17 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 18 صفر 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: التشريع الإسلامي ومعالمه

التشريع الاِسلامي



التشريع أحد أركان الحضارة فلا تجد مجتمعاً حضارياً إلاّوعنده قوة التشريع والتقنين وهذا ممّا لا كلام فيه.

وإنّما الكلام في الاَصل الذي يعتمد عليه التشريع ويستمد منه. فهناك منهجان:
منهج يعتمد في التحليل والتحريم على رأي الاَكثرية فما صوبته الاَكثرية يُصبح قانوناً محترماً لدى الكل ومالم تصوّبه الاَكثرية يكون مرفوضاً.
ومنهج يعتمد في التشريع على الواقعيات والمصالح والمفاسد فما كان واقعياً وصالحاً للبشرية فهو القانون السائد، وما لم يكن كذلك لا يعتبر أبداً.

والاِسلام في تشريعه يتبع المنهج الثاني، لاَنّ التشريع بيد اللّه سبحانه وتعالى وحده، فلا حاجة إذاً إلى رعاية التصويت والتصويب، وتتجلى واقعية التشريع الاِسلامي في ملامحه ومعالمه.

فالتشريع الاِسلامي يتميز بملامح بينما هي ملامح ثبوتية ترجع إلى مادة التشريع وروحه، وبينما هي ملامح إثباتية ترجع إلى دلالة التشريع.

فما يرجع إلى القسم الاَوّل يتلخص في أُمور ستة:
1. الفطرة الاِنسانية هي المقياس في التقنين.
2. التشريع حسب المصالح و المفاسد الواقعية.
3. النظر إلى المادة والروح على حدّ سواء.
4. النظر إلى الحقائق دون الظواهر.
5. المرونة في التشريع .
6. العدالة في التقنين.

فلنأخذ كلّ منها بالبحث واحداً تلو الآخر ثمّ نرجع إلى بيان ملامح التشريع الاِسلامي في مقام الدلالة والاِثبات .

أمّا الملامح الثبوتيّة فهي عبارة:

1. الفطرة هي المقياس
إنّ للاِنسان مع قطع النظر عن الظروف الموضوعية المحيطة به شخصية تكوينية ثابتة لا تنفك عنه عبر الزمان، فالغرائز السِّفْلية والعلويّة هي التي تكوّن شخصيته ولا تنفك عنه مادام الاِنسان إنساناً، فجعل الاِسلام الفطرة معياراً للتشريع، فكلّ عمل يتجاوب وينساق مع الفطرة فقد أحلّه، وما هو على موضع الضدّ منها فقد حرّمه.

فقد ندب إلى الروابط العائلية وتنسيق الروابط الاجتماعية، كرابطة الولد بوالديه، والاَخ بأخيه، والاِنسان الموَمن بمثله، كما قد حذّر عمّـا ينافي خلقه وإدراكه العقلي، كتحريمه الخمر والميسر والسفاح، لما فيها من إفساد للعقل الفطري والنسل والحرث.

فالاَحكام الثابتة في التشريع القرآني تشريع وفق الفطرة.

2. التشريع حسب المصالح
نعم ثمة ميزة أُخرى للتشريع القرآني، وهو أنّه مبني على المصالح والمفاسد الواقعية. فلا واجب إلاّ لمصلحة في فعله، ولا حرام إلاّ لمصلحة في تركه، قال سبحانه: (إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِاللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون) . (1)وقال سبحانه: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحشاءِ وَالْمُنْكَرِ) . (2)

وعلى هذا الاَساس فقد عقد فقهاء الشيعة باباً خاصاً باسم تزاحم الاَحكام في ملاكاتها حيث يقدّم الاَهم على المهم، ويتوصل في تمييزهما بالقرائن المفيدة للاطمئنان.

3. النظر إلى المادة والروح على حد سواء
آلف القرآن بتعاليمه القيّمة بينهما موَالفة تفي بحقّ كلّمنهما حيث يفسح للاِنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما يصلحه.

لقد غالت المسيحية (الغابرة) بالاهتمام بالجانب الروحي من الاِنسان حتى كادت أن تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية و التعزب، وترك ملاذّ الحياة، والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل الجبال والتسامح مع المعتدين.

كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية، وجعلت الحصول على المادة بأي وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القومية الغاشمة.

لكن الاِسلام أخذ ينظر إلى واقع الاِنسان بما هو كائن ذو بعدين، فبالبعد المادي لا يستغني عن المادة، وبالبعد الروحي لا يستغني عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، فدعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يُوَثرها على حياته الروحية، كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا يصادم فطرته وطبيعته؛ وهكذا فقد قرن بين عبادة اللّه وطلب الرزق وترفيه النفس، فندب إلى القيام بالليل وإقامة النوافل، وفي الوقت نفسه ندب إلى طلب المعاش وتوخّي اللّذة، قال سبحانه:
(وَالّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) (3)وقال أيضاً: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) . (4)

وقال علي أمير الموَمنين عليه السّلام: «للموَمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، وساعة يرمُّ معاشه، وساعة يُخلّـي بين نفسه وبين لذّتها». (5)


1. المائدة: 91.
2. العنكبوت: 45.
3. الفرقان: 64.
4. الاَعراف: 32.
5. نهج البلاغة: باب الحكم، الحكمة 390، طبعة صبحي الصالح.

27-04-2016 عدد القراءات 1024



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا