19 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 30 صفر 1439هـ
En FR

الفكر الأصيل :: الشفاعة

التّأثير المعنوي للشّفاعة



ما ذكرناه من روايات بشأن الشفاعة هو غيض من فيض، فالروايات في هذا المجال كثيرة تبلغ حدّ التواتر، وإنما اخترنا منها ما يتناسب مع بحثنا.

النووي الشافعي (1) في شرحه لصحيح مسلم، نقل عن القاضي عياض وهو من كبار علماء أهل السنة، أنّ أحاديث الشفاعة متواترة (2).

ابن تيمية (المتوفّى 728 هـ.) ومحمّد بن عبد الوهّاب (المتوفّى 1206 هـ.)، مع ما لهما من تعصّب ولجاج في مثل هذه الأُمور، يقرّان بتواتر هذه الروايات.

ثمة كتاب دراسي معروف و متداول بين «الوهّابية» هو «فتح المجيد» للشيخ عبد الرحمن بن حسن، ينقل عن «ابن القيم» ما يلي:
«الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم.
والأحاديث بها متواترة عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة وبدعوا من أنكرها وصاحوا به من كل جانب ونادوا عليه بالضلال »(3).

وقبل أن ندرس الآثار الاجتماعية والنفسية لمسألة الشفاعة والاشكاليات الاربع حول فلسفة الشفاعة، نلقي نظرة على الآثار المعنوية لهذه المسألة في إطار آراء الموحّدين المؤمنين بالشفاعة، فمثل هذه النظرة تمهّد السبيل لدراستنا القادمة في حقل الشفاعة ومعطياتها الاجتماعية والنفسية.(4)

اختلف علماء العقائد المسلمون في كيفية التأثير المعنوي للشفاعة. فقال جمع يسمون «الوعيدية»، وهم المؤمنون بخلود مرتكبي الكبائر في جنهم: إن الشفاعة ليس لها أثر على إزالة آثار الذنوب، بل تأثيرها يقتصر على زيادة الثواب وعلى التكامل المعنوي.

و«التفضيلية» وهم من يعتقد بعدم خلود مرتكبي الكبائر في جهنم، فيذهبون إلى أن الشفاعة تشمل المذنبين، وتؤثر في إسقاط العقاب عنهم.

أما «الخواجة نصير الدين الطوسي(رحمه الله)» فيؤيد كلا الأمرين في كتابه «تجريد الاعتقاد» ويرى وجود كلا الأثرين للشفاعة.

«العلاّمة الحلي(رحمه الله)» شرح عبارة الطوسي في كتابه «كشف المراد» ولم يردّ عليها بل أورد شواهد عليها.

لو أخذنا بنظر الاعتبار ما مرّ بنا بشأن معنى الشفاعة لغوياً ومقارنتها بالشفاعة التكوينيّة، لما ترددنا في صحة ما ذهب إليه المحقق الطوسي.

فمن جهة، ثمة رواية معروفة عن الإِمام الصادق(عليه السلام) هي: «مَا مِنْ أَحَد مِنَ الأَوّلَيِنَ وَالاْخِرِينَ إِلاَّ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى شَفَاعَةِ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (5).

واستنادا إلى هذه الرواية، يحتاج إلى الشفاعة كل النّاس، حتى التائبون المغفور لهم، وفي مثل هذه الحالة لابدّ أن تكون الشفاعة ذات تأثيرين، في الحطّ من الذنوب، وفي علوّ المنزلة.

أما الروايات التي تذهب إلى عدم حاجة الصالحين للشفاعة (6) فهي تنفي ذلك النوع من الشفاعة الخاص بالمجرمين والمذنبين.

ومن جهة اُخرى ذكرنا أن الشفاعة تعني انضمام الفرد الأشرف والأقوى إلى الفرد الأضعف لمساعدة هذا الضعيف، وهذه المساعدة قد تكون لزيادة نقاط القوّة، وقد تكون لإزالة نقاط الضعف.

في الشفاعة التكوينية نشهد هذين اللونين من الشاعة في مسيرة حركة التكامل والنمو، فإنّ الكائنات الأضعف تحتاج إلى عوامل أقوى لإزالة عوامل التخريب تارة (كحاجة النباتات إلى نور الشمس لإبادة الآفات)، وتارة اُخرى لزيادة نقاط القوّة وسرعة التطور (كحاجة النباتات إلى نور الشمس من أجل النموّ)، وهكذا الطالب يحتاج إلى الاُستاذ لإصلاح أخطائه من جهة، ولزيادة معلوماته من جهة اُخرى.

كل ذلك يدلّ على أن للشفاعة أثرين، ولا تقتصر على دائرة إزالة آثار الذنب والإثم (تأمل بدقّة).

ممّا تقدم نفهم أن التائبين بحاجة أيضاً إلى الشفاعة مع علمنا بأن التوبة وحدها كافية لغفران الذنوب، وذلك لسببين:
1 التائبون بحاجة إلى الشفاعة لزيادة مكانتهم المعنوية، ولتقدمهم في مضمار التكامل والارتقاء، وان كان الغفران يتحقق بالتوبة.
2 ثمة خطأ وقع فيه كثيرون في فهم التوبة، إذ تصوروا أنّ التوبة من الذنب قادرة على إرجاع الإِنسان إلى حالة ما قبل ارتكاب الذنب، بينما التوبة ليستكما ذكرنا في موضعه سوى مرحلة أُولى، إنها كالدواء الذي يقطع عوارض المرض، وانقطاع العوارض لا يعني عودة الإنسان إلى حالته الطبيعية، بل يعني انتقاله إلى حالة نقاهة يحتاج خلالها إلى تقوية بنيته الجسمية، ليعود بعد مدة إلى مرحلة ما قبل المرض.

بعبارة اُخرى: للتوبة مراحل، والندم على الذنب والعزم على التطهر في المستقبل هو المرحلة الاُولى للتوبة. والمرحلة النهائية تتحقق حين يعود التائب إلى حالة ما قبل الذنب من كل النواحي. وفي هذه المرحلة تكون شفاعة الشافعين ذات أثر وعطاء.

أفضل شاهد على هذا ما ورد في القرآن وذكرناه من قبل بشأن استغفار الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للتائبين، وتوبة إخوة يوسف واستغفار يعقوب لهم، وأوضح من كل ذلك استغفار الملائكة للصالحين والمصلحين الوارد في الآيات المذكورة آنفاً. (تأمل بدقّة)!.


1.هو يحيى بن شرف من علماء القرن السابع الهجري، والنووي نسبة الى مدينة ((النوى)) قرب د مشق.
2. بحار الانوار،ج3،ص307.
3. فتح المجيد،ص211.
4. ينبغي الالتفات الى اننا نعالج هذه المسألة من خلال المنطق الخاص لعلماء العقائد.
5. بحار الانوار،ج8،ص8، وتفسير علي بن ابراهيم القمي،ج2،ص202.
6.ثواب الاعمال،ص 76،وبحار الانوار،ج88، ص131.

19-04-2016 عدد القراءات 363



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا