19 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 30 صفر 1439هـ
En FR

الفقه الموضوعي :: الأماكن / المال العام

المساجد



تمهيد
إنّ المساجد هي مركز الثقل الاجتماعي في الإسلام، فهي مدارس الشهداء، ومنطلق المجاهدين، ومحلّ العابدين والمعتكفين، وملتقى المؤمنين، ويكفي أن نعلم أنّها مكان اللقاء بين العبد وربه حيث تكون المناجاة، ومنه نبصر بنور العلم، فتشحذ الهمم، وتستحث النفوس، فالمسجد عطاء الله لن، وكرامة وهبنا إياه، قد خصنا بها حيث جعله مضافه الدائم لكل من أحب أن يأتيه في بيته روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله:" في التوراة مكتوب: إن بيوتي في الأرض المساجد فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثمّ زارني في بيتي، ألا وإنّ على المزور كرامة الزائر، ألا بشّر المشّائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة"1.

وقد حثّ الإسلام على بناء المساجد والتردّد إليها، فهي أماكن مفتوحة لجميع المسلمين، فيها يكون اللقاء بينهم، وفي داخلها يتّصلون ببارئهم، ويتوجهون إليه بأصناف الدعاء، ولذا فإنّ هذه المساجد حتّى لو بنيت لقبيلة ما أو قوم ما فإنّها لا تختص بهم، بل تصبح لجميع المسلمين، ليس لأحد منع مسلم من ارتيادها أو الدخول إليها2.

فالمساجد هي أماكن جعلها الله للصلاة والدعاء وقراءة القرآن والوعظ والإرشاد ، والصلاة تتقدّم على غيرها من الأعمال، ولذا لو انحصر مكان الصلاة بالموضع الذي تقام فيه الأعمال الأخرى كان لا بدّ من تخلية المكان للصلاة 3.

ما نهى عنه الإسلام من التصرّفات
1. دخول المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله من الجنب والحائض، ولو كان ذلك بنحو المرور.
2. المكث من الجنب والحائض في سائر المساجد، بل مطلق الدخول إليها، نعم يجوز المرور فيها بالدخول من باب والخروج من آخر.
3. وضع الجنب والحائض شيئاً في المساجد وان كان من الخارج أو في حال العبور.
4. التصرفات التي تتنافى مع شأن ومنزلة المسجد، كاللعب والمزاح بالصوت العالي وبالأيدي، والتحدث بالأمور غير اللائقة وغيرها من الأعمال المستهجنة4.
5. لا يجوز تنجيس المساجد، سواء في ذلك أرضها أو حيطانها أو سقفها، بل تجب المبادرة إلى تطهيرها متى تنجّست إلا إذا لم يتمكن بمفرده من المبادرة إلى تطهيره، بل إنه لو كان مشغولا بالصلاة وعلم بتنجس المسجد وجب عليه مع سعة الوقت قطع الصلاة والمبادرة إلى تطهير المسجد إذا كان التطهير يتوقف على قطع الصلاة.

متفرقات من أحكام المسجد
إذا تنجّس فرش المسجد فالأحوط وجوباً تطهيره.
الأحوط وجوباً عدم تزيين المساجد بالذهب.
لا يجوز رسم ذوات الأرواح في المساجد، كالإنسان والحيوان5.
إدخال الأعيان النجسة أو المتنجّسة إلى المساجد إذا كان في ذلك إساءة أو عدم احترام لخصوصية المسجد 6.

لا يجوز بيع آلات المسجد كالحديد ونحوه، بل لا بدّ من الاستفادة منه في المسجد فان لم يكن ذلك ممكناً استفيد منه في مساجد أخرى، وإن كان ذلك أيضاً غير ممكن جاز بيعه وصرف ثمنه في عمارة المسجد الذي اخذ منه.

الصلاة في المسجد
لقد أجزل الإسلام الثواب لمن يقيم صلاته في المسجد، ولذا كان الثواب على الصلاة التي تقام في المساجد اعظم وذلك وفق الترتيب التالي
7:
أ- المسجد الحرام في مكّة المكرّمة.
ب- مسجد النبي صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة.
ج- مسجد الكوفة في العراق قرب مدينة النجف الأشرف، والمسجد الأقصى في مدينة القدس في فلسطين.
د- المسجد الجامع، والمراد منه المسجد الذي لم يبنَ لقوم بعينهم، أو لأشخاص خاصين 8.
هـ- مسجد القبيلة، وهو المسجد الذي بني لقوم بعينهم.
و- مسجد السوق، وهو الذي يبنى داخل الأسواق.
ز-إن فضيلة الصلاة في المسجد لا تختص بالرجال 9.

حق السبق أو الأولوية
المساجد يقصدها جميع الناس، ومن سبق إلى مكان في المسجد لأجل الصلاة أو سائر الأعمال التي جرت العادة على القيام بها في المسجد، كقراءة القرآن والوعظ والإرشاد لم يجز للآخرين مزاحمته أو إزعاجه 10.

الحقّ في المكان داخل المسجد يحفظ بوضع ما كان من المتعارف على أنّه يدلّ على حجز المكان، كفرش سجادة الصلاة، ولا يكفي وضع التربة أو المسواك أو المسبحة.

ولو فرضنا أنّ شخصاً وضع ما يدلّ على حجزه للمكان، وذهب لقضاء أمر ما، وأصبح الفاصل طويلاً لم يعد الاجتناب عن ذلك المكان لازماً، بل جاز لغيره استخدام المكان.

ولو أنّ آخر اشتغل بالصلاة في المكان المحجوز مسبقاً من قِبَل آخر فالاحتياط الوجوبي يقضي بإعادة الصلاة في مكان آخر.

أموال المساجد
لا يجوز استخدام أموال المسجد في غير الأمور الموضوعة لها، ولذا لا يجوز الاستفادة من المياه الموضوعة للوضوء أو لأمور المصلّين في غير ذلك.
إذا كان الماء الموجود في المسجد موقوفاً لخصوص من يريد الصلاة في المسجد، فلا يجوز الوضوء منه لمن لا يريد الصلاة في ذلك المسجد، ولذا لا بد لأجل جواز الوضوء من إحراز أنّه موقوف لجميع الناس 11.

لا يجوز دخول الكفار المساجد جميعها سواء المسجد الحرام أو غيره 12.
تكره الصلاة على الميّت في المساجد عدا المسجد الحرام في مكّة المكرّمة 13.

الآداب العامّة للمساجد

1. الخروج إلى المسجد متعطّراً لابساً أفضل ثيابه، لكي يكون لقاؤه بربّه وبإخوانه على أفضل صورة.

2. تنظيف المسجد فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:" من قمم 14 مسجداً كتب الله له عتق رقبة، ومن أخرج منه ما يقذي عيناً كتب الله عز وجل له كفلين من رحمته"15.

3. إنارة المساجد في الليل، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله:" من أسرج في مسجدٍ من مساجد الله سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء من ذلك السراج" 16.

4- اجتناب البيع والشراء في المسجد، فعن الإمام الصادقعليه السلام:" جنّبوا مساجدكم البيع والشراء".

5- عدم رفع الأصوات في المساجد، أو الجدال فيها بالباطل، ففي وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى أبي ذر قال له:"يا أبا ذرّ! من أجاب داعي الله وأحسن عمارة مساجد الله كان ثوابه من الله الجنة، فقلت: كيف يعمر مساجد الله ؟ قال: لا ترفع الأصوات فيها ولا يخاض فيها بالباطل ولا يُشترى فيها ولا يُباع، واترك اللغو ما دمت فيها، فإن لم تفعل فلا تلومنّ يوم القيامة إلا نفسك" 17.

6 - كراهة إنشاد الشعر في المساجد:عن رسول الله صلى الله عليه وآله:"من سمعتموه ينشد الشعر في المسجد فقولوا: فضّ الله فاك، إنّما نُصبت المساجد للقرآن" 18.

7 - يكره النوم في المساجد 19.

8- يكره ذهاب الإنسان إلى المسجد ولفمه رائحة، كما يكره أن يبصق الإنسان في المسجد 20.

أحكام المساجد المشرّفة
المشاهد المشرّفة التي تضم قبور الأئمة المعصومين عليه السلام هي أيضاً من الأماكن التي يقصدها المسلمون للصلاة والدعاء والزيارة، وقد ورد الحثّ على زيارة هذه المشاهد، وقد جعلت أحكامها كالمسجد:

فمن سبق إلى مكان في المشاهد المشرّفة فهو أولى به من غيره، كما تقدم في أحكام المسجد، كما أنّ الاختصاص بمكان فيه يتمّ كما يتمّ في المساجد.
لا يجوز للجنب والحائض الدخول إلى المشاهد المشرّفة، والمراد منها ما يصدق عليها أنّها هي المشاهد المشرّفة، أي ما تحت القبّة 21، وأما البناء المحيط أو الصحون فليس لها حكم الحرم، فلا مانع من دخولهما إليها، نعم إذا كانت هذه الأماكن موقوفة على أنها مساجد لم يجز لهما الدخول إليها.

يحرم تنجيس المشاهد المشرّفة كالمساجد، ويجب المبادرة إلى تطهيرها.
دخول الكفّار إلى المشاهد المشرفة حرام إذا استلزم الهتك، والأحوط استحباباً عدم دخولهم مطلقا 22.
يستحب للمقيمين في جوار الأماكن المقدّسة والمشاهد المشرّفة مراعاة من جاء من الأماكن الأخرى للزيارة والدعاء.

* الاماكن والاموال العامة، سلسلة الفقه الموضوعي، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الريشهري- محمد- ميزان الحكمة- دار الحديث، الطبعة الأولى- الحديث 8292
2- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى –ج 1 ص 113
3- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج 2 ص 214
4- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى –، ج 1 ص 114
5- الخميني - روح الله الموسوي - توضيح المسائل – سازمان جاب وانتشارات وزارت فرهنكي وإرشاد إسلامي، ص 125
6- الخميني - روح الله الموسوي - توضيح المسائل – سازمان جاب وانتشارات وزارت فرهنكي وإرشاد إسلامي، ص 125
7- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج 1 ص 151 بحث مكان المصلي
8- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى – ج ص 116
9- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى – ج 1 ص 113
10- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ، ج 2 ص 215
11- الخميني - روح الله الموسوي - توضيح المسائل – سازمان جاب وانتشارات وزارت فرهنكي وإرشاد إسلامي، ص 35
12- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى –ـ ج 1 ص 122
13- الخميني - روح الله الموسوي - توضيح المسائل – سازمان جاب وانتشارات وزارت فرهنكي وإرشاد إسلامي، ص 82
14- قمم أي أزال القمامة منه.
15- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –، ج 3 ص 511باب 32 من أبواب أحكام المساجد ح 2
16- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –باب 34 من أبواب أحكام المساجد ح 1
17- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –، باب 27 من أبواب أحكام المساجد ج 3
18- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –باب 14 من أبواب أحكام المساجد ح 1
19- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى –، ج 1 ص 114
20- هذه الآداب مذكورة في رسالة توضيح المسائل للإمام الخميني ص 126
21- السيد الخامنئي - علي - أجوبة الاستفتاءات - دار النبأ للنشر - الطبعة الأولى –، ج 1 ص 124
22- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج 2 ص 506

04-04-2016 عدد القراءات 652



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا