16 تشرين الأول 2019 م الموافق لـ 17 صفر 1441 هـ
En FR

إضاءات إسلامية :: التشريع الإسلامي ومعالمه

ملامح التشريع الاِسلامي في مقام الاِثبات



أمّا سماته في عالم الاِثبات والدلالة فهي عبارة عن الاَمور التالية:
أ. شموليته لعامة الطبقات.
ب. سعة آفاق دلالة القرآن والحديث.
ج. التدرّج في التشريع.

أ . شمولية التشريع
أخذ القرآن الاِنسان محوراً لتشريعه، مجرّداً عن النزعات القومية والوطنية والطائفية واللونية واللسانية، فنظر إلى الموضوع بنظرة شمولية وقال: (يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبيرٌ ) . (1)

التشريع القرآني تشريع من جانب رب العالمين إلى نوع البشر، فالوطن والقوم والقبيلة لم توَخذ بنظر الاعتبار، والكرامة للاِنسان وحده، ولا فضل لاِنسان على آخر إلاّ بالمُثُل والاَخلاق.

فترى أنّه يخاطب المجتمع الاِنساني بقوله: (يا أَيُّهَا النّاس) أو (يا بَني آدَمَ) أو (يا أَيُّهَا الموَمنون) وما ضاهاها، فكسر جميع الحواجز والقيود التي يعتمد عليها المفكّر المادي في التقنين الوضعي، والذي يقتفي إثر اليهود في مزعمة الشعب المختار.
إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم هو القائل: انّ العربية ليست بأبٍ والد، ولكنها لسان ناطق فمن قصر به عمله لم يبلغه حسبه (2) وفي الوقت نفسه لا يعني بكلامه هذا انّ العلائق الطبيعية، كالانتماء الوطني أو القومي بغيضة لا قيمة لها، وإنّما يندّد باتّخاذها محاور للتقنين، وسبباً للكرامة والمفخرة، أو سبيلاً لتحقير الآخرين، وإيثارها على الدين والعقيدة، يقول سبحانه: (لا تَجِدُ قَوماً يُوَمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ خالِدينَ فِيها رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . (3)

والعجب انّه قد صدر هذا من لدن إنسان أُمّي نشأ في بيئة تسودها خصلتان على جانب الضد من هذا النمط من التشريع، وهما: الاَمّية والتعصّب.

وهذا الاِنسان المثالي صان بأنظمته كرامة الاِنسان، ورفعه إلى الغاية القصوى من الكمال، وأخذ يخاطب ضميره الدفين، و مشاعره النبيلة، ويكلّفه بما فيه صلاحه، ويقول:
(هذا بَيانٌ لِلنّاسِ) . (4)
(هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ) . (5)
(بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَة) . (6)
(يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْجاءَتْكُمْ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُور ). (7)

وإذا قورن هذا النوع من التشريع الذي ينظر إلى الاِنسان بنظرة شمولية وبرأفة ورحمة، دون فرق بين عنصر وآخر، بالتقنين الوضعي السائد في أعصارنا في الشرق والغرب، الناظر إلى الاِنسان من منظار القومية أو الطائفية وغيرهما من النزعات المقيتة، لبان انّ التشريع الاَوّل تشريع سماوي لا صلة له بتلك النزعات، والآخر تشريع بشري متأثر بنظرات ضيّقة تجود لاِنسان وتبخل لآخر، وكفى في ذلك فرقاً بين التشريعين.

ب . سعة آفاق دلالة القرآن والحديث
إنّ من تمعّن في القرآن الكريم و تدبّر في معانيه ومفاهيمه، وقف على سعة آفاق دلالته على مقاصده، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ) . (8)

وعلى ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الاَحكام دراسة معمّقة ثاقبة، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة، ولا ينظر إليها بنظرة عابرة.

وقد استدل أئمة أهل البيتعليهم السّلام بالقرآن على كثير من الاَحكام التي غفل عنها فقهاء عصرهم، ونذكر هنا نموذجاً على ذلك:
قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الاِمام الهاديعليه السّلام يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحيم: (فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَه وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّت اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ) فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات.

تجد انّ الاِمام الهاديعليه السّلام استنبط حكم الموضوع من آية مباركة، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الاَحكام، غير انّ الاِمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو انّ القارىَ الكريم جمع الروايات التي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبدياً لوقف على سعة آفاق القرآن.


1. الحجرات: 13.
2. الكافي: 8|246 برقم 342.
3. المجادلة: 22.
4. آل عمران: 138.
5. إبراهيم: 52.
6. القصص: 43.
7. يونس: 57.
8. النحل: 89.

27-04-2016 عدد القراءات 1007



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا