23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الثالث

نبوءة القرآن بوقوع الفتنة في الدين



لقد بيّن القرآن الكريم للمسلمين سُبل بلوغ السعادة والتكامل، وأضاء أمام طلاّب الحقيقة طريق الهداية المستقيم كالمشعل الوضّاء الذي لا يخبو أبداً، وقد أزاح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً غبار الشرك والكفر عن وجه الإنسانية، وغرس في نفوس وقلوب المتعطّشين للحقيقة بذور الأمل والنجاة، وتعاهدها بالرعاية، وأرسى صرح الحكومة على أساس التوحيد. وفي تلك الظروف لم يكونوا قلةً أولئك الذين دخلوا الإسلام انطلاقاً من دوافع مصلحية، وما كان إيمانهم يتعدى اللسان، ولم يدخل التوحيد إلى قلوبهم، وكان من الطبيعي أنّ مثل هؤلاء الأشخاص يقدّمون أهواءهم ورغباتهم على إرادة الله وأوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، ولهذا كانوا يضمرون العِداء للإسلام والرسول، ولكنّهم ما كانوا يرون من المصلحة أن يكشفوا عن معارضتهم في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويعلنوا خطّتهم الهادفة إلى تحريف الحكم الإلهي، ومعارضة الإمام المعصوم، وحرمان الأمّة من قيادة الأئمة المعصومين، فبقي هؤلاء الشياطين وعبيد الدنيا يتربّصون إلى حين رحيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الدنيا، لكي ينفّذوا مخططاتهم المشؤومة.

وقد تنبّأ القرآن بهذه المؤامرة وحذّر منها على النحو التالي: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ1.

كان الإمام علي عليه السلام يتحدّث يوماً عن القرآن الكريم، ويدعو الناس إلى الالتفاف حول هذا الحبل الإلهي المتين والعمل بأحكامه، ويبشّر أهل السعادة بالجنة وأهل الشقاء بجهنّم، فقام رجل وسأل عن الفتنة ويروي حديثاً عن رسول الله بهذا الصدد فقال عليه السلام : لمّا أنزل الله سبحانه قوله: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ، وأخبر الناس عن وقوع فتنة في الدين وابتلاء عظيم، علمت أنّ الفتنة ستكون بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟ فقال: يا علي، إنّ أُمّتي سيفتنون من بعدي، وقبل أن يقسّم الرسول أنواع الفتن بعد وفاته سأله علي مخافة أن يفوته الفوز بالشهادة في سبيل الله، فذكّر الرسول بما جرى يوم أحد قائلاً: يا رسول الله أَوَ ليس قد أخبرتني يوم أحد حيث استشهد مَن استشهد من المسلمين ـ من أمثال حمزة سيد الشهداء ـ وحيزت عني الشهادة فشُقّ عليّ ذلك فقلت لي أبشر فإنّ الشهادة من ورائك وها أنا انتظر.

يا رسول الله هل ستنتهي الفتنة التي ستقع بعدك بشهادتي؟ فقال رسول الله: نعم ستبلغ مناك، فكيف صبرك إذاً؟ فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر.

ثمّ أشار الرسول إلى جانب من الفتن التي ستقع في الدين وحذّر الناس منها.

التنبّؤ بالفتن بعد الرسول

وبعد أن طمأَن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علياً إلى تحقّق أمنيته بالشهادة، بيّن له أنواع الفتن التي يثيرها عبيد الدنيا في الدين وفي كلامه يركّز صلّى الله عليه وآله وسلم على ثلاثة أصناف من الفتن فيقول: "يا علي، إنّ القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنّون بدينهم على ربّهم، ويتمنّون رحمته ويأَمنون سطوته، يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء، فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع"2.

1ـ الفتنة بالمال

أَوّل قضية يشير إليها الرسول هي الفتنة في الأموال، لا يخفى على المطلعين على الفقه الإسلامي، أنّ جانباً كبيراً من أحكام الإسلام العملية تُعنى بالأموال والكسب والتجارة والشؤون الاقتصادية، وقد اهتمت الشريعة المقدّسة بحقوق الأفراد على أفضل وأدق ما يمكن، وقد شُرّعت أحكام وقواعد البيع والشراء والكسب والتجارة، التي ألزمت الشريعة المقدّسة المسلمين بالعمل بها على أساس المصالح الواقعية، التي تفرضها الحياة الاجتماعية للناس، لكي يتسنّى للناس من خلال الالتزام بها أن يعيشوا حياةً دنيويةً وأخروية سعيدة، وبما أنّ أكثر العلاقات الاقتصادية في المجتمع تأتي على أساس البيع والشراء، ويُبنى قِوام الحياة الاجتماعية، والتعاون والتكافل بين الناس في قضاء حاجات بعضهم الآخر، على المقايضة والتبادل والمعاملات، ومن جهة أخرى بما أنّ ظاهرة التعامل الربوي، التي تأتي انطلاقاً من غريزة الإنسان في حب الاستكثار ـ وهي أسوء وأبغض أنواع المعاملات من وجهة نظر الإسلام ـ كانت منتشرةً آنذاك بين الناس، فقد نهى الإسلام بشدّة عن التعامل الربوي، وجاء لحن القرآن في النهي عن هذا العمل شديداً جداً إلى درجة أنّه اعتبره بمثابة حرب على الله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ 3.

يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: إنّ القوم سيفتَنون بعدي بأموالهم وعلاقاتهم الاقتصادية، وسيتجاهلون الحكم الصريح في القرآن القائم على حرمة الربا، وسيتوسلون بالحيل الواهية فيأكلون الربا بذريعة البيع والشراء.

2- الفتنة العقائدية

إنّ ما يؤمن به كل عاقل من أعماق قلبه، ويجب عليه بعد الإيمان به الالتزام بمقتضياته، هو أنّنا بنو الإنسان خَلق الله وعباده، فالباري تعالى هو الذي خلقنا ومنحنا نعمة الوجود، وأتمّ نعمته علينا إذ أرسل إلينا خِيَرة خَلقه، وأنزل معهم الكتب السماوية من أجل أن نصل إلى التكامل والسعادة، ومن الطبيعي أنّ حمده وشكره على نعمة الهداية والدين ـ التي هي أكبر النعم الإلهية بعد نعمة الوجود ـ لا يتحقق إلاّ بالخضوع لعبودية الله، وهذه أسمى مرتبة يمكن تصوّرها للإنسان.

وعلى صعيد آخر فإنّ الباري تعالى قد مَنَّ على الناس إذ أتمّ نعمته عليهم وهداهم، وأنزل إليهم دين الحق، ولكن ما أقل مَن يدركون ضعفهم وضآلة قدرهم، ويفهمون مدى عظمة الله وكثرة نعمه التي خلقها للإنسان، ولطفه ورأفته به!

حقاً ما أقبح وأجحد أن يمَنّ الإنسان الجاهل على الله أن آمن بهديه ورسالته، غافلاً عن أنّ المنّة لله علينا، لأنّه هو الذي هدانا إلى دين الحق.

يخاطب القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَ تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ فأنتم الذين يجب أن تؤدوا هذا الحق كما ينبغي بالطاعة والعبادة، لا أن تعتبروا أنفسكم أصحاب حق بذريعة الإيمان، وترون أنّ لكم على الله حقاً، وعلى هذا الأساس فالأصل في الرؤية الدينية التسليم والعبودية لله وليس المنّة والاستكبار عليه، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم روح المنّة والاستكبار على الله بدلاً من الاستسلام والخضوع له بأنّه من مظاهر الفتنة في الدين، فقال بأنّ الناس من بعدي سيمنّون على ربّهم بدلاً من شكره على نعمة الهداية، والامتنان له لقاء ما جعله لهم من دين الحق، فهم يرون لأنفسهم حقّاً على الله، ويرجون رحمته انطلاقاً من موقف التفضّل والمنّة، كما أنّهم بناءً على إيمانهم لا يرون أنّهم يستحقون أي نوع من العقاب، ومع أنّ الله عزّ وجل لا يعاقب عبداً من غير سبب، لكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعتبر مثل هذا الشعور بمثابة فتنة في الدين، لأنّ مَن يحملون مثل هذا الشعور لا ينسجم الالتزام بالتعاليم الدينية مع أهوائهم النفسية، ولهذا يحاولون خداع أنفسهم وخداع الآخرين بذرائع واهية. وعلى هذا الأساس فإنّ وجود روح الاستكبار إزاء الله عزّ وجل لا ينسجم مع حقيقة الدين ورح الإسلام، الذي هو ليس الاستسلام التام لله.

3ـ التبريرات الكاذبة أخطر فتنة

إنّ أخطر فتنة في الدين أقلقت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد كشفها للإمام علي عليه السلام محذّراً الناس منها، هي الفتنة ومؤامرة تحريف الدين وتحليل المحرّمات الإلهية في مجال العقيدة، ورغم أنّ عدم الالتزام بأحكام الشريعة في مقام العمل، والاتصاف بروح استكبارية إزاء الباري عزّ وجل ذنب كبير، غير أنّ ما هو أخطر منه أن يحاول المرء اختلاق تبريرات واهية لذنوبه وأعماله المناهضة للدين، ويضفي على أهواء نفسه صبغةً دينيةً وشرعية.

في مثل هذه الحالة يهبّ الشيطان بكل قواه لمعاضدة عبيد الدنيا المتظاهرين بالإسلام، لمؤازرتهم في إثارة الشبهات وتحريف أحكام الدين.

يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنّ مثيري الفتنة يحاولون تحقيق مآربهم من خلال التشبّث بالشبهات والتبريرات الزائفة والخيالات الواهية، لكي يحلّلوا ما حرّم الله ويتلاعبوا بدين الله إنّ ما ينبغي التذكير به، ويُشير إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند بيانه لواجب الإمام علي عليه السلام إزاء الفتن ومثيريها، هي قضية استمرار هذه الفتن إلى حين ظهور صاحب الزمان عليه السلام، إنّ ما بيّنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في تحليل الخمر باعتباره نبيذاً أي عصيراً لمادة الزبيب، أو تحليل الرشوة على أساس أنّها هدية، أو تحليل الربا بذريعة البيع والشراء، ليست إلاّ أمثلةً من أنواع الفتن التي تقع في الدين، لا أنّ القضية تنتهي عند هذا الحد.

واليوم هناك مَن يعيشون بين المسلمين، وهم حسب الظاهر مسلمون، ولا يرون أنفسهم خارجين عن دائرة الإسلام، إلاّ أنّهم من الناحية النفسية ليسوا بالشكل الذي يجعلهم يقبلون على أحكام الإسلام رغبةً وطواعية، هؤلاء الذين لبعضهم مكانة اجتماعية أيضاً متأثّرون بالثقافة الغربية، ومنبهرون بها، وقد ابتعدوا عن هويتهم الدينية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليست لديهم معلومات كافية عن المعارف الدينية، في مثل هذه الحالة ينبري هؤلاء الأشخاص، الذين لا يملكون أدنى أهلية لإبداء رأي في القضايا التخصصية للدين، لإصدار الأحكام، ويقعون أحياناً تحت تأثير إيحاءات الشيطان، وتشجيع أعداء الدين، ويتحدثون عن قصد أو عن غير قصد بكلام لا يعني سوى إنكار الدين والخروج من ربقة الإسلام، فعلى سبيل المثال لو أنّ أحداً قال بأنّ أحكام الإسلام تختص بزمن صدر الإسلام وأهل ذلك العصر، وأنّ أحكامه تتناسب مع مجتمعات صدر الإسلام، وأنّ القرآن والأحكام ليست كافيةً الآن وعلى أعتاب القرن الحادي والعشرين لإدارة المجتمع، ويجب تغيير أحكامه بما يتلاءم ورغبة الناس، أو أن يقول إنّ أهل القرن الحادي والعشرين يحتاجون إلى نبي يناسب زمانهم، إنّ مثل هذا وإن كان يعدّ بمثابة إنكار للدين لكنّه بالدرجة الأُولى يمثّل دليلاً على انعدام المعرفة الصحيحة للدين وأحكامه، وحري بأصحاب مثل هذه الأفكار أن ينتبهوا جيداً لمقتضيات وعواقب كلامهم قبل أن يبدوا وجهة نظرهم ويتكلموا، لعلّهم في مثل هذه الحالة يرعوون عن النطق بكلام تفوح منه رائحة الفتنة في الدين، ويُخلصون أنفسهم من فخ الشيطان وأعداء الإسلام والقرآن.

* تجلي القرآن في نهج البلاغة - مؤلف: آية الله محمد تقي مصباح اليزدي


1- العنكبوت: 2.
2- بحار الأنوار: ج32، ص241.
3- البقرة: 279.
 

22-06-2016 عدد القراءات 350



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا