23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الأول

دور الهدف في الحياة الاجتماعية



لابد هنا من الانتباه إلى دور الهدف في الحياة الاجتماعية، لأنّه لا يمكن التحدّث عن النظم الاجتماعي دون اتخاذ هدف في الحياة الاجتماعية، وهذا الهدف يقتضي سلوكيات خاصة، وبأداء هذه السلوكيات الخاصة في إطار الحياة الاجتماعية يحاول الناس بلوغ ذلك الهدف، الذي هو بدوره منبثق عن ثقافة وفكر أبناء المجتمع، بنحو أنّ كل مجتمع يحتاج إلى نظام اجتماعي معيّن وفقاً لطبيعته الأَوّلية وفي إطار ثقافته وفكره، لذلك تحاول القوى الاستعمارية وفي إطار سياستها الاستكبارية جرّ الشعوب باتجاه أهدافها الاستعمارية، وتفريغها من ثقافتها الأصلية، وأن تُمسك بأنظمة الشعوب وثقافتها من خلال فرض ثقافة دخيلة.

بناءً على هذا يجب تحري أيّ نظم تقتضيه الثقافة والفكر الذي يسود المجتمع، ومن البديهي أنّ الثقافة الدينية المنبثقة عن القرآن والرؤية التوحيدية للكون، تستدعي نظماً وسياسةً تصب باتجاه تحقق الهدف من الخلقة، وتوفير السعادة والفلاح للإنسان في الدنيا والآخرة، لأنّ سعادة الإنسان وتكامله هي غاية الإسلام والقرآن بالأساس.

ومع شديد الأسف أنّ بعض المثقفين والليبراليين، الذين هم مسلمون من جهة، ويفتقرون للبصيرة الكافية في القضايا السياسية والاجتماعية في الإسلام من جهة أخرى، وبالتالي فإنّ الهاجس والتعصب الديني ضعيف جداً لديهم، غافلون عن هذا الأمر المهم، وعندما يجري الحديث عن النظم الاجتماعي يتداعى إلى أذهانهم النظم الاجتماعي المنبثق عن الديمقراطية الغربية، في حين أنّ النظم الاجتماعي في الغرب منبثق عن فكره العلماني، فنظراً لقلة معلوماتهم الدينية يتصور هؤلاء المثقفون أنّ تنظيم الشؤون الاجتماعية، وإدارة المجتمع على أساس النظام ممكن في فصل الدين عن السياسة فقط، وهذا بحد ذاته يُعدّ من إفرازات الاستعمار الثقافي ومن النجاحات التي حقّقتها القوى الاستكبارية، حيث استطاعت تخدير عقول مَن يصطلح عليهم مثقفي دول العالم الثالث، وأفرغتهم من الفكر الديني، وبدّلتهم إلى أدوات لإشاعة ثقافتها الاستعمارية.

على أية حال، إنّ كل شيء ومَن بين ذلك النظام الاجتماعي يُقيّم في الثقافة التوحيدية والإسلامية في إطار الهدف من الخلقة، ومن الطبيعي أنّ الهدف من النظام الاجتماعي في الثقافة الدينية والقرآنية، ليس توفير الرفاه المادي والمصالح الدنيوية فقط، بل الغاية هي التكامل الإنساني والسعادة الأخروية للإنسان إلى توفير الرفاه والمصالح الدنيوية، ومن الواضح أنّ السعادة الأخروية ترجح على الأمور الدنيوية في مقام التزاحم.

الآن وفي ضوء هذه المقدمة نعود إلى كلام الإمام علي عليه السلام حول دور القرآن في إقرار النظام السياسي والاجتماعي للمجتمع، وندقّق في كلامه عليه السلام، كي نتعرّف أكثر على رؤية الولاية لدور وموقع القرآن في الحياة الاجتماعية.

يبيّن علي عليه السلام وبتعبير إعجازي دور القرآن في تنظيم الشؤون الاجتماعية للمجتمع، ويلفت انتباهنا إليه، لئلا نغفل عنه، فبعد قوله عليه السلام إنّ القرآن داء لدائكم وعلاج لمشكلاتكم يقول: "ونظم ما بينكم"، أي في القرآن نظم شؤونكم والعلاقات فيما بينكم، ربّما يعني أنّكم إن كنتم تنشدون النظام المنشود والمعقول، الذي ينال جميع أبناء المجتمع حقوقهم المشروعة تحت ظلاله، فعليكم أن تنظّموا أموركم على أساس تعليمات القرآن.

لا يخفى على الواعين أنّ عبارة "ونظم ما بينكم" تقصد الشؤون والعلاقات الاجتماعية للأفراد، فبالرغم من أنّ الأفراد مكلّفون أيضاً بتنظيم أمورهم الشخصية والفردية على أساس توجيهات القرآن، لكن عبارة "ونظم ما بينكم" لا تشمل نظام الأمور الشخصية للأفراد، كما لا يخفى على اللغويين أنّ علياً عليه السلام يروم في المقاطع موضع البحث بيان دور الأبعاد الاجتماعية للقرآن الكريم، وببيانه عليه السلام لهذا الأمر من أنّ نظمكم الاجتماعي يكمن في القرآن الكريم، إنّما يقول للمسلمين ولأتباعه: يجب أن تنظّموا أموركم السياسية وعلاقاتكم الاجتماعية على أساس القرآن.

من الواضح أنّ هذه الوصفة السماوية الشافية لا تداوي داءً من الأمراض الاجتماعية التي يعاني منها مجتمعنا، ما دامت تعد لدى مسؤولي النظام الإسلامي إرشادات أخلاقية غير واجبة التنفيذ، ولا تكون موضع قناعة واعتقاد وإيمان قلبي عندهم، وببيانه عليه السلام لأمور حساسة في سياسة النظام الديني، إنّما يبيّن حقائق يتعذر بدون استثمارها الوصول إلى مجتمع إنساني يقوم على أساس القسط والعدل، وينال فيه جميع الناس حقوقهم وتكاملهم المنشود.

بناءً على هذا، أنّ أهم وأجدى عامل هو عامل إيمان واعتقاد وقناعة المسؤولين، وأرباب الحكم بالبرامج والسياسات العامة للقرآن الكريم، فما لم يكن لديهم إيمان قلبي، واعتقاد راسخ بالقرآن، وفاعلية توجيهاته، لحل مشكلات المجتمع وتوفير السعادة للناس، فإنّهم لا يكتفون بأَلاّ يجعلوا القرآن قدوتهم في العمل بل لا يقدمون على فهم معارف القرآن أيضاً، وبما أنّهم يحكمون في بلد إسلامي وعلى شعب مسلم ربّما يسمّون أنفسهم مسلمين، ويطلقون على حكومتهم اسم حكومة إسلامية، على صعيد الظاهر والشعار، لغرض الحفاظ على مكانهم بين أبناء شعبهم وسائر الشعوب الإسلامية، في حين أنّ الأنموذج الحكومي الوحيد الذي ليس وارداً بالنسبة إليهم هو الحكم على أساس قوانين الإسلام والأنموذج المنبثق عن القرآن، بيد أنّ تغرّب الحكومات التي تسمّى إسلامية عن الدين والثقافة القرآنية لا سيما في مجال السياسة وإدارة المجتمع ليس بالأمر الذي يجهله المسلمون، لأنّ جميع الشعوب الإسلامية تعلم أنّ الأنظمة الحكومية في بلدانهم ليست إسلامية، وأنّ الثقافة والعقلية الحاكمة على المسؤولين الحكوميين، تختلف كلياً عن العقلية والأنموذج الذي يتبلور على أساس الثقافة القرآنية.

إنّ ما يدفع المرء للدهشة والتعجب، وبنفس الوقت هو موضع أسف وقلق، الوضع الثقافي الحاكم على بلدنا الإسلامي العزيز إيران، ففي بلد ثار وانتصر على أساس تعاليم القرآن والثقافة الدينية وبقيادة الولي الفقيه، من المؤسف والمقلق حقاً أن تُدلّل أحاديث ومواقف وممارسات بعض المسؤولين في القطاع الثقافي، على أنّهم لا يمتلكون معرفةً كافيةً بهذا الكتاب السماوي، ولا يرون الأنموذج الحكومي المنبثق عنه أكثر كفاءة من كل أنموذج آخر شرقي أو غربي، فهؤلاء دائمو التراجع عن أصول الثورة الإسلامية والقيم الدينية، وبسبب افتقارهم للإيمان الكافي واليقين القلبي، يصرّحون دون خجل تارةً بالتلويح، وأخرى بالتصريح، قائلين لقد ولّى زمن حاكمية القرآن وفاعلية الثقافة الدينية على صعيد الحكم، ولا حاجة للمجتمع البشري في هذا الزمان للوحي الإلهي، وهو لوحده قادر على طرح مناهج أفضل لإدارة المجتمع وتوفير الأمن وإقرار النظام.

كان مناسباً أن نشير إلى ظلم الأنظمة الحكومية القائمة في العالم، والكوارث والجرائم التي تُقترف بحق الشعوب باسم الأنظمة المتطورة المتحضرة، لينكشف أكثر خَواء الكلام الآنف الذكر، وعدم إيمان وانهزامية القائلين به، لكنّنا لكي لا نبتعد عن صلب الموضوع، ونتجنّب الإطالة في الحديث، نغض الطرف عن الحديث عن الإجحاف، وهضم حقوق البشر والظلم والجريمة، وانعدام الأمن الموجود في الأنظمة الوضعية.

على أية حال إنّما تتجلّى كفاءة الحكومة القائمة على أساس تعاليم القرآن في توفير القسط والعدل والنظام في المجتمع، عندما يكون لدى المسؤولين وأرباب الحكم قناعة ويقين قلبي بها، ويضعون قوانين القرآن وتعاليمه نصب أعينهم على الصعيد العملي، وإلاّ فلن يحكم على المجتمع، وعليه فإنّ حاكمية القرآن في المجتمع رهن بإيمان كوادر الحكومة، واعتقادهم القلبي بهذا الكتاب السماوي، وهذا الأمر بدوره منوط بمعرفتهم بهذه الوصفة الإلهية الشافية، وشعورهم بالحاجة للدين والحكومة الإلهية، وهذا الشعور لا يتأتى إلاّ بخلق روح العبودية وإزالة روح الاستكبار والتعالي في مقابل حاكمية الله سبحانه وتعالى، فروح الاستكبار هي تلكم الروح المذمومة التي هبطت بالشيطان من رحاب التشرف بمرتبة الملائكة والقرب من عرش الله وتسبّبت بشقائه الأبدي.

جدير في هذا المجال أن نصغي لكلام علي عليه السلام في الخطبة 175 التي يبيّن فيها العواقب الوخيمة للابتعاد عن القرآن الكريم، فهذا الكلام إنذار للذين يصفون أنفسهم أتباعاً لعلي عليه السلام من جهة، ومن جهة أخرى يرون عدم كفاية القرآن والأنموذج الحكومي المنبثق عنه لإدارة المجتمع البشري المعاصر، ويرجّحون النتاجات الفكرية الناقصة للإنسان على الحكومة الولائية للقرآن في رسم السياسات الحكومية، على أمل أن يزداد جميع أبناء شعبنا ـ لا سيما المخطّطين والمتصدين للشؤون الحكومية في ظل هذه التعليمات ـ إيماناً بضرورة محورية القرآن في المجتمع الإسلامي، وتوظيف تعاليمه في ميادين العمل.
 


* تجلّي القرآن في نهج البلاغة - آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي.

22-06-2016 عدد القراءات 297



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا