26 تموز 2017 الموافق لـ 02 ذو القعدة 1438
En FR

تساؤلات وردود :: شبهات حول الدين

التدخل الإلهي لرفع الظلم



إن نظرة سريعة إلى ما يجري في العالم كفيلة بمعرفة حجم المآسي التي تجري فيه فالحروب ونتائجها الكارثية من جهة وسوء الأحوال الاقتصادية والفقر والمجاعات من جهة أخرى والتلوث والأمراض والتشوهات وغيرها من الأزمات الكبرى التي يعاني منها البشر تطرح سؤالا كبيرا عن السبب الذي يمنع من رفع المعاناة عن الناس من قبل خالقهم! لماذا لا يتدخل الله تعالى؟ لماذا لا يرفع الله الظلم عن الناس ويساعد المظلومين؟ هل خلق الله البشر وتركهم لمصيرهم؟

ترتبط الاجابة عن هذا السؤال بمجموعة من العناوين بمعنى أن الاشكال ناشئ من عدم الفهم الصحيح لمضامين هذه العناوين وأن فهمها بشكل صحيح يعطينا صورة مغايرة عما يجري في العالم وهذه العناوين هي الله تعالى والنبوة والانسان:

العنوان الأول: الله
إن النظرة إلى الله تعالى باعتبار أن علاقة العالم بالله تعالى هي علاقة ايجاد فقط بمعنى أن دور الله ينتهي بمجرد ايجاد العالم هي نظرة ناقصة وقاصرة ولا تنسجم مع الكمال الإلهي فالله تعالى خالق ومدبر الوجود ولا يجري أي أمر في الكون الا بمشيئته وارادته وتحت رعايته وبعبارة أخرى نقول إن حركة الكون المستمرة تعني أن هناك أمرا جديدا يحدث باستمرار وهذا الأمر الجديد هو خلق جديد فكأن الكون يخلق في كل لحظة وهذا الخلق يحتاج إلى خالق بشكل دائم بمعنى أن الخالقية أمر مستمر وليست فقط في إيجاد أصل العالم! والقرآن الكريم يحدثنا عن تدبير الله تعالى للعالم في كل مراحله وليس في مرحلة أصل ايجاده فيحدثنا عن انزال الله تعالى للماء من المزن وينسب مراحل خلق الانسان إلى الله تعالى: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) (المؤمنون:14)

ويحدثنا عن دور الله تعالى في قتل المعتدين: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (الأنفال:17) وينسب النصر اليه تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (آل عمران:126)

كما يحدثنا عن رعايته لحركة الأنبياء ففي قصة نوح يقول عن السفينة: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) (القمر:14) ويخاطب موسى عليه السلام وأخاه هارون: (إنَّني مَعَكُمَا أَسْمَع وَأَرَى) (طه:46) كما يحدثنا عن الحوادث التفصيلية: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة:1) ويمكن أن نلخص كل ما مر بقوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) (الحديد:4).

فالله تعالى هو الخالق والمدبر للعالم في كل لحظة وليس في لحظة معينة وبالتالي لا يمكن أن نعزل الله تعالى عن الوجود لأن الإله المعزول عن خلقه ليس بإله والعالم المستقل عن خالقه ليس مخلوقا فخالقية الله تعالى ومخلوقية العالم تقتضى وجود الارتباط الدائم للعالم بالله تعالى.

العنوان الثاني: الأنبياء
إن النظرة إلى الأنبياء باعتبارهم أنهم دعاة إلى الله تعالى وأن دورهم يقتصر على تنظيم العلاقة بين الله تعالى والفرد هي نظرة خاطئة وظالمة! فمن المعلوم حجم المعاناة التي جرت على الأنبياء والتضحيات التي قدموها وقد قتل عشرات الأنبياء بمختلف الأساليب البشعة حرقا وذبحا ونشرا وعذبوا وأوذوا أشد التعذيب والأذى فهل كان هذا الموقف العدائي منهم هو لمجرد أنهم يريدون تنظيم العلاقة بين الفرد وربه!؟ أم أن سبب محاربتهم ومواجهتم من قبل الظالمين والمفسدين هو أن أولى مهمات الأنبياء كانت محاربة الظلم والطغيان والجور والفساد ورفع الظلم عن المظلومين والمضطهدين والمستضعفين!؟

فهل كان هدف طلب موسى من فرعون أن يقوم فرعون بالصلاة ولا علاقة لموسى ببني اسرائيل وما يجري عليهم من ظلم!؟ وهل اعترض فرعون على موسى وهدده بالقتل من أجل ذلك!؟ إن القرآن الكريم يخبرنا بكل وضوح أن طلب موسى عليه السلام كان: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (طه:47) وأن الهدف الإلهي من ارسال موسى عليه السلام وكل الرسل أيضا هو: (نُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِيالْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5) إذن دور الأنبياء ليس عبارة عن دور الواعظين الذين يجلسون في زاوية معبد فالله تعالى يقول: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ) (الحديد:57) فالرسل لديهم البينات وكذلك معهم الحديد وهو اشارة إلى العنصرين الأساسيين الذين يحتاجهما التغيير كما قال الله تعالى عن طالوت عليه السلام: (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (البقرة:247)

العنوان الثالث: الإنسان
ان النظرة إلى الانسان باعتباره في موضع الانفعال دائما هي نظرة خاطئة ومحرفة فالانسان بحسب النظرة القرآنية هو خليفة الله تعالى ومطلوب منه أن يقوم بهذا الدور صحيح أنه لن يترك وحده للقيام بهذا الدور ولكن هذا لا يعني أن لا دور له أو أن يبقى في مقام الانفعال وردة الفعل! وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم الحوار الذبي يجري في النار بين المستكبرين والمستضعفين فليس من يدخل النارفقط هو المسستكبر والظالم بل إن المستضعف المظلوم الراضي بالظلم بمعنى عدم محاولته رفع الظلم عن نفسه هو من أهل النار أيضا!إن معنى أن الانسان خليفة الله هو أن عليه القيام بتغيير العالم ودورالانسان هو الحلقة المكملة للرعاية الإلهية ولدور الأنبياء!

فمن جهة الله تعالى يخبرنا أنه لن يحدث أي تغيير ما لم يقم الناس بالتغيير: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد:11) فالدور الإلهي في التغيير ليس بديلا عن دور الإنسان بل مكمل له صحيح أن الله تعالى قادر على التغيير بمعزل عن الانسان ولكن هذا الأمر يتنافى مع فلسفة خلق الانسان ودوره والله منزه عن التناقض بين أفعاله.وقد كانت إحدى خطوات التغيير الإلهي الأساسية هي في توفير القائد للتغيير دوما على مدار التاريخ منذ بدء خلق الإنسان وحتى نهاية الوجود البشري على الأرض فالإنسان الأول كان نبيا أي أنه قائد التغيير في الكون والإنسان الأخير فيما لو بقي إنسان واحد سيكون القائد القادر على التغيير ولكن قيام القادة الإلهيين بالتغيير متوقف على استجابة الناس لهم ولدعوتهم والا فإن تغيير المجتمع لن يتم كما في قصة موسى عليه السلام حين طلب من قومه الدخول إلى قرية لمحاربة الجبابرة فرفضوا وتخاذلوا فقال موسى عليه السلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:25) فدور القادة الإلهيين وتوفير الله تعالى لهؤلاء القادة لا يعني أنهم بديل عن دور الناس بل يعني أن جهوزية الناس للقيام بالتغيير تعني حتما توفر القائد الإلهي لعملية التغيير وتعني توفر الرعاية والنصر لهذه العملية وكمثال على ذلك نذكر قصة طالوت التي وردت في سورة البقرة فقد طالب بنو اسرائيل أن يكون لهم قائد يقاتلون تحت رايته وأبدوا استعدادهم للتضحية وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء فكانت النتيجة أن الله تعالى وفر لهم القائد وهو طالوت عليه السلام وفي النهاية أنزل الله نصره عليهم مع أنهم كانوا فئة قليلة.

إن فهم دور الله تعالى ودور الأنبياء ودور الإنسان بشكل صحيح يبين أن الله تعالى لم يترك عباده المستضعفين والمظلومين وأن الله تعالى لا يرضى بالظلم لعباده وكذلك يبين أن معنى النبوة هو قيادة عملية التغيير في العالم كما يبين أن دور الانسان ليس في رفع الشكوى وذرف الدموع بل إن دور الانسان أن يكون في موقع الفعل في عملية التغيير لا الانفعال.

31-01-2017 عدد القراءات 622



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا