24 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 05 ربيع الأول 1439هـ
En FR

العقيدة الإسلامية :: أدلة المعاد

مشاهدة البعث في هذا العالم



يستنتج من الآيات القرآنية أن عبدة الأصنام والكفار في عصر الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله لم يكونوا هم وحدهم الذين يستنكرون مسألة المعاد والحياة بعد الموت ويخشونها، بل كانت أقوام في عصور سابقة ترى هذا الرأى، وتسم القائلين به الجنون، وتقول: ﴿هَلْ نَدُلُّكُم عَلَى رَجُل يَنَبِّئُكُم إذا مُزِّقْتُم كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكُم لَفِي خَلْق جَدِيد * اَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أمْ بِهِ جِنَّةٌ(سبأ:7- 8)

نعم، يومئذ كان الناس لجهلهم وقصر نظرهم يتهمون من يعتقد بعالم مابعد الموت وبالحياة الأخروية بالجنون، أو بالتقول على الله، قائلين إن الزعم بانبعاث الحياة في المادة الميتة جنون.

والذي يلفت النظر هو إنَّ القران يواجه هذه الافكار بمجموعة من الاستدلالات المختلفة التي تنفع الفرد العادي كما تنفع العالم المتبحر، كل على قدر مستواه العقلي.

وعلى الرغم من إنَّ شرح هذه الاستدلالات القرآنية يتطلب كتاباً منفصلاً، فإنَّنا نبادر الى ذكر بعض نماذجها
1- يخاطبهم القرآن في بعض آياته قائلا: إنَّكم ترون بأم أعينكم مشاهد من المعاد في حياتكم اليومية، فترون كيف تموت الكائنات وكيف تعود الى الحياة، فكيف تشكون في المعاد بعد كل هذا؟

﴿
واللهُ الّذي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيْرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَد مَيِّت فَأحْيَينَا بِهِ الاَرْضَ بَعْدَ مَوتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ(فاطر:9)

ننظر شتاء ملامح الطّبيعة فنرى إمارات الموت ورائحته تشيع في كل مكان، فالاشجار عارية من أوراقها وثمارها. وتقف خشبة جرداء جافة، فلا زهرة ضاحكة، ولا برعم متفتح، ولا نبضات للحياة تنبعث من جنبات الصحاري وسفوح الجبال.

ثم يحل الرّبيع، ويلطف الجو، وينهمر المطر المحيي من السماء، وإذا بالاشجار تتحرك وتنتعش وتبرز البراعم والازاهير، وتبدأ الطيور تبني أعشاشها بين الأغصان، وينكشف البعث العارم في كل شيء!

فلولا الحياة بعد الموت ما كنا لنشهد هذا المشهد يتكرر كل عام. ولو كانت الحياة بعد الموت مستحيلة، ويعتبر الكلام عليها جنوناً، لما كان هذا يتجسد أمامنا ونراه بأعيننا ونتحسسه بحواسنا.

ولا فرق بين إحياء الأرض بعد موتها وإحياء الانسان بعد موته.

2- وفي مواضع أخرى يأخذ القرآن بأيديهم ليتقدم بهم نحو بداية الخلق، يصف لهم الخلق الأول.

وعندما يتقدم أعرابي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وبيده قطعة عظم بالية، ويصيح: يا محمد: (مَنْ يُحيي العِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ) وكأنه قد أتى بدليل لايمكن دحضه لتفنيد مسألة "المعاد".

فيأتي أمرالله الى رسوله: ﴿قُلْ يُحييها الّذي أنْشَأها أوّل مَرَّة(يس:79).

3- يشير القرآن الى قدرة الله العظيمة بحثّهم على النظر الى هذا الكون الفسيح بسماواته وأرضه، فيقول: ﴿أوَلَيْسَ الّذي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ بِقَادِر عَلَى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلى وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ * إنّما أمْرُهُ إذا أرَادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون(يس:81-82)

كان الشاكون في هذه الاُمور أشخاصاً لم يتعد أفق تفكيرهم محيط بيوتهم الضيقة الحقيرة، وإلا لأدركوا أنَّ العودة ثانية أسهل من الخلق الأول، وأنَّ إعادة الأموات الى الحياة لاتعد شيئاً عصياً على قدرة الله الذي خلق السموات والأرض من قبل.

4- وأحياناً يعكس لهم انبعاث "الطاقات" قائلاً: ﴿الّذي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ ناراً فَإذا أنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ(يس:80).

عندما نمحص هذا التعبير العجيب في القرآن، مستعينين بالعلوم الحديثة، يتبيّن لنا أنَّ العلم يقول: عندما نحرق اخشاب شجرة، فإنَّ الحرارة المنبعثة من نيرانها هي الطاقه الحرارية نفسها التي كانت الشمس تعكسها عليها اثناء سنوات حياتها والمخزونة فيها، مع إنَّنا كنا نظن أنَّ أشعة الشمس على الشجرة قد ماتت وتلاشت، ولكننا هنا نراها قد عادت الى الحياة مرّة أُخرى في لباس جديد.

إذن، هل من الصعب على الله الذي له هذه القدرة على أن يختزن لعشرات السنوات نور الشمس وحرارتها في جذع شجرة، ثم في لحظة واحدة يخرج مخزونها أنْ يحيي الأموات؟1.

وهكذا نلاحظ كيف أنَّ القرآن باستدلالته ومنطقه الواضح يرد على الذين يشكون في المعاد ويتهمون القائلين به بالجنون، ويخرس ألسنتهم، باثبات إمكان المعاد استنادا الى الأدلة التي أوردنا جانباً منها.

*سلسلة دروس في العقائد الاسلامية،آية الله مكارم الشيرازي ،مؤسسة البعثة،ط2.ص317-321.


1- نذكر بان العلم الحديث يقول ان النباتات الخضر هي القادرة على استقبال نور الشمس فتحلل بوساطته غاز الكاربونيك. فتحتفظ بالكاربون في داخلها وتحرر غاز الاوكسجين، وفي الوقت نفسه تختزن الطاقه الحرارية من الشمس.

19-10-2009 عدد القراءات 7372



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا