20 نيسان 2018 الموافق لـ 03 شعبان 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: النزول واسبابه

أسباب النزول



ان كثيرا من السور والآيات ترتبط بالحوادث والاحداث التي وقعت ايام الدعوة كسورة البقرة والحشر العاديات1، او نزلت لحاجات ضرورية من الأحكام والقوانين الاسلامية كسورة النساء والأنفال والطلاق وأشباهها2.

هذه القضايا التي سببت نزول السور أو الآية هي المسماة بـ"أسباب النزول"، ومعرفتها تساعد إلى حد كبير في معرفة الآية المباركة وما فيها من المعاني والاسرار.

ومن هنا اهتم جماعة من محدثي الصحابة والتابعين بأحاديث أسباب النزول، فنقلوا احاديث كثيرة من هذا القبيل.

هذه الأحاديث من طرق أهل السنة كثيرة جدا ربما تبلغ عدة آلاف حديثا، وأما من طريق الشيعة فهي قليلة وربما لا تبلغ الا عدة مئات. ويلاحظ أن كل هذه الأحاديث ليست مسندة وصحيحة بل فيها المرسل الضعيف أيضا، والنظر والتأمل فيها يدعو الانسان إلى الشك فيها، لأنها:

أولا: سياق كثير منها يدل على أن الراوي لاينقل السبب من طريق المشافهة والتحمل والحفاظ، بل ينقل قصة ما ثم يحمل الآيات عليها حملا ويربطها بها ربطا، وفي الحقيقة سبب النزول الذي يذكره انما هو سبب اجتهادي نظري وليس بسبب شاهده بالعيان وضبطه بحدوده الدقيقة.

والشاهد على مانقول التناقض الكثير في هذه الأحاديث ونعني به أن الآية الواحدة يذكر فيها عدة أحاديث في أسباب النزول يناقض بعضها بعضا ولايمكن جمعها بشكل من الأشكال حتى في بعض الآيات يذكر عن شخص واحد كابن عباس مثلا أسبابا للنزول لايمكن الجمع بينها.

ان ورود هذه الأحاديث المتناقضة المتهافتة لايمكن حمله الا على أحد محملين: اما أن نقول ان اسباب النزول هذه نظرية اجتهادية وليست بنقلية وكان كل محدث يحاول أن يربط بين قصة ما والآية ربطا لاحقيقة له في الخارج، أو نقول بأن هذه الأحاديث كلها أو جلها مدسوسة ليس لها ظل من الواقع.

مع ورود هذه الاحتمالات تسقط أحاديث أسباب النزول عن الاعتبار، ولهذا لايمكن الاطمئنان حتى على الأحاديث التي أسانيدها صحيحة، لأن صحة السند يرفع الكذب عن رجال السند أو عدم تضعيفهم، ولكن احتمال الدس أو أعمال النظر الخاص يبقى بحاله.

وثانيا: ثبت تاريخيا أن الخلافة كانت تمنع عن كتابة الحديث، وكلما كانوا يعثرون على ورقة أو لوحة كتب فيها الحديث كانت تحرق، وبقي هذا المنع إلى آخر القرن الأول الهجري، أي لمدة تسعين سنة تقريبا.

هذا المنع فتح للرواة طريق النقل بالمعنى، وكان الحديث يمنى بتغييرات كلما حدث راو إلى راو آخر حتى أصبحت الأحاديث تروى على غير وجهها. وهذا واضح بين لمن راجع قصة ورد فيها أحاديث طرق مختلفة، فان الانسان ربما يشاهد حديثين في قصة واحدة لايمكن اجتماعهما في نقطة من النقاط وشيوع النقل بالمعنى بهذا الشكل المريب هو أحد الأشياء التي تسبب عدم الوزن لأحاديث أسباب النزول وقلة اعتبارها.

ان شيوع الدس في الحديث والكذب على الرسول ودخول الاسرائيليات في الروايات وما صنعه المنافقون وذوو الاغراض بالاضافة إلى النقل بالمعنى وماقيل في الوجه الاول.. كل هذا قلل من قيمة أحاديث أسباب النزول وأسقطها عن الاعتبار.


المنهج الذي لابد ان يتخذ في أسباب النزول
لقد ذكرنا في الفصول السابقة أن الحديث يحتاج إلى التأييد القرآني، وعلى هذا يجب عرض الحديث على القرآن كما ورد في أحاديث عن الرسول واهل بيته عليهم السلام.

وعليه سبب النزول الوارد حول آية من الآيات لو لم يكن متواترا أو قطعي الصدور يجب عرضه علىالقرآن، مما وافقه مضمونه مضمون الآية يؤخذ به ويعمل عليه. ومعنى هذا أن الحديث هو الذي يعرض دائما على القرآن لا القرآن يعرض على الحديث.

وهذه الطريقة تسقط اكثر أحاديث أسباب النزول عن الاعتبار، الا أن الباقي منها يكسب كل الاعتبار والوثوق.

وليعلم أن الأهداف القرآنية العالية التي هي المعارف العالمية الدائمة لاتحتاج كثيرا أو لاتحتاج أبدا إلى أسباب النزول.

ترتيب نزول السور
لاشك ان السور والآيات القرآنية لم تثبت في القرآن على ترتيب نزولها على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وعلماء الاسلام الماضون وخاصة أهل السنة منهم كانوا يعتمدون في ترتيب السور والآيات على الحديث، ومن الأحاديث المذكورة بهذا الشأن حديث مروي عن ابن عباس حيث يقول3.

كانت اذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ماشاء، وكان أول مانزل من القرآن
1- أقرأ باسك ربك
2- ثم "ن"
3- ثم أيها المزمل
4- ثم يا أيها المدثر
5- ثم تبت يدا أبى لهب
6- ثم اذا الشمس كورت
7- ثم سبح اسم ربك الأعلى
8- ثم والليل اذا يغشى
9- ثم والفجر
10- ثم والضحى
11- ثم ألم نشرح
12- ثم والعصر
13- ثم والعاديات
14- ثم إن أعطيناك
15- ثم ألهاكم التكاثر
16- ثم أرايت الذي يكذب
17- ثم قل يا أيها الكافرون
18- ثم ألم تر كيف فعل ربك
-19 ثم قل أعوذ برب الفلق
20- ثم قل أعوذ برب الناس
21- ثم قل هو الله أحد
22- ثم والنجم
23- ثم عبس
24- ثم انا أنزلناه في ليلة القدر
25- ثم والشمس وضحاها
26- ثم والسماء ذات البروج
27- ثم والتين
28- ثم لأيلاف قريش
29- ثم القارعة
30- ثم لا أقسم بيوم القيامة
31- ثم ويل لكل همزة لمزة
32- ثم والمرسلات
33- ثم "ق"
34- ثم لاأقسم بهذا البلد
35- ثم والسماء والطارق
36- ثم اقتربت الساعة
37- ثم صلى الله عليه وآله وسلم
38- ثم الأعراف
39- ثم قل أوحي
40- ثم يس
41- ثم الفرقان
42- ثم الملائكة
43- ثم كهيعص
44- ثم طه
45- ثم الواقعة
46- ثم طسم الشعراء
47- ثم طس
48- ثم القصص
49- ثم بني اسرائيل
50- ثم يونس
51- ثم هود
52- ثم يوسف
53- ثم الحجر
54- ثم الانعام
55- ثم الصافات
56- ثم لقمان
57-ثم سبأ
58- ثم الزمر
59- ثم حم المؤمن
60- ثم حم السجدة
61- ثم حمعق
62- ثم حم الزخرف
63- ثم الدخان
64- ثم الجاثية
65- ثم الأحقاف
66- ثم الذاريات
67- ثم الغاشية
68- ثم الكهف
69- ثم النحل
70- ثم انا أرسلنا نوحا
71- ثم ابراهيم
72- ثم الأنبياء
73- ثم المؤمنين
74- ثم تنزيل السجدة
75- ثم الطور
76- ثم تبارك الملك
77- ثم الحاقة
78- ثم سأل
79- ثم عم يتساءلون
80- ثم النازعات
81- ثم اذا السماء انفطرت
82- ثم اذا السماء انشقت
83- ثم الروم
84- ثم العنكبوت
85- ثم ويل للمطففين

قال ابن عباس: فهذا ما أنزل الله بمكة، ثم أنزل بالمدينة
86- سورة البقرة
87- ثم الانفال
88- ثم آل عمران
89- ثم الأحزاب
90- ثم الممتحنة
91- ثم النساء
92- ثم اذا زلزلت
93- ثم الحديد
94- ثم القتال
95- ثم الرعد
96- ثم الرحمن
97- ثم الانسان
98- ثم الطلاق
99- ثم لم يكن
100- ثم الحشر
101- ثم اذا جاء نصر الله
102- ثم النور
103- ثم الحج
104- ثم المنافقون
105- ثم المجادلة
106- ثم الحجرات
107- ثم التحريم
108- ثم الجمعة
109- ثم التغابن
110- ثم الصف
111- ثم الفتح
112- ثم المائدة
113- ثم البراءة


القرآن في الإسلام
نظرة في الحديث والاحاديث الاخرى

الحديث المنقول عن ابن عباس عدد السور (113) سورة كما رأيت ولم يذكر سورة الفاتحة.

وفي حديث رواه البيهقي4 عن عكرمة عدد السور(111) سورة ولم يذكر سورة الفاتحة والأعراف والشورى، كما أنه روى حديثا آخر عن ابن عباس ذكر فيه (114) سورة، الا ان الراويتين: أولا اعتبرتا سورة المطففين من السور المدنية بخلاف الحديث السابق الذي ذكر سورة المطففين أنها مكية وثانيا تغاير ترتيب السور فيها مع ماذكرنا سابقا.

وروي حديث آخر عن علي بن ابي طلحة5 يقول فيه: نزلت بالمدينة سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والانفال والتوبة والحج والنور والأحزاب والذين كفروا والفتح والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والحوريين يريد الصف والتغابن ويا أيها النبي اذا طلقتم النساء ويا أيها النبي لم تحرم والفجر والليل وانا أنزلناه في ليلة القدر ولم يكن واذا زلزلت واذا جاء نصر الله، وسائر ذلك بمكة.

الظاهر أن هذا الحديث يريد التفرقة والتمييز بين السور المكية والمدنية من دون نظر إلى ترتيب النزول، لأن سورتي المائدة والتوبة بلا شك تقعان في الترتيب بعد ما هو مذكور بكثير، وقد عدد سورة الفجر والليل والقدر من السور المدنية بينما الأحاديث السابقة عدتها من السور المكية، كما أنه جعل سورة الرعد والرحمن والانسان والجمعة والحجرات مكية وهي مدنية في الاحاديث السابقة.

وفي حديث عن قتادة6 انه قال: نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وبراءة والرعد والنحل والحج والنور والاحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والرحمن والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق ويا أيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر. واذا زلزلت واذا جاء نصر الله، وسائر القرآن نزل بمكة.

هذا الحديث يخالف الأحاديث السابقة وخاصة حديث آخر مروي عن قتادة نفسه في سورة المطففين والانسان ولم يكن.

والذي يمكن ان يقال في هذه الاحاديث انه لايمكن الاعتماد عليها بوجه من الوجوه، لانه ليس لها قيمة الاحاديث الدينية ولاقيمة النقول التاريخية. أما أنها ليس لها قيمة الاحاديث الدينية فلأنها لم يتصل سندها بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعلم ان ابن عباس مثلا تعلم الترتيب من النبي أو من انسان آخر أو هو اجتهادي نظري. وأما من الوجهة التاريخية فلأن ابن عباس مثلا ادرك مدة قصيرة من حياة الرسول ولم يكن معه دائما حتى يشاهد كيفية نزول كل السور والآيات، فلو لم يكن اجتهد في هذا التريب فلابد أنه نقله من انسان آخر لم نعلم شخصه، فهذا نقل تاريخي لم يذكر فيه المصدر فليس له قيمة في سوق التحقيق.
وعلى فرض صحة هذه الأحاديث واستقامتها فهي من قبيل الخبر الواحد، وقد ثبت في أصول الفقه ان الخبر الواحد غير حجة في ماعدا الفقه.

فاذا الطريقة الوحيدة لمعرفة المكي والمدني هو التدبر في الآيات والنظر في مدى موافقتها لما جرى قبل الهجرة أو بعدها هذه الطريقة مفيدة إلى حد ما للتمييز بين المكي والمدني، فان مضامين سورة الانسان والعاديات والمطففين تشهد بأنها مدنية بالرغم من أنها ذكرت في بعض الأحاديث على انها مكية.

*القرآن في الاسلام، دار الزهراء عليها السلام للنشر والتوزيع، ط3، ص123-132.


1- نزلت سورة البقرة في السنة الأولى من الهجرة، كثير من آياتها في تقريع اليهود الذين كانوا يقفون دون التقدم الاسلامي، وبقية آياتها في تشريع بعض الأحكام كتغيير القبلة وتشريع الصوم والحج وغيرها. وسورة الحشر نزلت في خصوص جلاء يهود بني النضير، وسورة العاديات نزلت في خصوص أعراب وادي يابس أو غيرهم.
2- سورة النساء تتحدث عن أحكام الزواج وارث المرأة، وسورة الأنفال تتحدث عن غنائم الحرب والأسراء، وسورة الطلاق تتحدث عن خصوص أحكام الطلاق.
3- الاتقان1/10، نقلا عن فضائل القرآن لابن ضريس.
4- الاتقان1/10.
5- المصدر السابق.
6- الاتقان1/11.

20-10-2009 عدد القراءات 12275



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا