23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

القرآن الكريم :: الفصل الأول

النبي وبيان القرآن



من واجبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إزاء الأمّة بيان آيات الله، يقول القرآن الكريم مخاطباً النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ1 أي أنّنا أنزلنا إليك القرآن وواجبك أن تقرأه على الناس، وتبيّن لهم معارفه، لأنّه وكما تقدمت الإشارة القرآن كلام الله، ورغم أنّه تنزّل كثيراً حتى ظهر بصورة كلمات وآيات، وأصبح في متناول المسلمين، لكن معارفه من العمق بحيث يتعذر فهمها كثيراً بالنسبة للعاديين من البشر، لذلك فإنّ القرآن من هذه الناحية صامت عند البسطاء من الناس، ويحتاج إلى تفسير وبيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام. وعلى هذا الأساس خاطب الله سبحانه نبيه قائلاً: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ.

بناءً على هذا أنّ لآيات القرآن تفسيرها الخاص بها، وهذا التفسير وبيانه وعلومه عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام، وهم بدورهم قد وضعوا معارف القرآن بين أيدي المسلمين، وأسمعوا الناس بلاغ القرآن.

إذن، القرآن بهذا المعنى ناطق، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام قاموا ببيان علوم القرآن، ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ القرآن يدلي بحديثه بمنأى عن ميول مخاطبه، سواء كان مطابقاً لمنى قلب الإنسان أو مخالفاً لهواه، ولا يحق لشياطين الإنس أن يفرضوا رغباتهم على القرآن، ويفسّروا كلام الله بآرائهم تحت عنوان فهمهم الخاص عن القرآن، وفي المستقبل سوف نتحدث بالتفصيل بهذا الصدد.

في ضوء كلا المعنيين اللذَينِ جرى بيانهما عن صامتية القرآن وناطقيته يقول علي عليه السلام: "ناطقٌ لا يعيى لسانُه"، فالقرآن ناطق لا يكلّ من الحديث، ويُسمع الناس رسالته، ويتم الحجة على المسلمين.

في هذا المقطع من الكلام هكذا يصف علي عليه السلام القرآن بأنّه كلام الله بينكم، وبلسان ناطق وبليغ يدعو الناس إلى الفلاح ويبشّر أتباعه بالسعادة، ولا يتعب عن أداء رسالته أبداً.

يقول عليه السلام في الخطبة 157 واصفاً القرآن الكريم: "ذَلِكَ الْقُرْآنُ فَاسْتَنْطِقُوهُ وَلَنْ يَنْطِقَ، وَلَكِنْ أُخْبِرُكُمْ عَنْهُ، أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ"، فهذا القرآن فاطلبوه ليُحدّثكم، وهو لن يتحدث دون بيان وتفسير من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم عليه السلام، فيجب أن تتعرفوا على معارف القرآن عن لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم عليه السلام، وتأخذوا علوم القرآن منهم.

إنّ القرآن بحر المعارف والعلوم الإلهية، ولا يقوى على سير أغوار هذا البحر اللجّيّ المترامي الأطراف، واقتناص جواهره التي تصنع الإنسان، إلاّ الذين هم على ارتباط بغيب عالم الوجود، وقد دعا الله عزّ وجلّ الناس لشق طريقهم نحو معارف القرآن السامية، مستعينين بألطاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة الهدى عليهم السلام، ومستلهمين من علوم أهل البيت وإمداداتهم وإرشاداتهم، لأنّ علوم القرآن عند أهل البيت، وبالتالي فإنّ كلامهم كلام القرآن، وبما أنّ الأمر كذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام هم القرآن الناطق.

على هذا الأساس الآنف الذكر يقول عليه السلام: "ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق"، هذا القرآن وهؤلاء أنتم، فانظروا أنّكم عاج زون عن الانتفاع بالقرآن دون بيان من الإمام المعصوم عليه السلام ! فالإمام المعصوم هو الذي يتعيّن أن يفسّر القرآن ويبيّنه لكم، ويطلعكم على معارف القرآن وعلومه.

بإيراده لهذه المقدمة يُلفت عليه السلام الانتباه إلى القرآن من زاوية أخرى، ويدعو الناس إلى الرجوع إلى القرآن والتدبر به إذ يقول عليه السلام: الآن حيث الإمام المعصوم هو الذي يجب أن يبيّن للمسلمين علوم ومعارف القرآن، والقرآن بنفسه لا يتحدث والناس عاجزون عن تلقّي البلاغات الإلهية مباشرة، فأنا الآن: أخبركم عنه، أنا أخبركم عن القرآن وأطلعكم على علومه ومعارفه، فاعلموا أنّ في القرآن الكريم كل ما تحتاجونه: "أَلا إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتِي وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ"، فعلم الماضي والمستقبل في القرآن، وعلاج آلامكم وتنظيم أموركم في القرآن، وأنتم الذين يجب أن تتولوا تنظيم أموركم، مستعينين بالقرآن الكريم، وبعلوم أهل البيت عليهم السلام.

تذكير بأمرين

1ـ القرآن أهم وثيقة تاريخية بالنسبة للمسلمين وأتباع هذا الكتاب السماوي، نظراً لأنّ القرآن يتحدث عن الوقائع التاريخية، ويبيّن أفكار وعقائد الأقوام والأمم السالفة ونمط حياتهم، فهو أغنى وثيقة تاريخية، وإذا ما قورن بالكتب والمصادر التاريخية التي تفتقد السند القرآني، فهي ليست تضاهي القرآن بقيمتها واعتبارها وإن رويت بصورة متواترة، إذن ينبغي الاستماع إلى أخبار الماضين وقصص الأنبياء والأقوام السالفة، والاتعاظ بها عن طريق القرآن.

علينا نحن من خلال الرجوع إلى القرآن، واستقراء قصص الأقوام والأمم السابقة، استلهام العبر منها وأن ننظّم حياتنا على أساس الحق والمنهج الصحيح.

2ـ إنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى نقله تاريخ الماضين إلينا، ومن خلال بيانه للوقائع التي جرت عليهم، يضعنا في أجواء حياتهم، ويدعونا لأن نستلهم العبر والدروس، فهو يخبرنا عن المستقبل أيضاً، فمن البديهي أنّ الحديث العلمي واليقيني عن المستقبل ليس شأن أحد غير الله سبحانه وتعالى، والذين يمتلكون العلم بالمستقبل بإذنه جلّ وعلا.

إنّ الله هو الذي لا معنى للمستقبل والماضي والحاضر بالنسبة إليه، وبإمكانه الحديث عن المستقبل والإخبار به، وهو القادر على توضيح الطريق لعباده كيف يعملون ليبلغوا السعادة، إنّه القرآن الذي يخبر بما مضى وما سيأتي ويطلع البشر به، لذلك يقول عليه السلام: "أَلا إنّ فيه علم ما يأتي والحديث عن الماضي". أي اعلموا أنّ في القرآن الكريم علم ما يأتي وما مضى.


* تجلّي القرآن في نهج البلاغة - آية الله محمّد تقي مصباح اليزدي


1- النحل: 44 .

22-06-2016 عدد القراءات 300



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا