كما يدّعون أنّ المسألة بسبب العصبيات الدينية والمذهبية ـ فإنّ أدعياء حقوق الإنسان لا يحرّكون ساكناً، هؤلاء أنفسهم الذين يتحرّقون حزناً على الحيوانات، هؤلاء أنفسهم الذين لو وجدوا أبسط الذرائع في المجتمعات المستقلة عنهم وغير التابعة, فإنّهم يضخمونها مئات المرات، هؤلاء يصمتون أمام ذبح الأبرياء من النساء والرجال والأطفال، بل يبرّرون ذلك! هذه هي حقوق الإنسان عندهم، الحقوق المعزولة عن الأخلاق والمعنويات والمنقطعة عن الله. يقولون إنّ هؤلاء ليسوا من أهل بورما, فلنقل إنّهم كذلك فهل ينبغي أن يُذبحوا؟! بالطبع إنّهم يكذبون. فهؤلاء كانوا يعيشون في تلك البقعة منذ نحو 400 سنة، حسب التقارير التي وردتنا، وهذه الحالة كانت تتكرّر طيلة السنين المتمادية في ذلك البلد والبلدان المجاورة من قبل الغربيين وخصوصاً الإنكليز تجاه هؤلاء الناس. لقد أنزلوا أشد الويلات بحق هؤلاء الأهالي، أينما حطت أقدامهم أهلكوا الحرث والنسل كما ذكر الله تعالى في القرآن. نعم، لأجل إيجاد أسواق لمنتوجاتهم فقد خلقوا أسواقاً، وعرّفوا الناس إلى أنواع جديدة من المنتوجات من أجل ازدهار تجارتهم. هذه الحضارة منقطعةً عن المعنويات والقرآن.
 

الحضارة الإسلاميّة
دعوتنا هي إيجاد حضارة تستند إلى المعنويات، وتعتمد على الله وعلى الوحي الإلهي، وعلى التعليم الربّاني والهداية الإلهية. لو استطاعت الشعوب الإسلامية اليوم ـ حيث إن الكثير من هذه الشعوب بحمد الله استيقظ ونهض ـ أن تؤسّس مثل هذه الحضارة، فإنّ البشرية ستصبح سعيدةً. وهذا ما تدعو إليه الجمهورية الإسلامية والثورة الإسلامية. إنّنا بصدد مثل هذه الحضارة. فاحفظوا أيّها الشباب الأعزّاء هذا الأمر واجعلوه معياراً وملاكاً.

اللهم، بمحمد وآل محمد لا تفصلنا عن القرآن. اللهم، اجعل مجتمعنا مجتمعاً قرآنياً, واجعل حياتنا مع القرآن، ومماتنا على طريق القرآن. اللهم، بمحمد وآل محمد اجعل القرآن شافعاً لنا يوم القيامة. اللهم، لا تقطع أيدينا عن القرآن وأهل البيت عليهم السلام، الثقلين الكبيرين اللذين هما وديعتا رسولك. اللهم، اجعل القرآن يرضى عنّا، واجعل أهل بيت النبي وولي العصر أرواحنا فداه راضين عنا. اللهمّ، وفّقنا لأداء تكاليفنا، ووفّقنا للعبودية والتضرّع والخشوع والتقرّب إليك في هذا الشهر المبارك، وفي هذه الأيام والليالي المفعمة بالبركة.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


1- عنادل جمع عندليب، هو طائر الهزار، ويقال هو البلبل، يصوّت ألواناً.

14-02-2017 عدد القراءات 623



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا