17 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 18 صفر 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: التشريع الإسلامي ومعالمه

سعة آفاق التشريع



1. إنّ الاَصوليين تحمّلوا عبئاً ثقيلاً لاِثبات كون الاَمر موضوعاً للوجوب ومجازاً في الندب، فإذا ورد الاَمر في الكتاب احتاجوا في استفادة الوجوب منه إلى نفي المدلول المجازي، بإجراء أصالة الحقيقة.

ولكن هذا النمط جار في المحاورات العرفية، والقرآن في غنى عنها في أغلب الموارد أو أجمعها، فإنّ لاستفادة الوجوب أو الندب في الاَوامر الواردة في القرآن طريقاً آخر، وهو الاِيعاز بالعذاب أو النار كما نجده في كثير من الواجبات مثل الصلاة و الزكاة والاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سبحانه: (ما سَلَكَكُمْ في سَقَر* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّين) . قال سبحانه: (وَ سَيُجَنَّبُها الاََتْقى* الّذِي يُوَتِي مالَهُ يَتَزَكّى) بل كل ما أوعد على فعله أو تركه يستفاد منه الوجوب أو الحرمة.

2. اختلف الفقهاء في وجوب الكتابة في التداين بدين والاستشهاد بشاهدين الواردين في قوله سبحانه: (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) . سورة البقرة 282.

فمن قائل بالوجوب أخذاً بأصالة الحقيقة، وقائل باستحبابه مستدلاً بالاِجماع، ومعتذراً عن الاَصل المذكور بكثرة استعمال صيغة الاَمر في الندب، مع أنّ الرجوع إلى نفس الآية وما ورد حولها من الحكمة يعطي بوضوح انّ الاَمرين لا للوجوب ولا للندب، بل الاَمران إرشاديان لئلاّ يقع الاختلاف بين المتداينين فيسد باب النزاع والجدال. قال سبحانه: (ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ) .

ويدلّ على سعة دلالته أيضاً ما رواه المعلّى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : «ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب اللّه عزّوجلّ، ولكن لا تبلغه عقول الرجال».

وقال الاِمام أمير الموَمنين عليه السّلام: «ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق لكم، أُخبركم عنه انّ فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم».

وقال الصادق عليه السّلام: «كتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه».

والسابر في روايات أئمّة أهل البيت عليهم السّلام يقف على أنّهم كانوا يستنبطون من الآيات نكاتاً بديعة ومعاني رفيعة عن مستوى الاَفهام.

وربّما يتصوّر الساذج انّ هذا النوع من التفسير تفسير بالرأي وفرض على الآية، ولكن بعد الاِمعان في الرواية والوقوف على كيفية استدلالهم عليهم السّلام يذعن بأنّ لها دلالة خفيّة على ذلك المعنى الرفيع الشامخ وقد غفل عنه.

مثال ذلك ما رواه العياشي في تفسيره، عن زرقان صاحب ابن أبي دوَاد: أنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه وقد أحضر محمد بن عليعليمها السّلام فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع، فقال الفقهاء: من الكرسوع، لقول اللّه في التيمم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ) .

فالتفت الخليفة إلى محمد بن علي فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فأجاب: «إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الاَصابع، ويترك الكف»قال: لِمَ ؟

قال: «لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: السجود على سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين؛ فإذا قطعت يده من الكرسوع لم يبق له يد يسجد عليها، وقال اللّه تبارك وتعالى: (وأنّ المساجِدَ للّه) يعني به الاَعضاء السبعة التي يسجد عليها: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) وما كان للّه لم يقطع».

فأعجب المعتصم ذلك، فأمر بقطع يد السارق من مفصل الاَصابع دون الكف.

وروي عن الاِمام أمير الموَمنين عليه السّلام أنّه كان إذا قطع السارق ترك الاِبهام والراحة، فقيل له: يا أمير الموَمنين تركت عليه يده؟ قال: فقال لهم: «فإن تاب فبأيِّ شيء يتوضأ؟ لاَنّ اللّه يقول: (وَالسّارِقُوَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) ـ إلى قوله: ـ (فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم)المائدة 38.

فهذا النمط من الاستدلال يوقف القارىَ على سعة دلالة الآيات القرآنية، وانّ أئمّة أهل البيت عليهم السّلام هم السابقون في هذا المضمار، يستنبطون من القرآن ما لا تصل إليه الاَفهام.

27-04-2016 عدد القراءات 795



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا