21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الثالث

تعتيم الأجواء لتضليل الرأي العام



عرفنا ممّا تقدم بيانه لحد الآن، أنّ أساليب أعداء الدين والقرآن تختلف كلياً في إطار الفتنة والهجوم العسكري عمّا عليه في هجومهم في صيغة الهجوم والفتنة الثقافية، لقد تقدم القول إنّهم ـ وفي إطار الفتنة الثقافية وعلى العكس من الهجوم العسكري ـ لا يظهرون بشكل سافرٍ في موقف إنكار الدين ومعارضة الثقافة الدينية للناس، ولا يعبّرون بشكل صريح عن معتقداتهم القلبية، لأنّ المستمعين ـ في مثل هذه الحالة ـ لكلام هؤلاء وبعد قليل من التأمل إمّا أن يقبلوا هذا الكلام أو يدركوا بطلانه، وفي جميع الأحوال فإنّ الضلال الحاصل في حالة القبول بعقائدهم الباطلة إنّما يكون قد جاء عن علم ودراية، وما وقع لا ينطوي تحت عنوان الفتنة لأنّ الإضلال لم يقع عن طريق الخداع وتضليل الأفكار.

إنّ ما يجري اليوم في مجتمعنا من فتنة ثقافية، ويقوم به أعداء القرآن والثقافة الدينية بكل جدّ عن طريق الغزو الثقافي هو، العمل على توتير وتعتيم الجو الثقافي للمجتمع بنحو يفقد معه الشعب لاسيما شريحة الشباب من الطلبة القدرة على التمييز بين الحق والباطل، ويقعون دون إرادة منهم في مصيدة أفكارهم الباطلة والمنحرفة، ومن الطبيعي إذا ما أُصيبت الطبقة المثقفة في البلاد بانحراف فكري فستتهيّأ الأرضية لضلال وانحراف الرأي العام في ذلك المجتمع، لأنّه إذا فسد العالِم فسد العالَم.

بناءً على هذا، إنّ الفتنة الثقافية المذكورة، التي حذّر منها النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من أخطر الأمور التي تهدّد سعادة الناس في الدنيا والآخرة، ويبدو أنّه من أجل التصدي لمثل هذه الأخطار يجب أن تكون الدولة الإسلامية قويةً، من حيث القدرة على بيان حقائق الدين، ونشر ثقافة القرآن ومعارفه، وأن يخضع النظام التعليمي بدءً من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة وجميع المراكز الثقافية في البلاد لرقابة صارمة، حيث لا يستطيع ذوو النوايا السيئة وأعداء الإسلام إضلال الآخرين من خلال تشويش الجو الثقافي.

من جهة أخرى أنّ أهم واجبات علماء الدين هداية الناس، لاسيما شريحة الشباب في المجتمع التي لا تتمتع بمعرفة كافية بمعارف الدين وعلوم القرآن، والتصدي للفتنة الثقافية، فالعارفون بعلوم الدين هم المكلّفون ـ من خلال إرشاداتهم ـ بتوعية الناس وجيل الشباب بالأخطار الثقافية، ومؤامرات أعداء الدين، وتحذيرهم من مكائد الشيطان، والمتدينون لهم المقدرة على إسناد الملتزمين من علماء الدين، وإعانتهم في أداء رسالتهم الكبرى في هداية المجتمع.

كما ذُكر في بداية الكتاب فإنّنا نتطرق في هذا المقطع من الكتاب إلى ذكر أسباب ودوافع المناهضين للثقافة الدينية من منظار علي عليه السلام في نهج البلاغة، فنتناول هنا وفي البداية التعريف بهؤلاء من وجهة نظر علي عليه السلام، ومن ثَمّ ننهي ببيان الأسباب ودوافع الأشخاص المذكورين في مناوئة الثقافة الدينية وتعاليم القرآن وأحكامه.

محرفو العلوم الدينية من منظار علي عليه السلام

يصف الإمام علي عليه السلام الذين يعملون على تحريف حقائق الدين وإفساد الثقافة الدينية للناس بأنّهم جهلاء، متظاهرون بالعلم فيقول عليه السلام: "وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ" ففي مقابل الأتباع الصادقين للقرآن، هنالك فئة أخرى قد يعتبرون في المجتمع من العلماء في حين أنّهم لا حظّ لهم من العلم، وهؤلاء يستغلون العناوين الاعتبارية التي لا حقيقة لها لإضلال الناس.

ربّما يتبادر هذا التساؤل للقرّاء وهو: ما هذا الذي يطرحه هؤلاء على أنّه موضوعات علمية ودينية؟ هؤلاء الذين يقدّمون كلامهم على أنّه فهم واستنباط عن الدين والقرآن، يقول علي عليه السلام في الإجابة: "فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ".

إنّ ما يقدّمه هؤلاء تحت يافطة الموضوعات العلمية وأفهام عن الدين، وتحت ذريعة القراءات المتعددة للدين، ينبرون لإملاء العقائد الباطلة على الدين إنّما هي جهالات أخذوها عن أناس جهّال آخرين، ويقدّمونها باسم معارف دينية وموضوعات علمية، لعلّكم تتعجبون كيف يمكن لأناس أن يقتبسوا الجهل عن غيرهم ! فماذا يعني اقتباس الجهل عن الغير؟! لغرض أن نقف على الإعجاز في كلامه عليه السلام، ونقف كذلك على مسؤوليتنا في النهوض بعملية الإرشاد إزاء المنحرفين عن الحق أكثر فأكثر، نشير إلى نموذج من اقتباس الجَهَلة المتظاهرين بالعلم للجهالات عن الآخرين، الذي يُطرح الآن على أنّه إنجازات علمية.

تشيع اليوم في الغرب الفكرة الفلسفية القائلة بتعذّر حصول العلم بالنسبة للإنسان، وعلى الإنسان أن يشك في كل شيء ولا يحصل لديه يقين بأمر قط، فيعتقد أنصار هذه الفكرة أنّ إذا ما قال أحد بأنّني أَتَيقّن أمراً فذلك دليل على عدم فهمه وحماقته لتعذّر العلم بأي شيء، ويقول هؤلاء مفتخرين بشكهم وجهلهم هذا: إنّ أمارة العلم والمعرفة والعقل أن لا يعلم أو يتيقّن الإنسان بأي شيء دينياً كان أم غير ديني، وكان هذا الكلام السخيف قد طُرح قبل ما يناهز المِئة عام بين أوساط الأوربيين، وكان قبلها القاعدة الفكرية للشكاكين.

واليوم هنالك أناس في مجتمعنا أيضاً قد اتخذوا المنطق الجاهلي لأولئك، وانبروا للتشكيك في العقائد الدينية للناس، متذرعين بالقول إنّنا عاجزون عن الحصول على معرفة يقينية في أي مجال، لإضعاف العقائد الدينية للناس وتمرير مآربهم وأهواءهم النفسية.

والظريف أنّهم يقدّمون كلامهم هذا على أنّه مطالب علمية، ويتوقعون من شعبنا الواعي النبيه أن يتقبّله.

يشير علي عليه السلام إلى وجود أمثال هؤلاء الناس الشيطانيين على مدى التاريخ فيقول: "فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاّلٍ"، فهؤلاء يقتبسون من فئة ضالة وجاهلة أموراً ملؤها الجهل، ويطرحونها على أنّها كلام علمي.

إنّ كلامهم العلمي يتمثل في وجوب الشك بكل شيء، وليس للإنسان أن يعلم أو يتيقّن شيئاً ! فكل ما يفهمه المرء في الأمور الدينية هو حق، لأنّه لا وجود للحق والباطل على الإطلاق! ولا ملاك للحق والباطل سوى الفهم الشخصي للإنسان!

"وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ" فهذه الفئة الضالة والجاهلة وهؤلاء الجَهَلة المتظاهرون بالعلم قد نصبوا للناس مصائد من حبال الخداع والقول الكذب، وأخذوا يخدعونهم بأقوالهم وأفعالهم الخاطئة.

"قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ" فهؤلاء يفسّرون القرآن الكريم بآرائهم، ويحملون آياته على أفكارهم، ويصنّفون الحق طبقاً لرغباتهم وأهوائهم النفسية.

ثمّ يشير عليه السلام إلى الأساليب الدعائية لهؤلاء الناس ويقول: إنّ هؤلاء ولغرض إثارة اهتمام الناس واستقطاب الآخرين، يجعلون الناس يأمنون كبائر ذنوبهم والعواقب الوخيمة لأعمالهم وأفعالهم، ويقلّلون من شأن الذنوب الكبيرة في أنظار الناس، ويشجّعونهم على ارتكابها، ويهوّنون اقتراف الجرائم المعاصي، ويصوّرونه سهلاً في أعين الناس، وهم في الحقيقة إنّما يُضعفون الحَمية الدينية والخوف من الله لدى الناس بانتهاكهم للحرمات.

يقول عليه السلام: إنّ هؤلاء الناس يقولون لدى الحديث والجدال: إنّنا نتحاشى ارتكاب الشبهات، ونتجنّب قول الكلام والأحكام المشكوك بها والمشبوهة، في حين بما أنّهم يجهلون أحكام وموازين الشرع والدين فهم يخوضون في وَحل الشبهات، ففي معرض الكلام يقولون: إنّنا نتحاشى البدع والأحكام المخالفة للدين بينما هم يرقدون في وسط البدع، وكل ما يدلون به في شأن الدين على أساس رأيهم هو بدعة، وأمثال هؤلاء رغم أنّهم بصورة إنسان لكن قلوبهم وأرواحهم قلب وروح حيوان، لأنّهم لا يعرفون باب الهداية ليهتدوا، ولا يعرفون باب الضلال والغواية كي يتجنبوه، وهؤلاء أموات بين الأحياء.

ثمّ يخاطب عليه السلام الناس قائلاً: بعد اتضاح الحق من الباطل ومعرفة أتباع كلٍّ منهما، وقد ارتفعت رايات الحق وتجلت وبانت معالمه فأين تذهبون؟! لماذا تحرمون أنفسكم من علوم أهل البيت عليهم السلام، وتبقون حيارى تائهين وبين ظهرانيكم صراط الهداية المستقيم، وعترة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وبإمكانكم الانتهال من أنوار هداية الأئمة عليهم السلام؟!.

وفي بيان أشد بكثير من كلامه عليه السلام يذكر القرآن الكريم هؤلاء الجَهَلة المتظاهرين بالعلم، ويوجّه التحذير للناس من مكائدهم فيقول: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ.

بالرغم من أنّ أعداء الأنبياء ومناوئي الهداية الإلهية بشر في الظاهر والصورة، ولكن بما أنّ جميع أفعالهم لا مردود منها سوى إضلال الآخرين، ولا عاقبة لها سوى إثارة الشبهات، وبالتالي إضعاف العقائد الدينية لدى الناس، ومواجهة الهداية الإلهية، فإنّ القرآن يصفهم بشياطين الإنس، ويحذّر الناس من اتّباعهم.


* تجلي القرآن في نهج البلاغة - مؤلف: آية الله محمد تقي مصباح اليزدي.

22-06-2016 عدد القراءات 270



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا