23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الثاني

ضرورة اكتساب الأهلية لفهم القرآن وتفسيره



من الطبيعي أنّ فهم القرآن وتفسيره ليس من قابلية كل أحد، مثلما أنّ فهم الموضوعات العلمية الدقيقة في كل فرع وحقل ليس من قابلية كل أحد أيضاً، ففهم المعادلات الرياضية المعقدة أو دقائق سائر العلوم إنّما هو في حدود أهلية المختصين بها فقط، وأنّ غير المختصين ليسوا عاجزين عن الإدلاء بدلوهم بشأنها فحسب، بل أنّ وجهات نظرهم حولها تفتقد لأي وزن.

وفيما يخص فهم القرآن وتفسيره أيضاً فإنّ الإدلاء بالرأي من قِبل الذين لا معرفة لهم بعلوم الدين ومعارفه يفتقد لأي قيمة وشأن، فبالرغم من أنّ القرآن نزل بلسان بليغ ومبين، ليفهمه الناس ويعملوا به، لكن ليس الأمر بأنّ عمق معارفه ممّا يتسنّى للجميع فهمه على مستوى واحد، فالمتيسر فهمه من القرآن لعامة الناس هو الظاهر من المعنى إذ يصرّح القرآن: نحن أنزلنا القرآن بلسان مبين، أي أنّ القرآن نزل بنحو يتسنّى لكل عارف بمبادئ وقواعد اللغة العربية وتهيمن عليه روح العبودية، أن ينتهل من القرآن وينتفع منه في حدود عقله ومعرفته، لكن الغور في عمق معاني القرآن ومعارفه يحتاج إلى مقدمات وتفكّر وتدبّر. يقول القرآن بهذا الصدد: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ1،  أو قوله: ﴿إِنّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ2.

على العموم أنّ الآيات التي تدعو الإنسان إلى التدبّر والتفكّر في القرآن ومعارفه تقول لنا: لا تكتفوا بظواهر القرآن، بل أدركوا عمق القرآن ودقائق معارفه، من خلال التدبر والتفكر والانتهال من علوم أهل البيت عليهم السلام، وانتفعوا أكثر فأكثر من كنز العلم الإلهي هذا، وعليه فإنّ فهم القرآن وتفسير علومه السامية إنّما هو قابلية المختصين والعارفين بعلوم أهل البيت عليهم السلام فقط، فليس الأمر أن يكون مباحاً لكل مَن وقف على قارعة الطريق أن يدلي بدلوه، ويكون بوسعه أن يتحدث دون أدنى معرفة بعلوم الدين وأصول وقواعد البيان والتفسير عن الدين وأحكامه ومعارفه، على أنّه يقوّم قراءةً جديدة.

المراتب المختلفة لمعاني القرآن وفهم معارفه

يظهر في الكثير من الروايات هذا المعنى من أنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، وليس بمقدور كل أحد فهم عمق معارف القرآن، فالقرآن ليس كتاباً ومقالاً عادياً يستطيع جميع الناس إدراك جميع علومه، فكما تقدّمت الإشارة آنفاً أنّ القرآن بحر عميق بعيدة شواطئه، يقتطف كل إنسان من لآلئ معرفته بقدر قابليته وقدرته على الغوص، وينطلق متخطياً ظواهر القرآن نحو عمق معارفه بمقدار قابليته ومواهبه، فيستفيد مطالب متعددة من آية واحدة تسير مع بعضها طولياً دون أن يكون فيها أدنى منافاة أو تناقض، وهذا بحد ذاته من معجزات القرآن الكريم.

على سبيل المثال، يقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيّهَا النّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ3 فالذي يفهمه عامة الناس من هذه الآية ويدل عليه ظاهر الآية هو: أنّكم محتاجون لله سبحانه وتعالى وهو غني ويستحق الحمد، فما يتداعى إلى أذهان الناس من مفردة الفقر، هو فقر الإنسان في مجال المعيشة من مأكل وملبس وغيرهما، ممّا يقوم الباري تعالى من خلال خلق أسبابها وعللها بتوفير مقومات استمرار حياة الإنسان ورقيه وتكامله، في هذه المرتبة من الفهم التي يعبّر عنها بمرتبة الظاهر يكون ظاهر القرآن جلياً وناطقاً يدركه جميع أهل اللغة، لكن ليس الأمر عدم استفادة معنى آخر أكثر عمقاً من المعنى الظاهري، وأن تخلو الآية المذكورة من إشارة إلى مطلب أدق أكثر سعةً من هذا الفهم العام، فكلما كان الإنسان أكثر معرفةً بخفايا الكلام والإسرار الأدبية للغة ومضامينها ـ ونظراً لأنّ القرآن يوصي في المقابل بالتدبّر والتفكّر لدى التعرض لآيات القرآن ـ فإنّ المرء سيدرك إبعاداً أدق وأعمق لظواهر الآيات.

لو تأملنا بقليل من التعمّق في هذه الآية، سنرى أنّ فقرنا وحاجتنا إلى الله سبحانه وتعالى أوسع مدىً من المأكل والملبس والمستلزمات الصحية والمادية، فنحن فقراء مطلقون والله الغني المطلق، ونحن فقراء بالذات والله غني بالذات، والفقير في اللغة تعني مَن كسر عموده الفقري ولا قدرة له على الوقوف، والإنسان فقير بمعنى أنّه مهما توفرت له الإمكانيات المادية فإنّ وجوده ناقص وتابع، وعندما ننظر إلى هذه الآية بهذه النظرة وفي ضوء هذا الأمر، سندرك أنّ حاجتنا إلى الله عزّ وجل تتجاوز المأكل والملبس وسائر المستلزمات، فنحن فقراء الله في أصل الوجود، فالله جلّ وعلا قد خلقنا، وهو قد هيّأ مقومات استمرار حياة الإنسان ورقيه وتكامله من خلال إيجاده للأسباب والعلل الوجودية، فنحن محتاجون وفقراء في أصل الوجود وبالذات والله عز وجل غني بالذات.

من الطبيعي أنّ النظرة الثانية أعمق من النظرة الأُولى فهنا يُعدّ المعنى الأوّل ظاهرياً والثاني باطنياً، والمعنى الأعمق من المعنى الثاني هو أن نقول: إنّكم أيّها الناس لستم فقراء ومحتاجين في أصل الوجود فحسب، بل أنتم عين الفقر ومحتاجون بكل كيانكم ووجودكم، وكيانكم عين الارتباط بالله وتعالى، وبالطبع فإنّ إدراك حقيقة المعنى الثالث خارجة عن حدود الفهم العادي.

على أية حال، ينبغي الانتباه إلى أنّ هذه المعاني الثلاثة للآية وتفسيرها تسير طولياً مع بعضها، وفي نفس الوقت أنّ كلاً منها صحيح وصائب، ولا يتنافى أي منها مع غيره، لكن المعاني المذكورة ليست بمستوىً واحد من حيث العمق، وليست جميع مراتب القرآن ممكنة الإدراك بالنسبة للجميع، وأنّ جميع الناس يمتلكون القدرة والقابلية على فهم جميع مراتب القرآن وبواطنه.

والمراد من الكلام المتقدم هو، تقريب المطلب الوارد في بعض الروايات القائل بأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً، وليس بمقدور الجميع إدراك عمق معارف هذا الكتاب الإلهي، ومن الضروري التأكيد والتذكير بأنّ الأئمة عليهم السلام وحدهم ـ وبتعليم من الله ـ المطلعون على معارف القرآن وعلومه، وعالمون ببواطن هذا الكتاب السماوي العظيم، وفي هذا المجال نورد مقطعاً من رواية عن أبي جعفر عليه السلام قال: "يا جابر، إنّ للقرآن بطناً، وللبطن بطناً وله ظهر، وللظهر ظهراً. يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنّ الآية لتكون أَوّلها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه"4.

يخاطب الإمام الباقر عليه السلام جابراً بأنّ للقرآن باطناً وللباطن باطناً، والقرآن ذو ظاهر وللظاهر ظاهرٌ أيضاً، وعليك يا جابر أن تعرف أنّ عقول الرجال أعجز من أن تتصدى لتفسير حقيقة القرآن وباطنه، لأنّه ربّما يدور أوّل الآية حول شيء ما فيما يتحدث آخرها عن شيء آخر، فالقرآن كلام مترابط ذو قابلية على أن يتضمن عدة معاني دون أن يكون هنالك أدنى تناقض أو منافاة بين المعاني والمعارف.

ما يجري التأكيد عليه هنا هو أنّ فهم بواطن ودقائق معارف القرآن ليس بمستطاع الجميع، وبالطبع ليس المعنى من هذا الكلام أنّ القرآن نزل للأئمة والراسخين في العلم وحدهم، وأنّ الآخرين عاجزون حتى عن فهم ظاهر القرآن، بل أنّ ظاهر القرآن متيسر الانتفاع بالنسبة لكل إنسان في حدود فهمه وإدراكه وقابليته، شريطة أن ينحّي جانباً أحكامه المسبقة ورغباته وأهواءه النفسية، ويتجنّب التفسير بالرأي، وفيما يتصل بفهم القرآن ينبغي أن نشير إلى أمور نتطرق إليها في هذا المقطع من البحث.

* تجلي القرأن في نهج البلاغة / العلامة محمد تقي مصباح اليزدي.


1- يوسف: 2.
2- الزخرف: 3.
3- فاطر: 15.
4- بحار الأنوار: ج92، ص95.

22-06-2016 عدد القراءات 323



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا