29 شباط 2020 م الموافق لـ 05 رجب 1441 هـ
En FR

القرآن الكريم :: بحوث من سورة الأنفال

الفرار من الجهاد



يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفَاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الاَْدْبَارَ(15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَال أَوْ مُتَحَيَّزاً إِلَى فِئَة فَقَدْ بَآءَ بِغَضَب مِّنَ اللهَ وَمَأْوَهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ و َمَا رَمَيْتَ إِذْ ر َمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنَينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَـفِرِينَ(18) سورة الأنفال.

كما ذكرنا في تفسير الآيات السابقة، فإنّ الحديث عن قصّة معركة بدر وألطاف الله الكثيرة على المسلمين الأوائل من أجل أن يتّخذ منه المسلمين العبرة والدرس في المستقبل، لذلك فإنّ هذه الآيات توجه خطابها للمؤمنين وتأمرهم أمراً عاماً بالقتال: (يا آيّها الذين آمنوا إِذ لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار).،

و(لقيتم) من مادة (اللقاء) بمعنى الإِجتماع والمواجهة، وتأتي في أكثر أحيان بمعنى المواجهة في ميدان الحرب.

و(الزّحف) في الأصل بمعنى الحركة إِلى أمر ما بحيث تسحب الأقدام على الأرض كحركة الطفل قبل قدرته على المشي، أو الإِبل المرهقة التي تخط أقدامها على الأرض أثناء سيرها، ويطلق على الجيش الجرار الذي يشاهد من بعيد وكأنّه يحفر الأرض أثناء مسيره.

واستخدام كلمة (زحف) ـ في الآية آنفاً ـ تشير إِلى أنّه بالرغم من أنّ عدوكم قوي وكثير، وأنتم قليلون، فلا ينبغي لكم الفرار من ساحة الحرب، وكما كان عدوكم كثيراً في ميدان بدر فثبتّم وانتصرتم.

فالفرار من الحرب يعدّ في الإِسلام من كبائر الذنوب، إلاّ أنّ ذلك مرتبط ـ كما نبيّن بعض الآيات ـ بكون الأعداء ضِعفي عدد المسلمين، وسنبحث هذا الأمر بعون الله في الآيتين (65) و(66) من هذه السورة. ولذلك تذكر الآية بعدها جزاء من يفر من ميدان الحرب مع الإِشارة لمن يستثنون منهم فتقول: (ومن يُولّهم يومئذ دُبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله).

وكما نرى فقد استثنت الآية صورتين من مسألة الفرار، ظاهرهما أنّهما من صورة الفرار، غير أنّهما في الحقيقة والواقع صورتان للقتال والجهاد.

الصورة الأُولى: عُبّر عنها بـ («متحرّفاً لقتال) و«متحرف» من مادة (التحرّف) أي الإِبتعاد جانباً من الوسط نحو الأطراف والجوانب، والمقصود بهذه الجملة هو أنّ المقاتلين يقومون بتكتيك قتالي إزاء الأعداء، فيفرون من أمامهم نحو الأطراف ليلحقهم الأعداء: ثمّ يغافلوهم في توجيه ضربة قوية إليهم واستخدام فن الهجوم والإِنسحاب المتتابع وكما يقول العرب: (الحرب كرّ وفرّ).

الصورة الثّانية: أن يرى المقاتل نفسه وحيداً في ساحة القتال، فينسحب للإلتحاق بأخوأنه المقاتلين وليهجم معهم من جديد على الأعداء.

وعلى كل حال، فلا ينبغي تفسير هذا التحريم بشكل جاف يتنافى وأساليب الحروب وخدعها، والتي هي أساس كثير من الإِنتصارات.

وتُختتم الآية محل البحث بالقول: إنّ جزاء من يفرّ مضافاً إِلى استحقاقه لغضب الله فانّ مصيره إِلى النّار: (ومأواه جهنم وبئس المصير).

والفعل «باء» مشتق من «البواء» ومعناه الرجوع وإِتّخاذ المنزل، جذره في الأصل يعني تصفية محل ما وتسطيحه، وحيث إنّ الإِنسان إذا نزل في محل عدله وسطحه، فقد جاءت هذه الكلمة هنا بهذا المعنى. وفي الآية إشارة إِلى أنّ غضب الله مستمر ودائم عليهم، فكأنّهم قد اتّخذوا منزلا عند غضب الله.

وكلمة «المأوى» في الأصل معناها «الملجأ» وما نقرؤه في الآية، محل البحث (ومأواه جهنم) فهو إشارة إِلى أنّ الفارين يطلبون ملجأ ومأوى من فرارهم لينقذوا أنفسهم من الهلكة، إِلاّ أنّ ما يحصل هو خلاف ما يطلبون، إذ ستكون جهنم مأواهم، وليس ذلك في العالم الآخر فحسب، بل هو في هذا العالم إذ سيحترقون في جهنم الذلة والإِنكسار والضياع.

ولذا فقد جاء في «عيون الأخبار» عن الإِمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) في جواب أحد أصحابه حين سأله عن فلسفة تحريم الفرار من الجهاد فقال: «وحرم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والإِستخفاف بالرسل والأئمّة العادلة عليهم السلام، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة على إنكار ما دعوا إليه من الإِقرار بالرّبوبية وإظهار العدل وترك الجور وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرءة العدوّ على المسلمين، وما يكون من السبي والقتل وإبطال دين الله عزّ وجلّ وغيره من الفساد».

ومن ضمن الإِمتيازات الكثيرة التي كانت عند الإِمام علي(عليه السلام)، وربّما يشير إِلى نفسه أحياناً ليكون نبراساً للآخرين قوله «إِنّي لم أفر من الزحف قطّ، ولم يبارزني أحد إلاّ سقيت الأرض من دمه».

والعجيب أنّ بعض المفسّرين من أهل السنة يصرّ على أنّ حكم الآية السابقة يختص بمعركة بدر، وأنّ التهديد والوعيد من الفرار من الجهاد يتعلق بالمقاتلين في بدر فحسب، مع أنّه لا يوجد دليل في الآية على هذا التخصيص، بل لها مفهوم عام يشمل كل المقاتلين والمجاهدين.

وفي الرّوايات والآيات كثير من القرائن الذي يؤيد هذا المعنى «ولهذا الحكم شروط طبعاً سنتناولها نعالجها في الآيات المقبلة من هذه السورة إن شاء الله».

ولئلا يصاب المسلمون بالغرور في إنتصارهم، ولئلا يعتمدوا على قواهم الجسمية فحسب، وليذكروا الله في قلوبهم دائماً، وليتعلقوا به طلباً لألطافه، فإنّ الآية التّالية تقول: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى).
لقد ورد في الرّوايات والتفاسير أنّ النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي يوم بدر: أعطني حفنة من تراب الأرض وحصاها، فناوله علي ذلك، فرمى النّبي جهة المشركين بذلك التراب وقال: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى).

قالوا: كان لهذا الفعل أثر معجز إذ وقع ذلك التراب على وجوه المشركين وعيونهم فملأهم رعباً.

لاشك أنّ الظاهر يشير إِلى أنّ النّبي وأصحابه هم الذين أدّوا هذا الدور في معركة بدر، لكن القرآن يقول: إنكم لم تفعلوا ذلك أوّلا، لأنّ القدرات الروحية والجسمية والإِيمانية التي هي أصل تلك النتائج كلها من عطاء الله وقد تحركتم بقوة الله وفي سبيل الله. وثانياً قد حصلت في ساحة بدر معاجز كثيرة أشرنا إليها سابقاً، وقد بعثت في نفوس المجاهدين القوّة، وإنهارت بها قوى المشركين ومعنوياتهم، وكان كل ذلك بألطاف الله سبحانه.

وفي الحقيقة فإنّ الآية محل البحث تشير إِلى لطيفة في مذهب «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين» لأنّها في الوقت الذي تخبر عن قتل المسلمين للكافرين، وتقول إنّ النّبي رمى التراب بوجوه المشركين تسلب منهم كل هذه الأُمور (فتأمل بدقّة).

ولا شك في عدم وجود تناقض في مثل هذه العبارة، بل الهدف هو القول بأنّ هذا الفعل كان منكم ومن الله أيضاً، لأنّه كان بإرادتكم والله منحكم القوة والمدد.

وبناء على ذلك فإنّ الذين اعتقدوا بمذهب الجبر مستدلين بهذه الآية فإنّ الردّ عليهم موجود في الآية ذاتها.

والذين قالوا بوحدة الوجود مستدلين بهذه الآية فإنّ الردّ عليهم موجود في الآية بأُسلوب لطيف، لأنّه إِذا كان المراد بأنّ الخالق والمخلوق واحد، فلا ينبغي أن ينسب الفعل إِليهم تارةً وينفي عنهم تارةً أُخرى، لأنّ النسبة ونفيها دليل على التعدد، وإذا تجردت الأفكار عن الحكم المسبق والتعصب المقيت لرأينا أن الآية لا ترتبط بأىَّ من المذاهب الضّالة، بل هي تشير إِلى المذهب الوسط «أمر بين أمرين» فحسب.

وهذه الإِشارة لأجل هدف تربوي، وهو إِزالة الغرور وآثاره، إذ يقع ذلك عادة في الأفراد بعد الإِنتصارات.

وتشير الآية في ختامها إِلى لطيفة مهمّة أُخرى، وهي أنّ ساحة بدر كانت ساحة امتحان وإختبار، إذ تقول: (وليبلي المؤمنون منه بلاءً حسناً).

والبلاء معناه الإختبار في الأصل، غاية ما في الأمر تارة يكون بالنعم فيسمى بلاءً حسناً، وتارةً بالمصائب والعقاب فيسمّى بلاءً سيئاً، كما تشير إِلى ذلك الآية (168) من سورة الأعراف في شأن بني إسرائيل (وبلوناهم بالحسنات والسيئات).

لقد شاء الله أن يذيق المؤمنين في أوّل مواجهة مسلحة بينهم وبين أعدائهم طعم النصر، وأن يجعلهم متفائلين للمستقبل، وهذه الموهبة الإِلهية كانت إختباراً لهم جميعاً، وإلاّ أنّه لا ينبغي لهم أن يغتروا بهذا الإِنتصار أبداً، فتكون النتيجة سلبية، وذلك بأن يروا عدوهم حقيراً وينسوا بناء ذواتهم ويغفلوا عن الإِعتماد على الله. لهذا فإنّ الآية تختتم بهذه الجملة (إنّ الله سميع عليم).

أي أنّ الله سمعَ صوت استغاثة النّبي والمؤمنين، واطلع على صدق نياتهم، فأنزل ألطافه عليهم جميعاً ونصرهم على عدوّهم، وأنّ الله يعامل عباده بهده المعاملة حتى في المستقبل، فيطلع على ميزان صدق نياتهم وإخلاصهم واستقامتهم، فالمؤمنون المخلصون ينتصرون أخيراً، والمراؤن المدعون ينهزمون ويفشلون.

وفي الآية التالية يقول سبحانه تعميماً لهذا الموضوع وأنّ مصير المؤمنين والكفار هو ماسمعتم، فيقول: (ذلكم) ثمّ يعقب القرآن مبيناً العلّة (وإن الله موهن كيد الكافرين).


* تفسير الأمثل _ سورة الأنفال/ اية الله مكارم الشيرازي.

13-06-2016 عدد القراءات 1414



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا