23 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 04 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الأدعية والزيارات :: الدعاء الثاني

الصلاة على محمد وآله



وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الاُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُـرُونِ السَّالِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَ إنْ عَظُمَ، وَ لا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيع مَنْ ذَرَأَ وَ جَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ.

طبيعة الدعوة وشخصية الداعي
( والحمد لله الذي من علينا بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله ) الإسلام إصلاح للحياة في إرشاده، وهدايته، وحق، وصدق في مصدره، لأنه يخاطب العقل، ويأمر باتباع العلم، وينهى عن الأخذ بالظن، والمحاكاة، والتقليد، وقال كاتب معاصر: « إذا تتبعنا في القرآن الكريم لفظ العقل، ومشتقاته، ومترادفاته، وجدنا ذلك يبلغ 80 مرة، أما لفظ العلم، وما يتفرع منه فقد بلغ ( 880 ) مرة، وكل مدلولات العلم، والعقل في كتاب الله ترتبط بالدين، والتشريع، والحياة، وآداب السلوك » وفي الحديث: « العقل أصل ديني »، وفي أصول الكافي: « العقل دليل المؤمن »، « ومن كان عاقلاً كان له دين » ومن دان بدين العقل، والعلم لا يحتاج إلى شاهد على دينه، وإيمانه وإلا تحول الدليل على غيره مدلولاً عليه، وإنما يطالب بالدليل على أنه يدين بهذا الدين القويم، وشاهد الإسلام كتاب الله، وسنة نبيه، وأقوال العلماء، والمفكرين من المسلمين، وغيرهم المنصفين.

ولكن هل تثمر الدعوة، وتنتشر لمجرد أنها سداد، ورشاد ؟ فقد أرسل سبحانه مئات الأنبياء للأمم الماضية قبل محمد صلى الله عليه وآله فكذبوا بآياته، ونكلوا برسله « فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون » فأهلكهمم بالخسف، أو الطوفان، أو الصيحة، وما أشبه حيث لا علاج على الإطلاق إلا الهلاك ؛ لأنه تعالى يكره العذاب لعباده، ومن هنا فتح باب التوبة للمذنبين وفي أصول الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام: « إن الله جل وعز أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة... » لا لشيء إلا لأنه نجا من العذاب: « ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وءامنتم وكان الله شاكراً عليماً ».

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا استجابت النفوس لدعوة الإسلام، وتفاعلت معه حتى انتشر في شرق الأرض، وغربها في أمد لا يتجاوز نصف قرن، وما ظفرت أية دعوة من قبل بمثل هذا الفتح، وأمده، فما هو السر يا ترى ؟.
الجواب: السر كل السر يمكن في عظمة الإسلام، وأسراره، وفي شخصية محمد التي دانت لها الرقاب طوعاً، وأدهشت الألباب بذاتيها المؤثرة، وبصيرتها النافذة، وحكمتها الرزينة، وسموها على الهوى والفردية، ولو جاء بالإسلام غير محمد، أو جاء محمد بغير الإسلام ما كان للرسالة، ولا للرسول هذا الثقل، والأثر الذي عرفه تأريخ الإنسانية للإسلام ونبيه، ولا قال فيه المنصفون الأجانب الذين يهتمون بالدراسات الإنسانية ما قالوه، ومن ذلك على سبيل المثال قول ديورانت: « إذا حكمنا على العظماء بما كان للعظيم من أثر في الناس، قلنا كان محمد أعظم العظماء ». وقول برناردشو: « إن رجلاً مثل محمد لو تسلم زمان الحكم المطلق اليوم في العالم كله لتم له النجاح في حكمه، وقاده إلى الخير، وحل مشكلاته بوجه يحقق للعالم السلام، والسعادة المنشودة ».

لقد ذكر المسلمون لمحمد صلى الله عليه وآله ألف معجزة كما في مجمع البحرين للشيخ الطريحي من يوم ولادته إلى يوم انتقاله للرفيق الأعلى، ولمجرد التيمن، والتبرك نذكر واحدة منها، قالت حليمة السعدية: « ناولت محمداً، وهو في المهد، وللمرة الأولى، الثدي اليمنى فأقبل عليها، ثم أعطيته اليسرى فأبى وتركها لأخيه، وكان هذا دأبه لا يأخذ إلا الواحدة، ويترك لأخيه الأخرى » أي لأخيه من الرضاع. وعلق على ذلك عالم معاصر بقوله: « لله أنت يا محمد ! هكذا فطرت على القناعة، والعدل، وعلى كراهية الإستثار بالفضل، لقد طبت في المهد صبياً كما طبت رجلاً سوياً » وبهذا العدل، وكل الخلال الفضلى جلب محمد الناس إلى الإسلام بشهادة القرآن: « ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك »، ولو انفظوا من حوله لكان الإسلام مجرد كلام في كلام، ومن هنا كان محمد رحمة مهداة للعالمين، ونعمة كبرى على المسلمين، وجزاءاً متمماً للإسلام، كما أن الإسلام جزء متمم لمحمد.

( بقدرته التي لا تعجز عن شيء وإن عظم، ولا يفوتها شيء وإن لطف ) أي دق وصغر. إختلف الفلاسفة، وعلماء الكلام في معنى قدرته تعالى، وأطالوا الكلام كما في أسفار الملا صدرا ! علماً بأن الله سبحانه قد حددها، وأوضحها بقوله: « إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون » خطيراً كان الشيء أم حقيراً فخلق الكون بكامله، وخلق الذرة سواء في قدرته تعالى، وفي نهج البلاغة: « وما الجليل، واللطيف، والثقيل، والخفيف، والقوي، والضعيف في خلقه إلا سواء » ( فختم بنا على جميع من ذرأ ) أي خلق. ختم سبحانه الوحي والنبوة بمحمد صلى الله عليه وآله فلا نبي، وأهل بيت نبي بعد محمد عليهم أفضل الصلوات ( وجعلنا شهداء على من جحد ) جاء في أصول الكافي: « أن الإمام الصادق قال في تفسير هذه الآية: « فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً »: نزلت هذه الآية في أمة محمد صلى الله عليه وآله خاصة، في كل قرن منهم، إمام منا شاهد عليهم، ومحمد صلى الله عليه وآله شاهد علينا » ( وكثرنا بمنه على من قل ) أمة محمد صلى الله عليه وآله أكثر الأديان السماوية أئمة، وعلماء بدين، ويشهد بذلك كتب التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه، وأصوله، والأخلاق، وكتب السيرة، والمناقب، بل وعدداً أيضاً، لأن موسى، وعيسى عليهم السلام يبرءان ممن حرف التوراة، والإنجيل، وفي صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب في قول النبي: « أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً... وإن نبياً من الأنبياء ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد ».

اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير، ومفتاح البركة، كما نصب لأمرك نفسه، وعرض فيك للمكروه بدنه، وكاشف في الدعآء إليك حامته، وحارب في رضاك أسرته، وقطع في إحياء دينك رحمة، واقصى الأدنين على جحودهم، وقرب الأقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الأبعدين، وعادي فيك الأقربين.

الأمانة
( اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك ) إختار سبحانه محمداً لرسالته، لا لذكائه، وفطنته، أو لنسبه، وشجاعته، وكفى، بل ولصلابته في الحق إلى حد التضحية بالنفس من أجله، ولالتزامه بالصدق وإن أضربه، وقيامه بالقسط ولو على نفسه، ولطهره في السيرة، والسريرة، وحبه للخير، ورحمته بأعدائه، وأوليائه، وحرصه على سعادة الجميع، وهذه الخلال الفضلى، وأمثالها ألزم له من ظله قبل النبوة، وبعدها ؛ لأنها تنبع من نفسه، ومن هنا كان أهلاً لوحي الله، ورسالته، وأيضاً من هنا قال الشيعة الإمامية بعصمة النبي عن الخطأ، والخطيئة كبارها، وصغارها منذ خلقه الله إلى أن قبضه إليه.

والأمانة من حيث هي من أمهات الفضائل، فهي توأم العفة في البطن، والفرج، والنزاهة في اليد، واللسان، والورع عن جميع المعاصي، والمحارم. وفي سفينة البحار مادة ( خ. و. ن ) عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « من خان أمانة في الدنيا، ولم يردها إلى أهلها، ثم أدركه الموت مات على غير ملتي »، ومعنى هذا أن من لا وفاء له لا دين له.

وتجدر الإشارة أن الأمانة يجب ردها لمن هي له حتى ولو حل دمه، وماله غير الأمانة قال الإمام الصادق عليه السلام: « أن ضارب علي بالسيف، وقاتله لو ائتمنني، وقبلت ذلك منه لأديت له الأمانة ». وقال الإمام زين العابدين عليه السلام: « فوالذي بعث بالحق محمداً نبياً لو أن قاتل أبي الحسين عليه السلام ائتمنني على السيف الذي قتل به أبي لأديته إليه ». وهذا الحكم من الأحكام الشرعية الإلزامية، لا من الأخلاقيات، والمستحبات، على أن كل الأحكام الشرعية أخلاقية، وكل الأحكام الأخلاقية شرعية ( ونجيبك ) أي صفيك. وما بعده تفسير له.

23-03-2016 عدد القراءات 421



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا