21 أيلول 2017 الموافق لـ 30 ذو الحجة 1438
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الثاني

فهم وتفسير القرآن



المشكلة الحقيقية
أصبحت نتيجة الفصل السابق أنّ القرآن كتاب الهداية الإلهية، ونحن جميعاً مكلّفون بالإيمان به وأن ندير حياتنا ومجتمعنا على أساس توجيهات القرآن، لننال السعادة في الدنيا والآخرة، وذلك بالعمل بتعاليمه وأحكامه، واتخاذه أسوة على صعيد الحياة الفردية والاجتماعية، والآن نريد أن نطرح السؤال التالي: بالرغم من وجود القرآن ـ هذه الوصفة الشافية للأدواء الفردية والاجتماعية ـ بين أوساط المسلمين ومن بينها مجتمعنا الثوري والإسلامي، فلماذا نعاني في نفس الوقت من بعض المشكلات لاسيما المشكلات الثقافية؟

ربّما ستجيبون مستعينين بالمطالب المتقدمة بأنّه لا يجري العمل بالقرآن وتعاليمه المنقذة كما ينبغي، وهذا الجواب وإن كان صحيحاً ولكن يبدو أن سؤالاً أهم يُطرح وهو لماذا لا يعمل بالقرآن كما ينبغي؟ وفي الحقيقة ما هي الأسباب التي تؤدي إلى إضعاف القرآن في المجتمع، وأن يبتعد الناس تدريجياً عن القرآن والثقافة الدينية والقيم الإلهية؟

نظراً لأنّ موضوع البحث هو القرآن في منظار نهج البلاغة فبإمكاننا طرح هذا السؤال بهذه الصيغة وهي: أين تكمن المشكلة الحقيقية لمجتمعنا في نظر علي عليه السلام، وما الطريق الذي يشقه أمامنا لعلاجها؟ لغرض الإجابة عن هذا السؤال وبيان كلام علي عليه السلام بهذا الصدد نورد مقدمةً في البداية، ومن ثَمّ نتطرق إلى الموضوع الأصلي.

كما جرى بيانه في الفصل المتقدم أنّ الإيمان بالله والإحكام الإلهية، والتسليم لأوامر الله يمثّل أهم شروط الهداية والتنعّم بهدى القرآن الكريم، فلابد من وجود إيمان وتسليم إبراهيمي، واعتقاد ممزوج مع الروح ليتسنّى الظفر بالأمان من مصائد الشيطان.

يجب أن تجمع الحصيّات في مشعر المعرفة، كي يُرمى بها شيطان النفس الأمارة لدى الرجوع إلى القرآن الكريم، ويجب الوقوف بوجه أهواء النفس، وترجيح كلام الله على نزوات النفس، ومنع النفس عن إصدار الأحكام المسبقة في فهم القرآن الكريم، كي لا يقع الخطأ عند الرجوع إلى آيات الله وفهم القرآن الكريم، فليس كل امرئ قصد القرآن بأيّة نية وأي مذهب يستطيع الاستفادة منه بصورة صحيحة، وبعبارة واحدة: إذا قبلنا بالعبودية لله فيجب أن نسلّم له تسليماً كاملاً، ونجعل القلب تبعاً لإرادته ومشيئته سبحانه وتعالى، ونقتنع قناعةً تامةً أنّ الله يعرف منافع عباده أفضل منهم، ولا يأمر أو ينهى إلاّ لصالحهم وفائدتهم، ومن خلال مثل هذا الاعتقاد والإيمان فقط يتيسّر لبني الإنسان إمكانية الفهم الصحيح لهذا الكتاب الإلهي والانتفاع بتوجيهاته الحياتية.

بناءً على هذا، إنّ أَوّل وأهم شرطٍ للتنعّم بالهداية الإلهية هو امتلاك روح التسليم، وتجنّب إصدار أي حكم مسبق وأي محورية للذات، إنّ الطبيب الماهر ولدى كتابته الوصفة للمريض يلزمه بتناول الدواء، ويذكر له الأطعمة التي يجوز له تناولها، وينهاه عن الأدوية والأطعمة التي تؤخر الشفاء والعلاج أو ربّما تفشله.

ولكن هل أنّ جميع تعليمات الطبيب تنسجم مع رغبات وميول المريض؟ ربّما يتناول المريض بعض الأدوية الموصوفة له بكل اندفاع، ويمتنع عن رغبة عن بعض الأطعمة المحظورة عليه، ولكن غالباً ما تتعارض ميول المريض مع تعليمات الطبيب، فقد يرغب المريض بأكل الطرشي رغبةً شديدةً، لكن الطبيب يرى أكل الطرشي سمّاً قاتلاً بالنسبة للمريض، في هذه الحالات ربّما يشكك المريض بتشخيص الطبيب، بفعل حبّه لذلك الشيء ويأخذ بافتعال التبريرات من عند نفسه كي يتناوله.

إنّ الإنسان ـ فيما يتعلق بالأمراض الجسمية ـ وبسبب حبّه الشديد لصحته قلّما يكون على استعداد لمخالفة تعليمات الطبيب، وغالباً ما يحاول تقديمها على رغباته الشخصية، وأن يعمل بصورة مضبوطة بهذه التعليمات، أمّا على صعيد الأمراض الروحية فليسوا قلةً أولئك الذين يجعلون أهواءهم النفسية ملاكاً للحكم، وينبرون لتفسير الدين وأحكام الله على أساس أحكام مسبقة وعقول خاطئة وأهواء ضالة.

من الطبيعي أن تنتفي مع مثل هذه الروحية إمكانية الفهم الصحيح للقرآن والدين، فحتى لو كان الافتراض بأنّ المرء ينوي حقاً فهم الدين والقرآن فهماً صحيحاً وتنتفي بشأنه أية نيّة لخداع الآخرين وإغوائهم، ولكن بما أنّه أراد فهم القرآن والدين بعقلية خاطئة، فلا يمكن إلغاء تأثير الأحكام المسبقة، والعقلية المشوبة، والأهواء النفسية، تماماً في فهمه وإدراكه للآيات والأحاديث، وبالطبع فإنّ قصة الذين يعمدون إلى تحريف أحكام الدين وتعاليمه عالمين عامدين عارفين، تحت يافطة القراءات المتعددة، لخداع الناس، وتدمير الثقافة الدينية للمجتمع هي قصة على حدة، سوف نتطرق إليها في محلّها، وسوف نقوم وباختصار ببحث الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذه الفكرة المعادية للدين من وجهة نظر نهج البلاغة، لنرى الآن ما هو الطريق الصحيح للرجوع إلى القرآن وفهم أحكامه وتعاليمه من وجهة نظر علي عليه السلام؟


* تجلي القرأن في نهج البلاغة / العلامة محمد تقي مصباح اليزدي.

22-06-2016 عدد القراءات 248



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا