23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الثاني

إرشادات علي عليه السلام لتجنّب التفسير بالرأي



كما جرت الإشارة آنفاً أنّ للإنسان رغبات وأفكاراً لا تنسجم تارةً مع رأي القرآن، وفي ضوء طبيعته الإنسانية يرغب بأن يتطابق القرآن مع رأيه ورغبته، وتارةً أخرى ربّما تؤثر تلك الأفكار والأحكام المسبقة بشكل لا إرادي في فهمه ودركه للقرآن، وبما أنّ مثل هذا الخطر يتهدّد كل إنسان في مقام تفسير القرآن، وأنّ الشيطان يتحيّن الفرص في كل آنٍ للإيقاع بالشخصيات الثقافية التي تدّعي فهم الدين، لحرف جماعةٍ من الناس عن جادة الحق، من المناسب جداً وحريٌ بنا أن نولي اهتماماً متميزاً لهذا المقطع من كلام علي عليه السلام.

لغرض الأمن من الزلل في الفهم، وتحاشي ما يُحتمل من انحراف يقول عليه السلام: "وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ"، فعندما تتصدون لفهم وتفسير القرآن عليكم بتخطئة ما لديكم من، أحكام مسبقة، ومخزونات ذهنية، وميول وآراء في مقابل القرآن، ونحّوا جانباً آراءكم الشخصية وأهواءكم النفسية، وكما يُعبّر عليه السلام اتهموا وخطئوا أنفسكم في مقابل القرآن.

جديرٌ ذكره أنّ التعبير المذكور يفيد ضرورة التزام أقصى الاحتياط ومراعاة الأمانة والتقوى في فهم القرآن الكريم والاستنباط منه، لأنّه عليه السلام يصرّح بأن خطّئوا آرائكم في مقابل القرآن، واستقبلوا القرآن بذهنية ملؤها الإقرار بأنّني لا أعلم شيئاً، وكل ما يقوله القرآن حقٌ، ثمّ تصدّوا لفهم القرآن وتفسيره، "وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ"، أي وانظروا إلى أهوائكم على أنّها ضالة وخاطئة، كي تحسنوا الاستفادة من القرآن وإلاّ فإنّكم في معرض الخطأ والانحراف على الدوام.

بناءً على هذا، إنّ جوهرة الدين وهي التسليم أمام الله تستدعي أن يكون الإنسان مطيعاً محضاً لله سبحانه وتعالى، وأن يحكم بالبطلان على رأيه ووجهة نظره وأحكامه في مقابل أحكام الله وتعاليم القرآن الكريم، فعندما تحكم الإنسانَ مثل هذه الروحية، فمن الطبيعي أنّه يدرك القرآن والأحكام والتعاليم والمعارف الإلهية على وجه أفضل، إذ ذاك ـ وفي ضوء التسليم الذي يتمتع به ـ يتقبّلها من أعماق روحه وقلبه.

رؤيتان للقرآن والمعارف الدينية

ثَمّة نمطان مختلفان من التفكير في التعامل مع المعارف الدينية والقرآن الكريم هما:
1ـ الرؤية والتفكير القائم على روح التسليم والعبودية ومحورية الله.
2ـ الرؤية الروحية التي تجعل الأصالة للأهواء النفسية للإنسان، وتعمل على تفسير وتوجيه النصوص الدينية ومعارف القرآن بما يتفق مع رغباته النفسية، وتلك هي الفكرة الرائجة اليوم باسم (اومانيزم) أي الفكرة التي تطرح محورية الإنسان في قبال محورية الله.

يبدو أنّ هذا التصنيف أوسع مدىً من الأبحاث والمطالب المتقدمة، لأنّ الافتراض كان لحد الآن يقوم على إمكانية حصول نمطين من الفهم أحدهما يقوم على أساس روح التسليم والعبودية، والآخر فهم ربّما يكون متأثراً بالأهواء النفسية، واستناداً لذلك فلغرض تجنّب التفسير بالرأي في فهم القرآن، وأن يفهم كما هو قمنا ببيان وصية علي عليه السلام في هذا المجال بناءً على أساس ضرورة تجنّب الحكم المسبق وتزكية العقل من الأهواء النفسية، وفي ضوء هذه الرؤية اعتبرنا كلا الفريقين المخاطبين بكلامه عليه السلام مسلمَين، ولغرض تحاشي الانحراف في الدين والانزلاق في هاوية التفسير بالرأي، كنّا نوصي بمراعاة التقوى والابتعاد عن هوى النفس والحكم مسبقاً، والآن إذ نبحث المسألة بعمق أكثر فإنّنا نتوصل إلى أمور أدق، وندرك الإعجاز في كلام علي عليه السلام لدى تصنيفه الناس في مجال العبودية إلى طائفتين رئيسيتين، ونطّلع أكثر فأكثر على المعرفة النفسية التي يتمتع بها عليه السلام بنفسيات الناس إزاء الدين والتعاليم الإلهية.

إنّ علياً عليه السلام وببيانه لمعلمينِ أساسيين يصنّف الناس في ضوئهما إلى فئتين رئيسيتين، ويحدّد هاتين الفئتين من خلال توضيح خصائص كلٍّ منهما، وفيما يلي نشير إليهما:
1ـ فئة آمنوا بالله بكل وجودهم، وهم يعملون على محاربة أهوائهم وإيثار مشيئة الله وإرادته على رغباتهم وأهوائهم النفسية، ومن الطبيعي أنّ أمثال هؤلاء الناس يتقبلون القرآن من أعماقهم، ويفتدون تعاليمه ومعارفه بأرواحهم وقلوبهم، ويجعلونه أسوةً لهم في العمل، ويعملون من أجل إقامة شعائره.

يقول علي عليه السلام في وصف هذه الفئة: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ" (نهج البلاغة: الخطبة 86) وبعد بيانه لمواصفات هذه الفئة يتطرق عليه السلام لبيان مكانة القرآن بين هؤلاء فيقول: "قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ"، فهؤلاء القوم وهم المؤمنون أُناسٌ أسلموا زمام أمورهم بيد القرآن الكريم، فالقرآن هو إمامهم وقائدهم، وهم يتوقفون حيثما حطّ القرآن رحاله وأصدر الإيعاز بالتوقّف، فتوقفهم وحركتهم رهن إشارة القرآن. وهذه الفئة قد آمنوا بالقرآن وحقائق الدين وتقبّلوها على أنّها مجموعة من الحقائق العينية، ويرون أنّ أحكام وتعاليم الدين والقرآن الكريم تنم عن حقائق عينية، الالتزام بها له علاقة مباشرة بسعادة الإنسان، معتبرين عدم الالتزام بها يؤدي إلى الحرمان من السعادة في الدنيا والآخرة.

بما أنّ هؤلاء لا يمتلكون رأياً وتصوراً من عند أنفسهم، ويرون للدين والكتب السماوية والتعاليم والأحكام الإلهية حقيقة عينية، ويعتقدون بوجود علاقة العلّة والمعلول فيما بينها وبين مصالح الإنسان، فإنّهم يكرّسون أقصى جهودهم لفهم القرآن فهماً صحيحاً، ليدركوا ما يأمر به القرآن ويعملوا به.

2ـ وفي النقطة المعاكسة لرؤية الفئة الأُولى تماماً يقف أُناسٌ يتصورون أنّ القرآن، أو أي نص ديني وكتاب سماوي آخر تابع لعقليات الناس أنفسهم، وليس أنّه ناطق بأمور قطعية ومحدّدة، أي أنّ القرآن أو أي نص آخر يفتقد المعنى والمضمون وليس ثمّة هدف مرسوم له، وبما أنّ لكل إنسان تصورات خاصة منبثقة عن قواعد تربوية وعائلية واجتماعية وغيرها، فهو عندما يواجه القرآن يستنبط منه الأمور في ضوء تصوراته الشخصية، وليس أنّ القرآن هو الذي ينطق بتلك الأمور، بل أنّ فهمه هو يطرح في إطار القرآن.

من الطبيعي أنّ الدين والقرآن بآياته وأحكامه يعتبر في ظل مثل هذه الرؤية وهذا الاعتقاد ألفاظاً وقوالب خالية من أي مضمون، وتصورات الإنسان هي التي تغذّي هذه الألفاظ بالمعنى والمفهوم، ويجري التصريح على أساس التصور الآنف الذكر أنّ القرآن أو أي نص ديني آخر لا يملك ما يقول، بل أنّ كل شخص يستنبط الموضوعات من القرآن والنصوص الدينية في ضوء تصوره الشخصي، وبديهي أنّ هذا النمط من الرؤية بالرغم من أنّه يتحدث حسب الظاهر عن الدين والقرآن والتعاليم والمعارف الدينية، إلاّ أنّه يعمد في الحقيقة إلى الاستخفاف والاستهزاء بالدين والمتدينين.


* تجلي القرأن في نهج البلاغة / العلامة محمد تقي مصباح اليزدي.

22-06-2016 عدد القراءات 344



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا