20 أيلول 2017 الموافق لـ 29 ذو الحجة 1438
En FR

العقيدة الإسلامية :: يوم القيامة

هل المعاد جسماني أم روحاني؟



قد تعرفت على الدلائل التي أفادت ضرورة وقوع المعاد، كما تعرفت على الآيات التي تشير إلى تلك الدلائل، لكن يقع الكلام في كيفية المعاد، وهل هو جسماني وروحاني، أجسماني وروحاني معاً.وقبل بيان المراد من الجسمانية والروحانية، نشير إلى كلمات تذكر الأقوال والآراء الموجودة في الكيفية.

1- قال الرازي: "اختلفت أقوال أهل العالم في أمر المعاد على وجوه:

أ- أنّ المعاد ليس إلا للنفس، وهو مذهب الجمهور من الفلاسفة.
ب- أن المعاد ليس إلا لهذا البدن، وهو قول نفاة النفس الناطقة، وهم أكثر أهل الإسلام.
ج- أنّ المعاد للأمرين، وهم طائفة كبيرة من المسلمين "1

2- وقال العلامة الحلّي:" اتفق المسلمون على إعادة الأجسام خلافاً للفلاسفة"2.

3-وقال الدواني: "المعاد الجسماني هو المتبادر من إطلاق أهل الشرع، إذ هو الّذي يجب الاعتقاد به، ويكفر من أنكره، وهو حق، لشهادة نصوص القرآن في مواضع متعددة بحيث لا تقبل التأويل، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ... إلى قوله: بِكُلِّ خَلْق عَلِيمٌ(يس:77-79). قال المفسرون نزلت هذه الآية في أُبىّ بن كعب فإنه خاصم رسول الله وأتاه بعظم قد رمّ وبلى، ففتّه بيده وقال: يا محمد، أترى الله يحيي هذه بعدما رمّت، قال: نعم، ويبعثك ويدخلك النار. "وهذا مما يقلع عرق التأويل بالكلية، ولذلك قال الإمام (الرازى): إنّه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي وإنكار الحشر الجسماني"3.

4- قال صدر المتألهين: اتّفق المحققون من الفلاسفة والملّيين على أحقّية المعاد، وثبوت النشأة الباقية، لكنهم اختلفوا في كيفيته، فذهب جمهور الإسلاميين وعامة الفقهاء وأصحاب الحديث إلى أنه جسماني فقط، بناء على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد، والزيت في الزيتونة، وذهب جمهور الفلاسفة وأتباع المشّائين إلى أنّه روحاني أي عقلي فقط لأنّ البدن ينعدم بصوره وأعراضه لقطع تعلق النفس بها، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى، إذ المعدوم لا يعاد، والنفس جوهر باق لا سبيل للفناء إليه، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلقات بالموت الطبيعي.

وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء وجماعة من المتكلمين كالغزالي والكعبي والحليمي والراغب الأصفهاني وكثير من أصحابنا الإمامية كالشيخ المفيد، وأبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والمحقق الطوسى، والعلامة الحلّي، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى القول بالمعادين، ذهاباً إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن4.

قال علامة المجلسي: "إعلم أنّ القول بالمعاد الجسماني ممّا اتفق عليه جميع المليين وهو من ضروريات الدين ومنكره خارج من عداد المسلمين، والآيات الكريمة على ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها، والأخبار فيه متواترة لا يمكن ردّها ولا الطعن فيها"5.

إن القضاء البات في هذه الآراء يتوقف على معرفة ملاك توصيف المعاد بالجسماني والروحاني، وإليك بيانه.

ملاك كون المعاد جسمانياً أو روحانياً
إن لتوصيف المعاد بالجسماني والروحاني، أوهما معاً، ملاكين، هما

الملاك الأول: ما يرجع إلى اتخاذ موقف حاسم في حقيقة الإنسان، وأنّها ما هي، فلو قلنا بأن الإنسان عبارة عن هذا الهيكل الجسماني، وليس للروح حقيقة وراء التفاعلات والانفعالات المادية الفيزيائية والكيميائية، وهي سارية في البدن سريان النار في الفحم، والماء في الورد "لو قلنا بهذا" فلا مناص للقائل بالمعاد من توصيفه بكونه جسمانياً فقط، إذ ليس هناك وراء الجسم، والتأثير الماديين، شيء آخر حتى يعاد.

وأما لو قلنا بأنّ وراء الجسم، ووراء التفاعلات المادية، جوهر حقيقي مدرك، له تعلق بالبدن، تعلّقاً تدبيرياً ما دامت العلقة باقية، فإذا زالت يكون له البقاء ولا يتطرق إليه الفناء. فلو قلنا بذلك، ثم قلنا بأنّه سبحانه يبعث الروح مع البدن، فالمعاد يكون جسمانياً من جهة، وروحانياً من جهة أخرى، لكون المبعوث ممزوجاً من شيئين ومؤلّفاً من أمرين، ولكل معاد.

وأما لو قلنا بأنّ الروح " بعد مفارقتها البدن" لا ترجع إليه، لعلة ما، فعندئذ تبعث الروح وحدها من دون تعلّقها بالبدن، فيكون المعاد روحانياً فقط، وهذا الملاك هو الذي يلوح من كلام صدر المتألهين، وصهره عبد الرزّاق اللاهيجي6 .

الملاك الثاني: إنّ هناك ملاكاً آخر لكون المعاد جسمانياً، وروحانياً، يلوح ذلك من كلمات الشيخ الرئيس، وهو تقسيم المعاد إلى الجسماني والروحاني، حسب الثواب والعقاب الموعودين: فلو قلنا: إنّ العذاب والعقاب ينحصران بالجسماني منهما، كنعيم الجنّة وحرّ الجحيم، فيكون المعاد معاداً جسمانياً فقط، وأما لو قلنا بأنّ هناك "وراء ذلك" ثواباً وعقاباً عقليين لا يمتّان إلى البدن بصلة، بل يلتذ ويعاقب بهما الروح فقط، فيكون المعاد، وراء كونه جسمانياً، روحانياً أيضاً، وبعبارة أخرى: التذاذ النفس وتألّمها باللذات والآلام العقلية، فهذه أملاك كون المعاد، روحانياً.

قال الشيخ الرئيس: "يجب أن يعلم أنّ المعاد منه ما هو مقبول من الشرع، ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة، وهو الّذي للبدن عند البعث، وخيراته وشروره معلومٌ لا يحتاج إلى أن يعلم، وقد بسطت الشريعة الحقّة التّي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله، حال السعادة والشقاء التي بحسب البدن.ومنه ما هو معلوم مدرك بالعقل والقياس البرهاني، وقد صدقته النبوة وهو السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس إلى نفس الأمر، وإن كانت الأوهام منّا تقصر عن تصورهما الآن. والحكماء الإلهيون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أكثر من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية، بل كأنهم لا يتلفتون إلى تلك وإن أعطوها، فلا يستعظمونها في جنب السعادة التّي هي مقاربة الحق الأول"7 .

قال الإمام الرازي: "أمّا القائلون بالمعاد الروحاني والجسماني معاً… فقد أرادوا ان يجمعوا بين الحكمة والشريعة فقالوا: دلّ العقل على أنّ سعادة الأرواح بمعرفة الله تعالى ومحبّته، وأنّ سعادة الأجساد في إدراك المحسوسات، والجمع بين هاتين السعادتين في هذه الحياة غير ممكن، لأن الإنسان مع استغراقه في تجلّي أنوار عالم القدس، لا يمكنه أن يلتفت إلى شيء من اللذات الروحانية، وإنما تعذر هذا الجمع، لكون الأرواح البشرية ضعيفة في هذا العالم، فإذا فارقت بالموت، واستمدت من عالم القدس والطهارة،قويت وصارت قادرة على الجمع بين الأمرين، ولا شبهة في أنّ هذه الحالة هي الحالة القصوى من مراتب السعادات "8 .

قال الحكيم السبزواري: "القول الفحل والرأي الجزل، هو الجمع بين المعادين لأن الإنسان بدن ونفس، وإن شئت قلت نفس وعقل، فللبدن كمال، ومجازاة، وللنفس كمال ومجازاة وكذا للنفس وقواها الجزئية كمالات وغايات تناسبها وللعقل والقوى الكلية كمال وغاية، ولأنّ أكثر الناس لا يناسبهم الغايات الروحانية العقلية، فيلزم التعطيل في حقهم في القول بالروحاني فقط، وفي القول بالجسماني فقط يلزم في الأقلين من الخواص والأخصّين "9.

حليل الملاكين في ضوء القرآن الكريم
اذا كان الملاك في توصيف المعاد بالجسماني والروحاني هو كون المحشور الجسم الحي وحده أوالروح وحدها … فالقرآن الكريم يصدّق الأول وينكر الثاني، وذلك أنّ من أمعن النظر في الآيات الواردة حو ل المعاد يقف على أنّ المعاد الّذي يصر عليه القرآن هو عود البدن الذي كان الإنسان يعيش به في هذه الدنيا، ولا يصدّق عود الروح وحدها فقط. ويظهر ذلك من ملاحظة أصناف الآيات الواردة حول المعاد، ونحن نأتي فيما يلي بلفيف منها:

1ـ ما ورد في قصة إبراهيم وبقرة بني إسرائيل وإحياء عزير، وأُمّة من بني إسرائيل وأصحاب الكهف.

2ـ الآيات التي تصرح بأنّ الإنسان خلق من الأرض وإليها يعاد، ومنها يخرج.

يقول سبحانه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرى(طه:55).

ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا(نوح:18).

ويقول سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ(الروم:25). 

ويقول سبحانه ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ(الأعراف:25).

3ـ الآيات التي تدل على أنّ الحشر عبارة عن الخروج من الأجداث والقبور، مثل قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ(يس:51).

وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ(القمر:7).

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ(المعارج:43).

وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور(الحج:7).

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ(الإنفطار:4).

وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ(العاديات:9).

4- ما يدل على شهادة الأعضاء. قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(النور:24).

وقال تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(يس:65).

وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ(فصلت:41).

5- ما يدل على تبديل الجلود بعد نضجها وتقطّع الأمعاء. قال سبحانه: ﴿ركُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَر(النساء:56).

وقال سبحانه: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيًما فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ(محمد:15).

إلى غير ذلك من الآيات الواردة في مواقف القيامة، ومشاهدها، ونعيم الجنة وعذاب الجحيم، التّي لا تدع لمريب ريباً في أنّ الإنسان سوف يبعث بهذا البدن العنصري الذي تكون له الحياة بالنحو الذي كانت له في الدنيا، وهذا مما لا نشك فيه.

هذا كله حول الملاك الأوّل، وإليك البحث في الملاك الثاني الذي حاصله أنّ اتصاف المعاد بالجسماني أو الروحاني، يرجع إلى كون الثواب والعقاب جسمانيين فقط، وأنّ هناك لذات وآلام روحية تلتذ بها النفس أو تتألّم، ولادخالة للجسم في حصول اللّذة والألم.

إن القرآن الكريم يصدّق كلا المعادين بهذا الملاك حيث يثبت اللذات والآلام الجسمانية والروحانية، ولا يخص الثواب والعقاب بما يعرض للنفس عن طريق البدن، وبواسطته. وإليك ما يدل على ذلك:

أما ما يدل على الثواب والعقاب الجسمانيين، فحدّث عنه ولا حرج، فالجنة والنار وما فيهما من النعم والنقم يرجعان إلى اللذات والآلام الجسمانية. وإنما الكلام فيما يدل من الآيات على اللذات والآلام الروحية فقط، وفيما يلي نذكر بعضاً منها:

1ـ لذة رضاء المعبود
يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم(التوبة:72).

فترى أنهّ سبحانه يجعل رضوان الله في مقابل سائر اللّذات الجسمانية، ويصفه بكونه أكبر من الأولى، وأنّه هو الفوز العظيم.

ومن المعلوم أنّ هذا النوع من اللذّة لا يرجع إلى الجسم، بل هي لذّة تدرك بالعقل، والروح في درجتها القصوى.

وهنا كلمة مروية عن الإمام الطاهر علي بن الحسين قال: إذا صار أهل الجنة، ودخل ولىّ الله إلى جنانه ومساكنه، واتكأ كل مؤمن منهم على أريكته، حفته خدّامه وتهدلت عليه الثمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزرابي، وصففت له النمارق، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك، قال :ويخرجون عليهم الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ماشاء الله.

ثم إنّ الجبار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري، هل أنبئكم بخير ممّا أنتم فيه، فيقولون ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه، نحن فيما اشتهت أنفسنا، ولذّت أعيننا من النعم في جوار الكريم، قال فيعود عليهم بالقول، فيقولوا: ربّنا نعم، فائتنا بخير ممّا نحن فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى: رضائي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه، قال: فيقولون نعم يا ربنا، رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا. ثم قرأ علي بن الحسين هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ10 .

2- ألم الابتعاد عن رحمة الله
إذا كان إدراك رضوان المعبود أعظم اللذات العقلية، فادراك الابتعاد عن رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، من أعظم الآلام العقلية. ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يوعد المنافقين والكفار بالنّار، ويعقبه بلعنهم. فكأنّ هناك ألمينْ: جسمي هو التعذيب بالنار، وعقلي، وهو إدراكهم ألم الابتعاد عن رحمته.

يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ(التوبة:68).

ويظهر عظم هذا الألم، بوقوع هذه الآية قبل آية الرضوان فكأنّ الآيتين تُعْربان عن اللذات والآلام العقلية التّي تدركها الروح بلا حاجة إلى الجسم والبدن.

3- الحسرة يوم القيامة
يقول سبحانه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوْا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الاَْسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَات عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(البقرة:166-167).

إن أصحاب الجحيم عندما يقفون على درجات الجنة ومقامات أصحابها، وما حلّ بهم من السعادة والكرامة والراحة والاستظلال برحمة اللّه تبارك وتعالى، وتفرغهم عن كل همّ وحزن، ثم ينظرون إلى ما حلّ بهم من عذاب أليم، وطعام من غسلين11وضريع12وشراب من حميم13يتحسرون على ما ضيّعوا من الفرص، ويندمون على ما فوّتوا في الدنيا وفرطوا في حياتهم، ولكنها الحسرة في وقت لا تنفع فيه.

وهذا النوع من العذاب "أعني: الحسرة" أشد على النفس مما يحل بها من عذاب البدن، ولأجل ذلك يسمى يوم القيامة بيوم الحسرة، قال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَة وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ(مريم:39).

روى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النارَ: قيل يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، وقيل يا أهل النار،، فيشرئبون وينظرون، فيجاء بالموت، كأنّه كبش أمْلَح، فيقال لهم: تعرفون الموت، فيقولون: "هذا، هذا" وكلّ قد عرفه، قال: فيقدم فيُذبَح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. قال: وذلك قوله: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ).

ورُوي هذا الحديث عن الإمامين الصادقين عليهما السَّلام، بزيادة: "فيفْرحُ أهل الجنة فرحاً، لو كان أحد يومئذ ميتاً، لماتوا فرحاً، ويشهق أهل النار شهقة، لو كان أحد ميّتاً، لماتوا"14.

لقاء اللّه ومشاهدته العقلية
إن هناك لفيفاً من الآيات تعرب عن تمكن المؤمن من لقائه سبحانه يوم القيامة، يقول سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(الكهف:110)15 .

الآيات الوافرة تشير إلى لقائه سبحانه. ولكن المفسرين "تنزيهاً له سبحانه عن الجسم والجسمانيات" أوّلوها إلى لقاء جزائه سبحانه وثوابه وعقابه، ورضاه وسخطه، وهذا المعنى مع صحته في نفسه، ومع التركيز على تنزيهه سبحانه عن المشاهدة بالعيون المادية، لا يمكن أن يكون معرباً عن كلّ ما تهدف إليه الآية، فإن لهذه الآيات معنى دقيقاً يدركه العارفون الراسخون في معرفته سبحانه، القائلين بأنّ المعرفة، بذر المشاهدة، لكن لا مشاهدة جسمانية، بل مشاهدة قلبية وعقلية16.

عاد الروحاني عند الحكماء

قد وقفت على تضافر آيات الكتاب وأحاديث السنّة على عدم حصر المعاد في الجسماني، كما تعرفت على حكم العقل في ذلك المجال، وأنّ حصره في المعاد الجسماني يخالف رحمة اللّه الواسعة وحكمته البالغة، وعلى ذلك فالشرع والعقل متعاضدان على أنّ هناك معاداً غير المعاد الجسماني، ولكن يجب إلفات نظر الباحث في المقام إلى نكتة وهي انّ المعاد الروحاني في الكتاب والسنة يرجع الى اللذات والآلام الروحية التّي تلتذ بها النفس وتتألم من دون حاجة إلى آلة جسمانية. وقد عرفت ما هو الوارد في الكتاب في هذا المجال من رضوانه سبحانه ولقائه والابتعاد عن رحمته وإحاطة الحسرة بالإنسان في تلك النشأة، فهذه هي حقيقة المعاد الروحاني التّي تتلخص في غير اللذات والآلام الجسمانية، وعلى هذا فهو يعمّ جميع أهل الجنة والنار من غير فرق بين الكاملين والمتوسطين.

وعلى الجملة هناك لذّات روحية وآلام كذلك تحيط أهل الجنّة والنار من غير فرق بين طبقاتهم. وأمّا المعاد الروحاني عند الحكماء فهو يختلف عمّا وقفنا عليه في الكتاب بأمرين:

الأول: انّهم يخصّون المعاد الروحاني باللذات العقلية أي درك العقل الأمور الملائمة والمنافرة له، فإن اللذة عندهم على وجه الإطلاق تفسّر بإدراك الملائم من حيث هو ملائم، كالحلو من المذوقات. والملائم للنفس الناطقة، إدراك المعقولات بأن تتمكن النفس من تصوّر ما يمكن أن يدرك من الحق تعالى، وأنه واجب الوجود، بريء عن النقائص والشرور والآفات، منبع فيضان الخير على الوجه الأصوب، ثم إدراك ما يترتب بعده من العقول والنفوس المجرّدة والأجرام السماوية والكائنات العنصرية حتى تصير النفس بحيث ترتسم فيها صور جميع الموجودات على الترتيب الّذي هو لها.

وعلى هذا فإدراك الحس، الملائم للحس، معاد جسماني. وإدراك العقل، الملائم له، من الوجودات العالية، معاد روحاني.

وهذه العلوم وإن كانت حاصلة لبعض النفوس في هذه النشأة إلا أنّها معرفة ناقصة تتجلى بعد الموت في النشأة الأُخرى بصورة كاملة برفع الموانع والحجب، فكأنّ المعرفة العقلية بذر المشاهدة. فتلتذ النفوس في النشأة الأخرى بإدراك الأكمل فالأكمل.

وهذا كما ترى غير ما أشار إليه القرآن من اللذات الروحية، نعم لا مانع من ثبوت كلا النوعين من المعاد الروحاني، وليس الوارد في القرآن راداً لهذا القسم.

الثاني: إنّ المعاد الروحاني الوارد في القرآن الكريم يعمّ جميع النفوس، كاملة كانت ومتوسطة وناقصة. ولكن المعاد الروحاني الّذي عليه الحكماء يختص بصنف خاص، وهم الكاملون في المعرفة. وذلك لأنّ المعاد الروحاني حسب الكتاب والسنة، يرجع إلى اللذائذ الروحية لا إلى اللّذة العقلية التّي تختص بالكاملين في المعرفة.

يقول صدر المتألهين: "وهذا النوع من اللذة والسعادة لا تنالها كل نفس وإنما ينالها من عرف العقليات في النشأة الأولى، لأن المعرفة بذر المشاهدة فمعرفة العقليات في النشأة الأولى منشأ الحضور في العقبى"17.

النفوس مختلفة ومنقسمة إلى كاملة ومتوسطة وناقصة، فلا شك أنّ حصر المعاد في الجسماني يخالف رحمته الواسعة وحكمته البالغة إذ النفوس الناقصة والمتوسطة، وإن كانت تلتذ بنعيم الجنة، ولكن النفوس الكاملة لا تلتفت إلى مثلها بل تطلب غاية أعلى منها، ولأجل ذلك يجب أن يكون هناك وراء هذه اللذات الحسية، لذة عقلية تتشوق إليها النفوس الكاملة وتصبو إليها، وليست هي إلا نيل مقامات القرب من الحق تعالى.

يقول الحكيم السبزواري: "لو حصروا المعاد في الجسماني لكان قصوراً حيث عطّلوا النفوس الكاملة عن البلوغ إلى غاياتها، لأنها المستصغرة للغايات الجزئية، الطالبة للاتصال بالأرواح المرسلة، بل لمحض القرب من اللّه تعالى".

وقال في موضع آخر: "إنّ الخلق طبقات فالمجازات متفاوتة، فكل منها محبوب ومرغوب وجزاء يليق بحالها، واللذائذ الحسية للكمّل في العلم والعمل، كالظلّ غير الملتفت إليه بالذات، والتفاتهم بباطن ذواتهم وما فوقهم"18.

ثم  إن للحكماء المتألهين في تبيين السعادة والشقاء الأُخرويين العقليين مباحث مهمة لا سيما في تبيين دور العقل النظري والعملي فيهما، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مظانها19.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني،مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.ج4.


1- نهاية العقول. نقله المجلسي في البحار، لاحظ ج7،ص48.
2-شرح الياقوت، ص 191.
3-شرح العقائد العضدية، ج2،ص 247.
4-الأسفار،ج9،ص 165.
5-بحار الأنوار، ج 7، ص 46. ولاحظ حق اليقين، للسيد شبّر، ج2ص 52. ولا نطيل الكلام بنقل كلمات الآخرين.
6-الأسفار ج 9، ص 165. و"دوهرمراد" المقالة الثالثة، الباب الرابع، ص 449.فارسي.
7-النجاة، ص 291. والشفاء، قسم الإلهيات، المقالة التاسعة، الفصل 7. والظاهر من كلام الشيخ الرئيس أنه لا سبيل إلى المعاد الجسماني إلا بالشريعة وتصديق خبر النبوة، وقد فسّر كلامه بأنه لا يمكن إثبات المعاد الجسماني وعود البدن مع الروح في النشأة الأخرى بالبرهان، وإنما الطريق إليه هو الشريعة. ولكنه تفسير خاطئ، كيف والأقلون من هذا الشيخ الإلهي مرتبة يثبتون ذلك بالبراهين الفلسفية، وإنما مراده من المعاد الجسماني هو اللذات والآلام الجسمانية من الجنة ونعيمها والنار ولهيبها، فإن إثبات خصوص هذه اللذات يرجع إلى السمع وعالم الوحي، ولولا السمع لما قدرنا على الحكم بأنّ لله سبحانه في النشأة الأُخرى هذه النعم والنقم، بل أقصى ما يمكن إثباته هو أن حشر الأجساد يمتنع أن يكون بلا غاية وبلا جهة، وبلا ثواب ولا عقاب، وأما أن الثواب هو نفس ما ورد في الكتاب من الحور العين والفواكه والثمار وغيرها، وأنّ العقاب هو النار ولهيبها. فلا يثبته البرهان. ويؤيد ما ذكرنا أنّه يقول: "وهو الذي للبدن عند البعث وخيراته وشروره معلوم". فالشيخ الرئيس إنما رمي بذلك لعدم تفريقهم بين الملاكين في توصيف المعاد بالجسماني والروحاني، فزعموا أنّ الملاك عنده هو الأول منهما وغفلوا عن أنّ الملاك هو الثاني منهما كما يعلم من التأمل في كلامه.
8-شرح العقائد العضدية للمحقق الدواني، ج1، ص 262-263.
9-الأسفار ج 9، ص 165. تعليقة المحقق السبزواري.
10-حار الأنوار، ج 8، ص 140، كتاب العدل والمعاد، الحديث 57.
11-لحاقة:36.
12-لغاشية:6.
13-لأنعام:70.
14-جمع البيان، ج 3، ص 515
15-رد هذا المضمون في الذكر الحكيم في سور كثيرة منها: (الأنعام:31-154، يونس: 7-11 -15-45، العنكبوت: 5-23، السجدة: 10-23، فصلت:54.
16-ا ذكرناه نماذج من اللذات والآلام الروحية الدالة على أن الثواب والعقاب ليسا محصورين في الجسماني منهما، ومن أراد التوسع فليلاحظ كتاب "لقاء اللّه"، للعارف الكبير، الشيخ جواد الملكي، (م 1344 هـ ) وهناك روايات وردت حول الموضوع، فمن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى توحيد الصدوق، وإلى الموسوعة القرآنية: "مفاهيم القرآن".
17-لأسفار، ج 9، ص 123، و129.
18-احظ إلهيات الشفاء، والمبدأ والمعاد للشيخ الرئيس. والأسفار الأربعة لصدر المتألهين، ج 9 وشرح المنظومة وأسرار الحكم، كلاهما للحكيم السبزواري، وغيرها من كتب الفلاسفة
19- شرح المنظومة للحكيم السبزواري، المقصد السادس، الفريدة الثانية

19-10-2009 عدد القراءات 8794



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا