18 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 29 صفر 1439هـ
En FR

نهج البلاغة :: الثقافة الإدارية

نماذج من الإصلاحات الإدارية في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام



سياسة الإمام علي عليه السلام الإدارية والاقتصادية

استمرّت حكومة أمير المؤمنين عليه السلام من الفترة 35 إلى 40 للهجرة، وتكون فترة حكمه قد بلغت أربع سنوات وتسعة أشهر وثلاثة أيّام.

وقد كانت سياسة الإمام الإدارية والاقتصادية تنطلق من ثوابت لا يطيقها سواه، وأهم هذه الثوابت العدل.

فقد ورد عنه عليه السلام: "اعدل تحكم"1، وقوله: "العدل أفضل السياستين"2. فيكون العدل هو المحور الرئيس الذي تدور حول سياسته عليه السلام وحركته الإصلاحية عموماً.

وإليك بعض النماذج من التراث الإداري في سيرة الإمام علي عليه السلام:

أوّلاً: السياسة الإدارية

تميّزت سياسته الإدارية بعدم المداهنة مع الباطل وعدم القبول بأنصاف الحلول، وقد تجلّى في عزل عمّال بيت المال ، واسترداد ما أُخذ ووزّع من أموال بيت المال.

1- عزل الولاة الفاسدين
يقول أرباب السير: أنّه لمّا بويع أمير المؤمنين عليه السلام بلغه أنّ معاوية قد توقّف عن إظهار البيعة له، وقال: إن أقرّني على الشام، وأعمالي التي ولّانيها عثمان بايعته، فجاء المغيرة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: يا أمير المؤمنين إنّ معاوية من قد عرفت، وقد ولّاه الشام من قد كان قبلك، فولِّه أنت كيما تتّسق عرى الأمور، ثم اعزله إن بدا لك.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أتضمن لي عمري يا مغيرة فيما بين توليته إلى خلعه"، قال: لا. قال: "لا يسألني الله عز وجل عن توليته على رجلين من المسلمين ليلة سوداء أبداً، ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا3 لكن أبعث إليه وأدعوه إلى ما في يدي من الحقّ، فإن أجاب فرجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وإن أبى حاكمته إلى الله"4.

لقد كان بإمكان الإمام عليه السلام أن يُبقي معاوية، وله في ذلك عذر واضح، لأنّ الظروف السياسية المحيطة به لا تسمح له بعزل هذا الوالي العنيد الذي أقامه من قبله من الخلفاء، وبسط له الملك والولاية، وهو يحكم واحدة من أكبر الأقاليم الإسلامية وأغناها، وهي الشام، وقد هيمن عليها وعلى أهلها بشكل يتعذّر عليه إزاحته.

ولكن الإمام لا يقبل عليه السلام بأنصاف الحلول وإنْ حقّقت له إنجازاً سياسياً مؤقّتاً، فإنّ مجرّد الإمضاء على بقاء معاوية ولو لفترة قصيرة بمعنى إعطاء معاوية مشروعيّة البقاء، والسكوت عن الفساد الإداري الذي كرّسه معاوية في السابق. وما يدري علي عليه السلام، إذا أمضى هذه السياسة الأموية الفاسدة مؤقّتاً أن يطول به العهد لينقضه بعد ذلك، ولعله لا يطول به الأمر لهذه المرحلة الثانية، أو لا يقوى على ذلك.

فيكون قد أمضاه باختياره، ولم يتمكّن بعد ذلك من نقضه، وهو ما لا يريده أبو الحسن عليه السلام أبداً وبأي ثمن. وهذا هو معنى كلامه للمغيرة بن شعبة الذي نصحه بإبقاء معاوية بصورة مؤقّتة.

2- استرداد أموال بيت المال
وكان الإنجاز الآخر هو استرداد أموال بيت المال، وبحسب قوله عليه السلام عندما خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة أن كلّ مال مردود إلى بيت المال، ومما قاله عليه السلام: "... فإنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء، ولو وجدته وقد تزوّج به النساء، وفرّق في البلدان، لردّدته إلى (بيت المال)، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحقّ فالجور عليه أضيق"5.

لقد استرجع الإمام عليه السلام أموال بيت المال، وهو يعلم أنّه عليه السلام بهذا الإجراء الصارم، سوف يجرّ على نفسه الكثير من الأزمات في حكومته.

3- الالتزام بالقانون
والجانب الآخر في سياسته الإدارية هو الالتزام بالقانون تجاه المتخلّفين من القانون مهما كان المذنب يتمتّع بالحصانة العشائرية أو المالية.

تأمّل في هذه الصورة الرائعة التي يرسمها لنا الإمام الباقر عليه السلام، عن سيرة الإمام علي عليه السلام في تطبيق قوانين الدولة.

فقد ورد عنه عليه السلامأنّه أخذ رجلاً من بني أسد في حدّ، فاجتمع قومه ليكلّموه فيه، وطلبوا إلى الحسن أن يصحبهم، فقال: ائتوه فهو أعلى بكم عيناً، فدخلوا عليه وسألوه، فقال: لا تسألوني شيئاً أملك إلّا أعطيتكم فخرجوا يرون أنّهم قد أنجحوا، فسألهم الحسن، فقالوا: أتينا خير مأتيّ. وحكوا له قوله، فقال: "ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم فاصنعوه، فأخرجه علي فَحَدّه"، ثم قال: "هذا والله لستُ أملكه"6.

بل إنّه عليه السلام أقام الحدّ على شاعره عندما شرب الخمر، وهو يعلم أنّ عاقبة ذلك غضب الشاعر والتحاقه بمعسكر معاوية، وانحراف أقاربه الذين كانوا من المقرّبين عند الإمام عليه السلام الذين دخلوا على الإمام وهم في فورة الغضب والاعتراض، فكان جوابه عليه السلام لهم، وهل هو إلّا رجل من المسلمين انتهك حرمة من حرم الله فأقمنا عليه حدّاً كان كفّارته، إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى7.8

4- عزل من ثبتت خيانته من العمّال ومحاسبته
وهذه صورة أخرى للحملة العلوية الشاملة لتطهير الدولة من العناصر، وهذه سودة بنت عمارة الهمدانية، تصف لنا صرامة الإمام عليه السلام مع عمّاله الذين تثبت خيانتهم حيث تقول وهي تخاطب معاوية لتقارن بين ظلمه وجوره، وعدل أمير المؤمنين عليه السلام: لقد جئته في رجل كان قد ولّاه صدقاتنا، فجار علينا فصادفته قائماً يريد الصلاة، فلمّا رآني انفتل، ثم أقبل عليّ بوجه طلق، ورحمة ورفق، وقال: لك حاجة؟ فقلت: نعم، وأخبرته بالأمر فبكى، ثم قال: اللهم أنت شاهد أنّي لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقّك. ثم أخرج من جيبه قطعة جلد، وكتب فيها: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ9، إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملك حتى يُقدم عليك من يقبضه. والسلام.

ثم دفع إليّ الرقعة، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولاً10.

إنّ الملاحقة للمفسدين وعدم التهاون معهم تؤدّي بلا شكّ إلى الحياة الطيّبة التي يُظلّلها العدل والقانون، وهذا الرفض العلوي للشفعاء الذي يحاولون التوسّط للمذنبين يؤسّس للثقافة الإدارية التي يريدها الإسلام، ولسيادة القانون وخضوع الجميع له.

فليس من العدل أن تُطبّق مبادئ القانون بحذافيرها على الفقراء ويُستثنى منها الأغنياء وأصحاب النفوذ.

5- نهي العمّال عن أخذ الهديّة
روي أنّ علياً عليه السلام استعمل رجلاً من بني أسد يقال له: ضبيعة بن زهير، فلمّا قضى عمله أتى علياً بجراب فيه مال، فقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام، إنّ قوماً كانوا يهدون لي حتى اجتمع منه مال فها هو ذا، فإن كان لي حلالاً أكلته، وإن كان غير ذاك فقد أتيتك به، فقال عليّ عليه السلام: "لو أمسكته لكان غلولاً. فقبضه منه وجعله في بيت المال"11.

ومعنى الغلول: الخيانة.

والإمام عليه السلام يريد بهذه الإجراءات الشديدة أن يحصّن الموظّفين في دولته من خطر الهدايا، فإنّها مقدّمة للانحراف والفساد. لأنّ الغني وصاحب النفوذ وحده من يستطيع تقديم الهدايا وإقامة الولائم للمسؤولين وكان الأولى أن تكون من نصيب الفقراء، ولكنّهم يريدون بذلك شراء ضمائر الموظّفين واستغلال مواقعهم في الدولة.

6- اختيار العيون لمراقبة العمّال
ورد في كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى كعب بن مالك: "أما بعد، فاستخلف على عملك، واخرج في طائفة من أصحابك حتى تمرّ بأرض كورة السواد، فتسأل عن عمّالي، وتنظر في سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب"12.

هكذا كان يتابع عمّاله وولاته حتى يشعروا بعيونه تراقبهم في المواقع التي يديرونها.

فإنّ الرقابة المستمرّة بلا شكّ تمنع من التحلّل والفساد الإداري والمالي.

ثانياً: السياسة الاقتصادية

1- مراقبة السوق
ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرة من القصر، فيطوف في أسواق الكوفة سوقاً سوقاً ومع الدرة على عاتقه، وكان لها طرفان، وكانت تُسمّى السبيبة، فيقف على أهل كل سوق، فينادي: يا معشر التّجار، اتقوا الله عز وجل.

فإذا سمعوا صوته عليه السلام ألقوا ما بأيديهم، وارعوا إليه بقلوبهم، وسمعوا بآذانهم، فيقول عليه السلام: "قدّموا الاستخارة، وتبرّكوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين"، فيطوف عليه السلام في جميع أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس13.

لا بدّ من وجود رقابة اقتصادية صارمة للسوق في تفاصيل البيع والشراء، والمعاملات التجارية الأخرى، وفي خلاف ذلك فإنّ السوق سوف يتحوّل إلى مركز للفساد الاقتصادي.

ويصف لنا الإمام الحسين عليه السلام حركة الإمام علي عليه السلام في أسواق الكوفة بشكل تفصيلي.

فقد ورد عنه عليه السلام: أنّ (علياً عليه السلام) ركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشهباء بالكوفة، فأتى سوقاً سوقاً، فأتى طاق اللحّامين، فقال بأعلى صوته: "يا معشر القصّابين، لا تنخعوا، ولا تعجّلوا الأنفس حتى تزهق، وإيّاكم والنفخ في اللحم للبيع، فإنّي سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن ذلك". ثمّ أتى التمّارين فقال: "أظهروا من رديء بيعكم ما تظهرون من جيّده".

ثمّ أتى السّمّاكين فقال: "لا تبيعوا إلّا طيباً، وإيّاكم وما طفا".

ثمّ أتى الكُناسة فإذا فيها أنواع التجارة، من نحاس، ومن مائع، ومن قماط، ومن بائع ابر، ومن صيرفي، ومن حناط، ومن بزّاز، فنادى بأعلى صوته: "إنّ أسواقكم هذه يحضرها الأيمان، فشوبوا أيمانكم بالصدقة، وكفّوا عن الحلف، فإنّ الله عز وجل لا يُقدّس من حلف باسمه كاذباً"14.

هكذا، ينزل الإمام عليه السلام بنفسه إلى السوق وبيده الدُرّة لينذر المطفّفين والذين يغشّون في تجارتهم. ويباشر هذا العمل الشاق بنفسه، ولا يكله إلى غيره ليطمئن بنفسه إلى سلامة حركة التجارة في السوق.

قال الأصبغ: قلتُ له يوماً أنا أكفيك هذا يا أمير المؤمنين، واجلس في بيتك!

فيقول له الإمام عليه السلام: "ما نصحتني يا أصبغ"15.

لقد كان المجتمع الإسلامي يومذاك، بعد ما دبّ فيه الفساد الإداري والمالي بحاجة إلى نزول أمير المؤمنين عليه السلام بنفسه إلى السوق، ليدرك الناس أهمية العدل في أسواق المسلمين.

وقد كان الإمام عليه السلام يُمثّل هذه السلطة ويدخل في أوساط الناس ليتعلّموا منه احترام النظام وتطبيق مبادئ القانون.

2- التسامح في أسلوب جباية الخراج
يصف أحد الرجال الذين استعملهم الإمام علي عليه السلام لأخذ الخراج، فيقول استعملني علي بن أبي طالب عليه السلام على بزر جسابور، فقال: "لا تضربنّ رجلاً سوطاً في جباية درهم، ولا تبيعنّ لهم رزقاً، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابة يعتملون عليها، ولا تقم رجلاً قائماً في طلب درهم".

قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إذاً أرجع إليك كما ذهبت من عندك! قال: "وإن رجعت كما ذهبت، ويحك إنّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو" - يعني الفضل16.

3- عدم التأخير في توزيع أموال العامّة
ويروي أحدهم أنّه قال: شهدتُ علي بن أبي طالب عليه السلام أُتي بمال عند المساء، فقال: "أقسموا هذا المال"، فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين! فأخِّره إلى غدٍ. فقال لهم: "تقبلون - أي تكفلون - لي أن أعيش إلى غدٍ"؟ قالوا: ماذا بأيدينا!

قال: "فلا تؤخّروه حتى تقسّموه"، فأتي بشمع، فأقسموا ذلك المال من تحت ليلتهم17.

4- التوزيع بالسويّة
في الكافي عن أبي مخنف: أتى أمير المؤمنين عليه السلام رهط من الشيعة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو أخرجت هذه الأموال ففرّقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف، وفضّلتهم علينا، حتى إذا استوثقت الأمور عدّت إلى أفضل ما عوّدك الله من القسم بالسوية، والعدل في الرعية!!، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أتأمروني - ويحكم - أن أطلب النصر بالظلم والجور فيمن ولّيتُ عليه من أهل الإسلام!! لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير، وما رأيت في السماء نجماً، والله لو كانت أموالهم مالي لساويتُ بينهم، فكيف وإنّما هي أموالهم"!!.

وهذه دروس قيادية يرسلها أمير المؤمنين عليه السلام عبر التاريخ إلى كل من يتصدّى لموقع قيادة الجماعة المؤمنة وإدارتها، ليتعلّم هذه القوّة والصرامة في الحقّ والرحمة والتسامح مع الطبقة المستضعفة من الناس.

وسبحان الذي جمع في علي عليه السلام هذه الأضداد من الصفات: اللين، والرحمة، والرقة، والعاطفة، من جانب، والصرامة، والقوّة، والحسم، والحزم، من جانب آخر... كلٌّ في موقعه.

ثالثاً: السياسة الأمنية

ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "شرّ البلاد بلد لا أمن فيه، ولا خصب"18.

وفي هذا الجانب من قيادته وإدارته عليه السلام نشير إلى النقاط التالية: الإجراءات الأمنية التي اتخذها الإمام عليه السلام في دولته.

1- الاستخبارات الأمنية
في كتابه عليه السلام إلى عمّاله يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم - من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي هذا من العمّال: أمّا بعد فإنّ رجالاً لنا عندهم بيعة خرجوا هرباً فنظنّهم وجّهوا نحو بلاد البصرة، فاسأل عنهم أهل بلادك، واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك، ثم اكتب إليّ بما ينتهي إليك عنهم، والسلام"19.

وقد كان الإمام علي عليه السلام حريصاً مهتمّاً بالاستخبارات بمعناها الحديث في حروبه، فقد روي أنّه في وقعة صفّين بعث عليه السلام خيلاً ليحبسوا عن معاوية مادة، فبعث معاوية الضحّاك بن قيس الفهري في خيل إلى تلك الخيل فأزالوها، وجاءت عيون علي فأخبرته بما قد كان، فقال علي لأصحابه: "فما ترون فيما ها هنا"، فقال بعضهم: نرى كذا، وقال بعضهم: نرى كذا. فلمّا رأى ذلك الاختلاف أمرهم بالغدو إلى القوم، فغاداهم إلى القتال قتال صفين فانهزم أهل الشام20.

2- إجلاء المتآمرين أو حبسهم
روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام استخلف حين سار إلى النهروان رجلاً من النخع يقال له: هاني بن هوذة، فكتب إلى علي عليه السلام: أنّ غنياً وباهلة فتنوا، فدعوا الله عليك أن يظفر بك عدوك، قال: فكتب إليه علي عليه السلام: "أجْلِهِم (من مادّة الإجلاء) من الكوفة ولا تدع منهم أحدا"21.

رابعاً: السياسة العسكرية

خاض أمير المؤمنين عليه السلام في فترة حكومته ثلاث حروب رئيسة هي الجمل، وصفين والنهروان. وقد حقّق انتصارات عظيمة، ولولا تخاذل جيشه في صفّين لتمكّن من اكتساح جيش الشام والقضاء على نفوذ معاوية.

هذه الانتصارات لم تأت من فراغ بل من الإدارة العسكرية للجيش وللعمليات القتالية، ومن خلال التنظيم الدقيق للقوّات المسلّحة. يقول ابن عباس: عُقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والله ما رأيت ولا سمعت رئيساً يوزن به، لو رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة قد أرخى طرفيها، كأن عينيه سراج سليط، وهو يقف على شرذمة يحضّهم...22.

وقد تجلّت عبقرية الإمام عليه السلام الإدارية لقوّاته المسلّحة بعدّة أمور:

1- تنظيم الجيش
روي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام إذا زحف للقتال جعل ميمنة وميسرة وقلباً يكون هو فيه، ويجعل لها روابط، ويقدم عليها مقدّمين، ويأمرهم بخفض الأصوات، والدعاء، واجتماع القلوب، وشهر السيوف، وإظهار العدّة، ولزوم كل قوم مكانهم، ورجوع كل من حمل إلى مصافه بعد الحملة.

وفي وصيته عليه السلام وصّى بها جيشاً بعثه إلى العدو: "فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قُبُل23 الإشراف، أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كيما يكون لكم درءاً، ودونكم مرداً، ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين".

"واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب، لئلّا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن، واعلموا أن مقدّمة القوم عيونهم، وعيون المقدّمة طلائعهم".

"وإيّاكم والتفرّق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة، ولا تذوقوا النوم إلّا غراراً أو مضمضة"24.

هذه الوصية تُذكّرنا بقيادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لجيشه في معركة أحد، وكيف أنّه وضع العيون على الجبل، وكانت تقود المسلمين إلى النصر الأكيد لولا مخالفة الرماة تعاليمه صلى الله عليه وآله وسلم.

2- تأسيس القوّات الخاصّة
وقد قام أمير المؤمنين عليه السلام بتأسيس شرطة الخميس وكان قوامها ستة آلاف رجل من أصحابه المخلصين25 وقد ضمّت في قياداتها أسماءً لامعة مثل عمّار بن ياسر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأصبغ بن نباتة، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وحبيب بن مظاهر الأسدي، ومحمد ين أبي بكر، وقنبر مولاه وغيرهم من أصفياء أصحابه.

ويبدو أنّ هذه القوّة الخاصّة ادخرها الإمام عليه السلام للتدخُّل في المهمّات الخاصّة التي تتطلّب مواصفات خاصّة في شخصية المقاتل.

ويصف الأصبغ بن نباتة هذه القوّة لرجل سأله: ما كان منزلة الإمام علي عليه السلام فيكم؟ قال: ما أدري ما تقول! إلّا أنّ سيوفنا كانت على عواتقنا، فمن أومئ إليه ضربناه بها.

وكان يقول: "تشرّطوا، فوالله ما اشتراطكم لذهب ولا لفضة، وما اشتراطكم إلّا للموت، إنّ قوماً ما من قبلكم من (بني إسرائيل) تشارطوا بينهم، فما مات أحد منهم حتى كان نبي قومه، أو نبي قريته، أو نبي نفسه، وإنّكم لبمنزلتهم، غير أنّكم لستم بأنبياء"26.

ومن هذا الوصف يتضح أنّ السمة الأساس التي تميّزت بها هذه القوّة الضاربة هي الطاعة الكاملة لأوامر الإمام عليه السلام. والخضوع الكامل لإرادته عليه السلام خضوع الذي لا يناقش ولا يحتج ولا يعترض، فإنّ الأسماء التي ضمّها كيان شرطة الخميس بلغت في مستوى الإخلاص والانقياد لأوامر الإمام عليه السلام ما جعل أصحابها مؤهّلة تأهيلاً تامّاً لهذه المهمّة الخاصّة.

فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن يحيى الحضرمي يوم الجمل: "أبشر يا بن يحيى، فإنّك وأبوك من شرطة الخميس حقّاً، لقد أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس، والله سمّاكم شرطة الخميس على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم". وذكر أنّ شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل أو خمسة آلاف27.

3- الحرب خدعة
عن عدي بن حاتم: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال يوم التقى هو ومعاوية بصفّين، ورفع بها صوته ليسمع أصحابه: "والله لأقتلن معاوية وصاحبه"، ثمّ يقول في آخر قوله: "إن شاء الله" - يخفض بها صوته -.

وكنت قريباً منه، فقلت: يا أمير المؤمنين عليه السلام إنّك حلفت على ما فعلت، ثمّ استثنيت، فما أردت بذلك؟! فقال لي: "إنّ الحرب خدعة، وأنا عند المؤمنين غير كذوب، فأردت أن أُحرّض أصحابي عليهم كي لا يفشلوا، وكي يطمعوا فيهم، إن شاء الله"28.

4- المسالمة من دون وهن
قال أمير المؤمنين عليه السلام: "وجدتُ المسالمة ما لم يكن وهن في الإسلام أنجع من القتال"29.

وعنه عليه السلام: "من أفضل النصح الإشارة بالصلح"30.

وفي عهده إلى مالك الأشتر: "ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك، ولله فيه رضى، فإنّ في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك. ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه، فإنّ العدو ربما قارب ليتغفّل، فخذ بالحزم، وآتهم في ذلك حسن الظن".

* كتاب قبسات من الثقافة الإدارية في نهج البلاغة، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.


1- الشيخ الريشهري، ميزان الحكمة، ج 6، ص 2425، عن غرر الحكم.
2- م.ن، ص 2424.
3- سورة الكهف، الآية51.
4- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ح 4، ص 117 نقلاً من أمالي الشيخ الطوسي، ص 87، وبشارة المصطفى، ص 263 والمناقب لابن شهر آشوب، ج 3، ص 195.
5- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 121، عن شرح النهج لابن أبي الحديد، ج 1، ص 269.
6- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 130، نقلاً عن المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 147، ودعائم الإسلام، ج 2، ص 443، وبحار الأنوار، ج 41، ص 9.
7- سورة المائدة، الآية 8.
8- روى هذه الرواية صاحب الغارات، ح 2، ص 533 وابن شهر آشوب في المناقب، ج 2، ص 147، والمجلسي في البحار، ج 41، ص 9.
9- سورة الأعراف، الآية 85.
10- الشيخ بهاء الدين الأربلي، وكشف الغمّة، ج 1، ص 173.
11- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 155 نقلاً عن أخبار القضاة، ج 1، ص 59.
12- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 138 - 139 نقلاً عن تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 204.
13- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 176 نقلاً عن الكافي، ج 5، ص 151، وتهذيب الأحكام، ج 6 – 7، ص 17، وأمالي المفيد، ص 197.
14- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 176 – 177 نقلاً عن الجعفريات 238، ودعائم الإسلام، ج 2، ص 538.
15- م.ن، ج 4، ص 177.
16- م.ن، ص 183 - 184 نقلاً عن السنن الكبرى للبيهقي، ج 9، ص 345.
17- الشيخ الطوسي، الأمالي، ص 404، وتنبيه الخواطر، للشيخ ورّام، ج 2، ص 173، والمناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 95.
18- الآمدي، غرر الحكم، حكمة 5، ص 674.
19- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 33، ص 407.
20- موسوعة علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 269 نقلاً عن وقعة صفين لنصر بن مزاحم، ص 360.
21- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 4، ص 282 – 283 عن كتاب الغارات ج 1، ص 18.
22- م.ن، ج 42، ص 460.
23- قبل الإشراف، سفوح المرتفعات.
24- ابن شعبة، تحف العقول، ص 192.
25- الشيخ المفيد، الاختصاص، ص 2.
26- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 4، ص 292 – 293.
27- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ج 4، ص 294 نقلاً عن رجال الكشي، ج 1، ص 24.
28- العلّامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 4، ص 303 - 304.
29- غرر الحكم، 10381.
30- م. ن، 9379.

23-03-2016 عدد القراءات 933



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا