23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الأول

تجلّي العطاء الإلهي في قيام الحكومة الإسلامية



كلنا يصدّق بأنّ من أعظم طموحاتنا نحن المسلمين بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام أن تكون لنا حكومة عادلةً، تستند إلى الوحي والأحكام الإلهية، فلقد كان أجدادنا وأسلافنا يحلمون بإقامة مثل هذه الحكومة، وبينما كانوا يعيشون تحت نير الملوك وسلاطين الجور في أجواء يشوبها الاضطراب، دون أن يكون لهم دور يذكر في شؤونهم الاجتماعية، كان قيام حكومة إسلامية بمثابة حلم بعيد المنال بل ومستحيل.

بعد مرور ألف وأربعمِئة عام، وفي هذا المقطع التاريخي، ونتيجة لتمسّك الشعب المسلم في إيران بالقرآن الكريم، وقيادة الولي الفقيه، ونائب الإمام المعصوم عليه السلام له، مَنَّ الله تبارك وتعالى على الشعب الإيراني بواحدة من أعظم نعمه أي الحكومة الإسلامية.

من الطبيعي أنّنا لسنا بصدد تبرير النواقص والعيوب والأفعال، بل ما هو موضع تأكيد هنا هو أصل قيام هذا النظام المقدس لتطبيق الأحكام الإلهية يعتبر من النعم الإلهية.

إنّ ما يثير الاهتمام الآن وبعد مضي عشرين عاماً على انتصار الثورة، وما يضاعف من هاجس الحريصين على الثورة وحراس القيم الدينية والأخلاقية، هو أن يفقد المجتمع إيمانه وتقواه، وتأخذ قيمه الثورية والدينية بالاضمحلال تدريجياً، وبالتالي يفلح أعداء الإسلام وإيران في تنفيذ مخططاتهم في إطار الغزو الثقافي، ويتسلّطون مرةً أخرى على الشعب الإيراني المسلم بفصلهم الجماهير ولا سيما جيل الشباب عن القيم الدينية والثورية.

ربّما يتبادر هذا السؤال هنا وهو ما العمل لكي تُصان القيم العقائدية والدينية للمجتمع، وبالتالي يفشل العدو في تمرير مخططاته من ناحية، ولنتغلب على جميع المشكلات من ناحية أخرى؟

في المقطع موضع البحث من الخطبة 157 من نهج البلاغة يلفت علي عليه السلام الاهتمام إلى هذا الموضوع، ويصف طريق علاج المشكلات الفردية والاجتماعية بالرجوع إلى القرآن والعمل بتعاليمه.

علاج المشكلات الاجتماعية في ظل اتّباع القرآن

إنّ كلام علي عليه السلام بهذا الخصوص يمثّل وجهاً آخر لكلام نبي الإسلام الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم حيث قال : "إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن"1 فحيثما خيّمت على مجتمعكم الاضطرابات والهواجس، والمشكلات والفوضى، والفتن كقطع الليل الحالك، ولم تصلوا إلى سبيل لعلاج مشكلاتكم فعليكم الرجوع إلى القرآن، فاجعلوا توجيهاته المخلّصة مِلاكاً للعمل.

إنّ تعاليم القرآن تحيي في القلوب روح الأمل والتغلب على المصاعب، وتهبها السعادة والفلاح، وتنقذ البشر من اليأس والإحباط.

من الطبيعي أنّ كل انتصار رهن بإرادة وسعي البشر، وبناءً على هذا إذا ما أردنا أن نحافظ على استقلالنا وحريتنا وحكومتنا الإسلامية، ونكون في أمان من كل مؤامرة وفي ظلال الله سبحانه وتعالى، فلا سبيل سوى العودة إلى الله وأحكام القرآن، والتوبة عن حالات الكفران وانتهاك الحرمات، التي بدرت من بعض المنبهرين بالغرب إزاء القيم الدينية.

من السذاجة بمكان إذا ما تصورنا أنّ القوى الاستكبارية تتفق مع مسؤولي نظام الجمهورية الإسلامية في أصغر قضية، تصب لصالح الشعب الإيراني المسلم ولا تخدم مصالحهم الاستعمارية، ومن فادح الجحود أيضاً أن نتخلى عن القرآن الكريم ـ معجزة النبي الخالدة التي تكفل السعادة والفلاح ـ ونمد يد الحاجة نحو الأعداء، ونترك ولاية الفقيه التي هي استمرار لولاية الأنبياء والأئمة المعصومين، ونقبل بولاية وتسلط الشياطين وأعداء الله، نعوذ بالله من أن يحلّ يوم يتعرض الشعب المسلم في إيران للغضب بسبب جحود النعمة العظمى المتمثلة بالاستقلال والعزة والأمان، ويصنع بيده أداة سقوطه وذلته من جديد.

على أية حال، إنّ واجب أبناء الشعب لا سيما القائمين على الشؤون الثقافية للبلاد، أن يدافعوا عن حياض العقائد والقيم الأخلاقية والدينية للمجتمع.

إنّ تصوّر البعض ممّن لا يتمتعون برؤية كافية في مجال المعارف الدينية، والواقعين تحت تأثير النظريات الفردية والتيارات العلمانية، فيما يخص المقطع موضع البحث من كلام الإمام عليه السلام حيث يقول : إنّ في القرآن سبيل علاج جميع أدوائكم ومشاكلكم، هو أنّ المراد من الأدواء والمشكلات هي الأمراض والمشكلات المعنوية والأخلاقية الفردية للناس، لكن هذا التفسير ليس صحيحاً في نظرنا ؛ لأنّ موضع البحث أعم من القضايا والمشكلات الفردية والاجتماعية.

لا يخفى أنّ التطرّق بالتفصيل لموضوع فصل الدين عن السياسة، وفقدان النظرية العلمانية لأي أساس، يستدعي فرصةً أخرى، ورغم ذلك سيتضح من خلال بيان وتوضيح كلام أمير المؤمنين عليه السلام على مر هذا البحث هشاشة نظرية فصل الدين عن السياسة وبطلان التيار العلماني.

تنظيم الشؤون الاجتماعية في ضوء توجيهات القرآن

يقول علي عليه السلام "ألا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي ودواء دائكم ونظم ما بينكم"، فبعد تصريحه عليه السلام بأنّ في القرآن علم الماضي والمستقبل، وفي القرآن دواء جميع الأدواء يذكّر عليه السلام بهذا الأمر وهو : "ونظم ما بينكم"، ففي القرآن النظام والطريق لتنظيم العلاقات فيما بينكم أيّها المسلمون، فهذا الكتاب السماوي يحدّد كيفية علاقاتكم الاجتماعية، ولغرض توضيح هذه العبارة الوجيزة وفي نفس الوقت الضامنة للحياة الاجتماعية للمسلمين لا مناص لنا من إيراد مقدمةً موجزة.

إنّ أعظم هدف لكل نظام سياسي واجتماعي هو توفير النظم والأمن الاجتماعي، فلا يمكن العثور على مذهب سياسي في العالم ينكر هذا الهدف، بل إنّ توفير الأمن وإقرار النظام يقف على أساس واجبات كل حكومة، ويقال أيضاً إنّ إقرار النظام السياسي والاجتماعي من أهداف علم السياسية، وقد دأبت كافة الأنظمة السياسية الحاكمة على المجتمعات البشرية على الحديث عنه كأهم أهداف نظامها الحكومة، ولو في شعاراتها وإعلامها على أقل تقدير.

* تجلّي القرآن في نهج البلاغة - آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي


1- بحار الأنوار : ج 92، ص 17.

22-06-2016 عدد القراءات 265



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا