23 شباط 2020 م الموافق لـ 28 جمادى الثانية 1441 هـ
En FR

تساؤلات وردود :: كيف نرد على شبهات الوهابية؟

البداء



كلام حول البداء

يقول الكاتب أنه ورد في الكافي بسند صحيح أنه الله عيّن قيام القائم في سنة 70 للهجرة لكن لما قتل الناس الإمام الحسين (عليه السلام) غضب الله على أهل الأرض وأخّره إلى سنة 140 للهجرة لكن لما أذاعوا الأمر أجّل الله الموعد إلى أجل لم يسمّه لنا. وفي رواية أخرى أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) نصّب إسماعيل إماماً بعده لكن لما أتى إسماعيل بعمل ما عزله وجعل الإمامة في موسى ولما سُئل عن ذلك قال قد بدا لله في إسماعيل. فإذا كان الأمر كذلك فيمكن لكلّ شخص أن يدّعي الألوهيّة.

كانت مسألة البداء ولسنين طويلة مثار جدل بين السنّة والشيعة وهي من مسائل الفلسفة التي قيلت فيها الكلمات وجرت المحاورات. وهذا قد سمع عنها حديثاً ولم يسعفه الإدراك كي يراجع موارد المناقشات في كتب علم الكلام والفلسفة أو على الأقل الكتب التي شرحت الأحاديث لينظر في جوابها. ومن دون أية فائدة يحاول لفت نظرنا ونظر الآخرين إليها. ما الذي يجب فعله وابن آدم في هذه الحياة سيواجه شاء أم أبى وقائع لا يتوقعها ولا يريدها. ولم يخطر على بالنا يوماً أن نناقش ولداً أو ولدين جاهلين في بحث من مباحث الفلسفة العليا وفي بحوث لها موازينها الدقيقة جداً واللطيفة، وأن نخوض فيها بحثاً سوقياً صبيانياً لتقرب إلى أفهامهم فنحن نبحث عن هذا المطلب بمقدار ما يناسب هذه الأوراق ونوكل التحليل العلمي والفلسفي إلى الكتب التي اشتملت عليه كالشفاء للشيخ الرئيس والأسفار لصدر المتألّهين ونبراس الضياء للمحقّق الداماد وسائر الكتب المؤلفة في هذا الباب وجميعنا يعلم وقد نصّ عليه في كتب علماء الإمامية وأعاظم الشيعة من زمان الأئمّة إلى الآن كل بدوره وكتب باهتمام شديد، إنّ البداء بمعنى أن يتخذ الله تصميماً على فعل ثم يعدل عنه أمر محال غير ممكن وقد ذكر علماؤنا أنّ من يعتقد ذلك في حقّ الله كافر ولا يوجد بين الشيعة طّراً من يقول بذلك كما توهّم ونحن بافتخار كامل واطمئنان نقول إنه لا يوجد بين جميع المذاهب الإسلامية والفرق البشرية مثل مذهب الشيعة في تقديس الله وتنزيهه عن الأشياء غير الجائزة عليه ومن ينكر ذلك فليراجع كتب علمائنا الكبار ابتداء من زمان الغيبة حتى الآن ككتب السيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والخواجة نصير الدين الطوسي والصدوق ومن المتأخرين المحقق الداماد وصدر المتألّهين والفيض الكاشاني والمجلسيان الأول والثاني وسائر علماء هذه الطائفة فإن جميع هؤلاء المحقّقين والعلماء جزموا بعدم إمكان ذلك في حقّه تعالى. فماذا يجب أن نفعل إن كان هؤلاء الثرثارون ينسبون إلينا أننا ندلّ على إله يتخذ تصميماً على أمر ويتراجع عنه ويفسّرون رواية كما يحلو لهم وينسبون هذا التفسير للمؤمنين وهو تفسير واهٍ. أليست هذه خيانة، أليست خديعة، أليست فساداً. يجب أن يقال إن غرض هؤلاء إساءة نظرة المجتمع إلى أعاظم الدين.

معنى الرواية وحقيقة البداء:
البداء في اللغة العربية بمعنى الظهور فالله تعالى يُظهر أحياناً ولمصالح معيّنة يقصر إدراك البشر عن فهمها، يُظهر شيئاً بحيث يظنّ الإنسان أنّ هذا العمل مراد الله لكن لا يفعل الله ذلك ولم يكن يريده من أول الأمر ففي أيام مزوردين يكون الرعد والبرق وتغطي الغيوم والشمس فيظهر للجميع مقدّمات المطر فيقول الناس أرسل الله المطر وهذا رحمة منه فلا يمضي وقت حتى تتفرّق الغيوم وتنكشف الشمس من بين الغيوم دون أن تمطر والله من أول الأمر لم يكن يريد للسماء أن تمطر. وما أظهره من صوت مهيب ورعد وبرق أوهم الناس بذلك وأسرار العالم كثيرة فلعلّ هذا منها. وقد يكون لكم ولد عزيز كثير المرح تريد أن تخوّفه فتأتي بخشبة وتهيّئ له الفلقة وتكون قد دبّرت أن يتوسّط أحد وعندما يتوسّط ذلك الشخص لا تضربه فأنت لم تكن تريد ضربه من أول الأمر ولم تغيّر عزمك وتصميمك إنما أظهرت أنك تراجعت. فالإمام بيّن للناس بأمر الله أن إسماعيل هو الإمام لمصلحة خفيّة لا نعلمها ثم عرّف أنّ موسى بن جعفر هو الإمام فيظن الجاهل أن الله بدّل رأيه لكن الله رأى أن في إظهار الإمامة لإسماعيل مصلحة ثم يظهر ما كان يريده من أول الأمر بالإرادة الإلهيّة الحتميّة والتصميم الإلهي الذي لا يتزعزع. وهذا هو أحد معاني البداء الذي لا إشكال فيه أبداً وهو ظاهر كثير من الآيات والأخبار. إضافة إلى أنّ حديث البداء المتعلق بإسماعيل مردود عند علماءنا لأنّ الأئمّة الاثني عشر معروفون بأسمائهم – من زمان النبيّ (ص) حتى زمان الإمام الصادق (عليه السلام) – عند أصحابهم (عليهم السلام) بالاسم والرسم وكل من يراجع كتب الأحاديث لا يبقى عنده شك في أنه حديث مردود مناف لجميع الأحاديث.

المعنى الآخر للبداء:
هو أنّ بعض الأمور ترتبط ببعضها البعض بحيث إذا لم يوجد أحدها يثبت للآخر حكم وإذا وجد ثبت له حكم آخر. فالحرب الأوروبية المميتة إن لم تحصل لكانت المواد الغذائية في إيران متوفرة وبسعر منخفض لكن لمّا اندلعت الحرب حصل الغلاء وقلّت المواد. فهذان الأمران مترابطان. وأنت مثلاً تؤدب ولدك إذا عصاك لكنه لم يعصك فلا تؤدّبه. فإذا قلت الآن «إنّ إيران هي بطبعها كثيرة المواد والأسعار رخيصة» فأنت لم تخطئ حتى لو وقعت الحرب وقلّت المواد وإن كنت عالماً بوقوعها فهنا أيضاً نقول لو لم تقع حادثة كربلاء لقام الحسين بن علي (عليهما السلام) وحكم العالم لكن لما وقعت تلك الحادثة تأخّر الأمر بسببها. ولو لم يفش الناس سرّ الأئمّة لكان أحد الأئمّة قد نهض سنة 140 وحكم العالم لكن لما أفشوا السرّ تأخر الأمر أيضاً إلى وقت الظهور والله كان يعلم من أول الأمر أنّ واقعة كربلاء ستحدث وإنّ الناس يفشون الأسرار وكان التصميم لو لم تحصل حادثة كربلاء أن يحدث ذلك لكن لما كان يعلم أن الواقعة ستحدث فإذن هو من أول الأمر لم يصمّم.

أمثال هذا الحديث في القرآن كثيرة:
ظنّ هؤلاء أن رواية الكافي هي الوحيد في هذا المجال فنقلوا الرواية في ضجّة مفتعلة واعتقدوا أنهم جاؤوا بإشكال كبير غافلين عن أن في القرآن مثله بحيث يرد عليه هذا الإشكال بلا أي فرق والآيات كثيرة أجاب العلماء الكبار الإسلاميون عن ما يرد عليها من إشكالات ونذكر بعضها كي يرى القرّاء المحترمون أن هدفهم الأصلي من الإشكال على الأحاديث النيل من القرآن.
سورة الرعد، الآية 39: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
سورة البقرة، الآية 106: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَ.

فقولوا إذن إنّ هذا الإله كثير الخيال يأخذ اليوم تصميماً يتراجع عنه غداً، يثبت اليوم شيئاً ويأتي اليوم بآية ويمحوها غداً وينسخها ويأتي بغيرها. وماذا تقولون فيما ورد في الآيات حول استجابة الدعاء وقبول التوبة مثلاً في سورة المؤمن الآية 60: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فلتحذف هذه الآيات من القرآن وإلا فإنها ما دامت موجودة فالإشكال على ذلك الحديث لا قيمة له هنا أيضاً يجب أن يقولوا ما هو هذا الإله الكثير الخيال يقرّر اليوم شيئاً كأن يمرض شخصاً أو يميته ثم يعدل عن قراره، بل قولوا أكثر من ذلك من هو هذا الإله الكثير الخيال الذي ينشر بين الناس يوماً دين موسى ويجعل التوراة كتاب البشر الديني ثم يعدل عن ذلك وينشر دين الإسلام فعاندوا وقولوا هذه الأديان ليست من الله. أكثر من ذلك قولوا إن الله يخلق اليم جماعة فيندم غداً فيخلق خلقاً آخر ويميت الأوائل فأيّ إله هذا الذي يُمرض أحياناً ويعافي أحياناً أخرى يقرّر أن يعذّب المذنبين فيتوبون ويدخلهم الجنّة يجعل يوماً فلاناً ملكاً ويسلّطه على الناس ثم يذلّه. ويأمر إبراهيم الخليل بأن يذبح إسماعيل لكن عندما يريد أن يقدم على ذلك يرسل الله الفداء. ويعد موسى بن عمران بثلاثين يوماً وعندما تنتهي يضيف إليها عشرة أيام أخرى. إنّ العالم كله مبنيّ على هذه التغييرات والتبديلات والزمان دائماً عرضة للحوادث اليومية. فهل تقولون إن الله لا علاقة له بهذه الأمور بل ذهب واستراح أم تقولون إنّ التصرف في جميع الأمور حقّه والحجر لا يتحرّك من مكانه إلا بإرادته فاللازم أن تعفو الله من صفة الربوبيّة حتى يكون إشكالكم وارداً على حديث الكافي الصحيح وكي تأخذوا ثاراتكم القديمة من العرب وأولاد العرب.

وليعلم القرّاء أن هذه الإشكالات وأمثالها التي ذكرناها قد بحث عن كل واحد منها في الفلسفة العليا كثيراً وأعطي الجواب لجميعها مع الأدلّة الواضحة عليها وهؤلاء الذين يذكرون أمثال هذه الإشكالات تقصر أفهامهم عن الوصول إلى هذه المطالب العالية وهم لا خبر لهم عن القرآن والحديث.

15-12-2016 عدد القراءات 1877



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا