29 شباط 2020 م الموافق لـ 05 رجب 1441 هـ
En FR

القرآن الكريم :: قرآنيات

سُبْحَـنَ الَّذِى خَلَقَ الاْزْوَجَ كُلَّهَا



وَءَايَةٌ لَّهُمُ الاْرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّـت مِّن نَّخِيل وَأَعْنَـب وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَـنَ الَّذِى خَلَقَ الاَْزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الاَْرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ (36) سورة يس.

توضّح الآيات ـ مورد البحث ـ مسألتي التوحيد والمعاد معاً لإيقاظ المنكرين لهاتين المسألتين ودفعهم إلى الإيمان.

تتعرّض الآية الاُولى إلى قضيّة إحياء الأرض الميتة والبركات التي تعود على الإنسان من ذلك فتقول: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبّاً فمنه يأكلون)(1).

قضيّة الحياة والبقاء من أهمّ دلائل التوحيد، وهي قضيّة في واقعها معقّدة ومليئة بالألغاز وباعثة على الدهشة، إذ أنّها حيّرت عقول العلماء جميعاً، فبرغم التطور والتقدّم الحاصل في وسائل الدراسة وفي العلوم بشكل عام، لا زال الكثير من الأسرار تنتظر الحلّ! وحتّى الآن لم يُعلم تحت تأثير أي العوامل تتحوّل موجودات ميتة إلى خلايا حيّة؟

حتّى الآن، لم يعرف كيف تتكوّن طبقات خلايا البذور؟ وما هي القوانين المعقدّة التي تحكمها؟ بحيث أنّها بمجرد توفّر الشرائط المساعدة تبدأ بالتحرّك والنمو والرشد. وتستلّ من ذرّات التراب الميتة وجودها، وبهذا الطريق تتحوّل الموجودات الميتة إلى أنسجة موجودات حيّة فتعكس في كلّ يوم مظهراً مختلفاً من مظاهر حياتها ونموّها.

قضيّة الحياة في عالم النباتات والحيوانات وإحياء الأرض الميتة تعتبر من جانب دليلا على وجود معلومات وقوانين دقيقة سخّرت في خلق ذلك العالم، ومن جانب آخر تعتبر دليلا على البعث بعد الموت.

ومن الواضح أنّ الضمير في «لهم» يعود على كلمة «العباد» التي ورد ذكرها في الآيات السابقة، والمقصود من «العباد» هنا هم جميع الذين وقعوا في خطأً في تقدير مسألة المبدأ والمعاد، والذي عدّ القرآن الكريم وضعهم باعثاً على الحسرة والأسف.

تنكير «آية»، إشارة إلى عظمة وأهميّة ووضوح تلك الآية التوحيدية.

جملة (فمنه يأكلون) إشارة من جانب إلى أنّ الإنسان يستفيد من بعض بذور النباتات للتغذية، بينما بعضها غير قابل للأكل، ولكن له فوائد اُخرى كتغذية الحيوانات، وصناعة الأصباغ، والأدوية، والاُمور الاُخرى التي لها أهميّة في حياة الإنسان.

ومن جانب آخر فإنّ تقديم «منه» على «يأكلون» والذي يدلّ عادةً على الحصر، هو لبيان أنّ أكثر وأفضل تغذية للإنسان هي من المواد النباتية إلى درجة أنّه يمكن القول أنّ جميع غذاء الإنسان يتشكّل منها.

الآية التالية توضيح وشرح للآية الاُولى من هذه الآيات، فهي توضّح كيفية إحياء الأرض الميتة، فتقول: (وجعلنا فيها جنّات من نخيل وأعناب وفجّرنا فيها من العيون).

كان الحديث في الآية الاُولى عن الحبوب الغذائية، بينما الحديث هنا عن الفواكه المقوّية والمغذّية والتي يعدّ «التمر» و «العنب» أبرز وأهمّ نماذجها حيث يعتبر كلّ منهما غذاءً كاملا.

وكما أشرنا سابقاً فقد دلّت دراسات العلماء وبحوثهم على أنّ هاتين الفاكهتين تحتويان على الفيتامينات والمواد الحياتية المختلفة واللازمة لجسم الإنسان، إضافةً إلى أنّ هاتين الفاكهتين يمكن حفظهما وتناولهما طازجتين أو مجفّفتين على مدار العام.

«أعناب» جمع «عنب» و «النخيل» ـ كما يقول الراغب في مفرداته ـ جمعه «نخل» ولكن بإختلاف بين الكلمتين، (فالعنب) يطلق على الثمرة نفسها، ومن النادر إطلاقه على شجرة العنب ولكن «النخل» اسم للشجرة، و (الثمره) يقال له «الرطب» أو «التمر».

يرى البعض بأنّ هذا الإختلاف في التعبير عن الفاكهتين بالإشارة إلى الشجرة مرّة وإلى الثمرة مرّة اُخرى، بسبب أنّ النخلة ـ وكما هو معروف ـ كلّها مفيدة وقابلة للإستفادة، جذعها وجريدها وسعفها وأخيراً ثمرها، في حين أنّ شجرة (الكرم) غالباً ما يستفاد من «عنبها» فقط، وأمّا ساقها وأوراقها فلا يستفاد منها إلاّ قليلا.

وأمّا ما ورد من ذكر الإثنتين بصيغة الجمع، فيبدو أنّه إشارة إلى الأنواع المختلفة لكلّ منهما، إذ أنّ كلا منهما لها عشرات الأنواع تختلف في أشكالها وخصائصها ومذاقها.

والجدير بالملاحظة ـ أيضاً ـ أنّ الحديث في هذه الآية تعرّض إلى إحياء الأرض الميتة دون أن يقرن ذلك بذكر المطر الذي عادةً ما يذكر في مثل هذه المواضع، وورد الحديث هنا عن «العيون»، وذلك لأنّ المطر كاف لزراعة الكثير من المحاصيل والنباتات، في حين أنّ الأشجار المثمرة تحتاج إلى الماء الجاري أيضاً.

«فجّرنا» من مادّة «تفجير» وهو شقّ الشيء شقّاً واسعاً، ومن هنا إستخدمت الكلمة للتعبير عن العيون، لأنّها تشقّ الأرض وتدفع ماءها إلى سطح الأرض(2).

الآية التالية تشرح وتوضّح الهدف من خلق تلك الأشجار المباركة المثمرة فتقول: إنّ الغرض من خلقها لكي يأكلوا من ثمارها دون حاجة إلى بذل جهد في ذلك ودون تدخّل الإنسان في صناعتها .. (ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون).

نعم، ثمار على شكل غذاء كامل تظهر على أغصان أشجارها، قابلة للأكل بمجرّد جنيها من أغصانها، ولا تحتاج إلى طبخ أو أيّة تغييرات اُخرى، ذلك إشارة إلى غاية لطف الله بهذا الإنسان وكرمه.

حتّى أنّ ذلك الطعام الجاهز اللذيذ، يمكن تجميعه وتعليبه لكي يحفظ لمدّة طويلة بدون أن ينقص من قيمته الغذائية شيء، على خلاف الأغذية التي يصنعها الإنسان من المواد الطبيعية التي أعطاها الله له، فهي غالباً ما تكون سريعة التلف والفساد.

ويوجد تفسير آخر أيضاً لمعنى الآية، وهو جدير بالنظر، وذلك أنّ القرآن الكريم يريد الإشارة إلى الفواكه التي يمكن الإستفادة منها دون إدخال تغيير عليها، وكذلك إلى أنواع الأغذية المختلفة التي يمكن الحصول عليها من تلك الفواكه، بالقيام ببعض الاُمور (في التّفسير الأوّل تكون (ما) في الجملة نافية، بينما في التّفسير الثاني تكون موصولة).

وعلى كلّ حال، فالهدف هو تحريك حسّ تشخيص الحقّ، والشكر في الإنسان، لكي يضعوا أقدامهم على أوّل طريق معرفة الله عن طريق الشكر، لأنّ شكر المنعم أوّل قدم في طريق معرفته.

الآية الأخيرة من الآيات موضع البحث، تتحدّث عن تسبيح الله وتنزيهه، وتشجب شرك المشركين الذي ذكرته الآيات السابقة، وتوضّح طريق التوحيد وعبادة الأحد الصمد للجميع فتقول: (سبحان الذي خلق الأزواج كلّها ممّا تنبت الأرض ومن أنفسهم وممّا لا يعلمون)(3).

نعم، فالله الذي خلق كلّ هذه الأزواج في هذا العالم الواسع، لا حدّ لعلمه وقدرته ومنزّه عن كلّ نقص وعيب، لذا فلا شريك ولا شبيه له، وإن عدّ بعض الناس الحجر والخشب الجامد الميّت نظائر له، فإنّ تلك النسبة الباطلة لا تنقص من مقام كبريائه شيئاً.

بديهي أنّ الله سبحانه وتعالى ليس بحاجة إلى أن يسبّحه أحد، إنّما ذلك تعليم للعباد ومنهاج عملي من أجل طي طريق التكامل.

أمّا ما هو المقصود من «أزواج» هنا، فللمفسّرين أقوال كثيرة.

ما هو مسلّم به أنّ «أزواج» جمع «زوج» عادةً، تطلق على الذكر والاُنثى من أي نوع، سواء كان ذلك في عالم الحيوان أو في غيره، ثمّ شمل المعنى كلّ إثنين يقترنان مع بعضهما البعض أو حتّى إذا تضادّا، حتّى الغرفتين المتشابهتين في البيت يقال لهما زوج، ودفّتي الباب وهكذا، فالمتصوّر أنّ لكلّ مخلوق زوج.

على كلّ حال فليس من المستبعد أن يكون المعنى المقصود هنا هو المعنى الخاصّ، أي جنس المذكر والمؤنث، والقرآن الكريم يُخبر من خلال هذه الآية عن وجود ظاهرة الزوجية في جميع عوالم النبات والإنسان والموجودات الاُخرى التي لم يطّلع عليها البشر.

هذه الموجودات يمكن أن تكون النباتات التي لم تحدّد سعة دائرة الزوجية فيها حتّى الآن. أو إشارة إلى الحيوانات التي تعيش في أعماق البحار، وهذه الحقيقة لم تعرف سابقاً، وما عرف منها في العصر الحاضر إلاّ جانب يسير.

أو أنّها إشارة إلى موجودات اُخرى تقطن كواكب اُخرى في هذا الكون المترامي. أو موجودات حيّة لا ترى بالعين المجرّدة، وإن كان العلماء في وقتنا الحاضر يشيرون إلى أنّ ليس في تلك الموجودات الحيّة ذكر واُنثى، ولكن عالم هذه الموجودات الحيّة غامض ومعقّد إلى درجة أنّ العلم البشري حتّى الآن لم يلج كلّ غوامضها ومكنوناتها.

وحتّى وجود الزوجية في عالم النبات ـ كما قلنا ـ لم يكن معلوماً منها في عصر نزول القرآن سوى بعض الحالات المحدودة كما في النخل وأمثاله، وقد كشف القرآن الكريم الستار عن ذلك كلّه، وقد ثبت أخيراً من البحوث العلمية أنّ الزوجية قضيّة عامّة وشاملة في عالم النبات.

كذلك احتمل أيضاً أن تكون قضيّة الزوجية هنا إشارة إلى وجود البروتونات الموجبة والالكترونات السالبة في الذرّة التي تعتبر الأساس في تشكيل كلّ الموجودات في عالم المادّة ولم يكن الإنسان مطّلعاً على هذه الحقيقة والزوجية قبل تفجير الذرّة، ولكن بعد ذلك ثبت علمياً وجود الأزواج السالبة والموجبة في نواة الذرّة والالكترونات التي تدور حولها.

البعض اعتبر «الزوجية» هنا إشارة إلى تركيب الأشياء من «مادّة» و «صورة» أو «جوهر» و «عرض»، والبعض الآخر قالوا: إنّها كناية عن «الأصناف والأنواع المختلفة» للنباتات والبشر والحيوانات وسائر موجودات العالم.

ولكن الواضح أنّه حينما نستطيع حمل هذه الألفاظ على المعنى الحقيقي (جنس المذكّر والمؤنّث) ولا نجد قرينة على خلاف ذلك، فلا داعي لأن نبحث بعد ذلك عن المعاني الكنائية، وكما لاحظنا فإنّ هناك عدّة تفاسير جميلة للزوجية بالمعنى الحقيقي لها.

وعلى كلّ حال، فإنّ هذه الآية واحدة من الآيات التي توضّح محدودية علم الإنسان، وتدلّل على أنّ هناك الكثير من الحقائق الخافية علينا وعن معلوماتنا حتّى الآن.

* تفسير الأمثل _سورة يس / اية الله مكارم الشيرازي.


1- وردت إحتمالات عديدة في إعراب الآية، ولكن أوضحها على ما يبدو، هو كون «آية لهم» خبر مقدّم و «الأرض الميتة» مبتدأ مؤخّر، و «أحيينا» جملة إستئنافية وهي توضيح وتفسير للجملة السابقة.
2- من الجدير بالملاحظة أنّ الصيغة الثلاثية المجردة لها «فَجْر» بمعنى (الشقّ) وهنا إستخدمت على وزن «تفعيل» بمعنى التكثير والتشديد.
3- «سبحان» على قول جماعة من المفسّرين وعلماء الأدب هي «عَلَمٌ» للتسبيح، لأنّ العَلَم (الإسم الخاصّ) يكون أحياناً للأشخاص فيسمّى «علم الشخص»، وأحياناً للجنس فيسمّى «علم الجنس»، وأحياناً للمعنى فيسمّى «علم المعنى» بناءً على هذا فمفهوم «سبحان» هو تنزيه وتقديس الله من كلّ عيب ونقص، تنزيهاً يتناسب وعظمة الخالق، والعلم لا يُضاف إلاّ في «علم المعنى». قال البعض أيضاً أنّ «سبحان» لها معنى مصدري، ومفعول مطلق لفعل مقدّر، وفي أيّة صورة فهي تبيّن التنزيه الإلهي بأوكد وجه.

13-06-2016 عدد القراءات 1449



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا