24 أيلول 2017 الموافق لـ 03 محرّم 1439
En FR

العلم نور :: الجامعة في فكر الإمام

الجامعة عند الإمام الخميني قدس سره



1 - اهتمام الإمام الخميني قدس سره بالجامعيين
إن العدّة والأدوات المستخدمة في الجامعة هي الأفكار والمعارف سواء النظرية منها أم تلك التي تتصل بعالم الواقع أي بما لها من انعكاس عملي في حياة الجماعة العلاقات بين الأفراد في منظورها القيمي وفي توافقات هذه العلاقات وتعارضها.

فميدان التخصص في مجالات العلوم الإنسانية يتيح للإنسان بشكل خاص الإحاطة بالتجارب البشرية وبحوادث التاريخ وحركة صعود وهبوط الحضارات واختلافات الرؤى والمدارس والمذاهب في الفلسفات الإنسانية وتنوعات العلوم.

وبطبيعة الحال فإن هذه الإحاطة يتولد منها المعرفة والفهم وهو ما لا يتيسر عادةً إلا للمشتغلين بمجال العلوم.

قد يتيسر هذا الأمر لطلاب المعرفة المشغوفين بالإطلاع على كل جديد في عالم الأفكار ولكن خصوصية الأستاذ الجامعي تبقى أهميتها ماثلة بين الإحاطة والفهم الممنهج الذي يستند إلى مناهج البحث والتفكير والأساليب المتبعة والاستخدام العلمي للعبور من الجهل بموضوع ما إلى المعرفة أو إلى الحقيقة.

فالأفكار والتجارة وتعددية الرؤية، وبروز الظواهر الاجتماعية والأمراض الاجتماعية ليست سوى مادة خام ينبغي الإحاطة بها، والتي تعد مقدمة بحد ذاتها وليست غاية نهائية في معرض البحث عن القوانين المتحكمة بالظواهر الاجتماعية. ومن هنا يصح القول إن العاملين بهذا الحقل هم منتجو المعرفة وليسوا مستهلكيها. وهنا يكمن الفارق بين الإحاطة وبين الفهم، وبين دور الأستاذ الجامعي وبين مستهلكي المعرفة، وبينه وبين غيره ممن يضطلعون بوظائف وأدوار مختلفة.

لما كان الأستاذ الجامعي منتجاً للأفكار فإنه بلا شك سيشكل إحدى الدعامات التي تضيف المزيد من الاستنارة والإغناء لسجل المعارف الإنسانية وللتجربة الحضارية سواء كان متخصصاً في حقل العلوم الإنسانية، أم في ميادين العلوم الطبيعية لأن كليهما مفتوحان على عالم الإبداع إذ ليس تصور الحضارات سوى نتاج ذلك التراكم من الإبداعات التي تفتقت عنها عقول الرواد الكبار في عالم الفكر والمعرفة بشتى صنوفها. وبطيعة الحال فإن الجامعة تشكل إحدى الحاضنات الرئيسة لمثل هذه الإبداعات، والتي لعبت دورها التاريخي المتصاعد في الارتقاء الحضاري، بغض النظر عن أزمة الإنسان الناتجة عن أزمة الحضارة الراهنة التي لم تبدد قلق الإنسان في علاقته مع وجوده ومع الطبيعة وعالم الخلود والتي سنفرد لها مبحثاً مستقلاً في هذا الميدان حين الولوج إلى آراء الإمام الخميني قدس سره.

الإبداعات هي إحدى العلل الرئيسة للتغير العام. ولكن بما أن الأستاذ الجامعي ومن موقعه ووظيفته المركوزة في عالم الأفكار، فلا بد أن يكون له دور تغييري في ميدانه الخاص أي في الحقل الجامعي الناتج عن علاقته التفاعلية مع الطلاب، هذا الدور هو دور تغييري بامتياز ولا يعوقه أو يدحضه ذلك الفصل العميق بين التصنيف المعمول به حديثاً عبر التقسيم بين حقل تربوي ما قبل التخصص الجامعي أي في المدرسة وحقل التعليم الذي يبدأ مع المرحلة الجامعية. وملاك هذا التقسيم يعود إلى الاعتقاد بأن التربية إنما تكون في المراحل الدراسية حيث يتم فيها صياغة الفرد بتنشئته الاجتماعية والوطنية من خلال التعرف إلى المحيط أو الوطن الذي يعيش فيه، حيث ينبغي له أن يكوم متوافقاً ومتآلفاً معه، تقدم له المعارف المتصلة بالبيئة وبالقوانين السائدة. وبطبيعة النظام السياسي الذي يعيش في وسطه، وتاريخ تشكل نظامه، وعلم بلاده وسائر رموز وطنه وحدوده الجغرافية، ومجمل حقوقه وواجباته كإنسان.

في حين أنه في المرحلة الجامعية يكون قد حسم خياراته التربوية من خلال ما يقدم له من معارف في طفولته ليبدأ رحلة التعرف إلى تخصصه الجديد إيذاناً بالاضطلاع بدور بعد التخرج يخدم من خلاله مجتمعه ووطنه.

ملاك الفارق بين التربية والتعليم، هو التحول في الميدان التربوي من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي متوالف مع محيطه وليس غريباً عنه في حين تتم صياغته في الميدان التعليمي للاضطلاع بوظيفة منسجمة مع حقل تخصصه.

غير أن ملاك الاختلاف يكمن في موضع آخر، وهو أن التنشئة بحسب علماء النفس ترافق الفرد منذ ولادته وحتى مماته، في حين أن مرحلة التعليم الجامعي يمكن أن تشكل المرحلة التي لا تخلو من أهمية في حياة الفرد من حيث الممكنات العقلية في مرحلته العمرية الجامعية التي تكون بلا شك مفتوحة على الفهم والاستيعاب والمراجعة والنقد أكثر مما كانت عليه في مرحلة الطفولة وهي مرحلة التلقي لما يقدم له من معلومات. يساعد على ذلك أن المرحلة الجامعية توفر منهجية التعرف إلى أسس العلوم والطرق المستخدمة في الوصول إليها فضلاً عن احتواء المناهج خصوصاً في ميدان العلوم الإنسانية على آراء ونظريات قد تتعارض وتتباين فيما بينها، الأمر الذي ينمي عنده ملكة المقاربة والتحليل والاستنتاج. وفي هذا السياق بحال كان الأستاذ الجامعي ناقلاً للأفكار ليكون صلة الوصل بين الطالب وما يدرسه أو يتعلمه فيكون تأثيره معدوماً أما بحال كان ناقداً ومبدعاً للأفكار سيدخل ميدان التأثير في مسار العملية التعليمية وإن تفاوت حجم هذا التأثير بين المحدودية المطلقة وبين التوسعة. غير أن هذا التأثير فيما لو انتقل إلى أذهان الطلاب سيترك أثره كعامل مساعد في اتجاهات الطالب وسيكون للأستاذ الجامعي دعاة هم الطلاب أنفسهم بحال كان متميزاً في إبداعاته.

قد يطرح التساؤل حول مجافاة الموضوعية جرّاء حشر ذاتية الأستاذ في العملية التعليمية وعدم أمانته العلمية فيما يطلب منه كدور في نقل المعلومات وشرحها. ولكن الموضوعية وعدمها سيطول فيها النقاش حتى بين مبدعي النظريات في ميدان العلوم الإنسانية نفسها لا سيما و أن إعمال النقد وإبداع ،المفاهيم والأفكار إذا ما استند إلى المبادئ العلمية، مهما كانت نتائجه سيكون موضوعياً بلا شك في حين أن الذاتية ستبرز مع عدم مراعاة جوانب العلم وإطلاق المشاعر في التحكيم وعدم احترام الآراء الأخرى والتعامل معها بكثير من التوهين والتسخيف الذي يخلو من المنطق.

أما الموضوعية بالمعنى السلبي، فستكون شديدة التأثير والخطورة مع التعامل مع الأفكار على أنها مسلمات مما يسد أفق تطوير العلم ويقفل أبواب الإبداع. وهل المطلوب من الجامعات في العالم غير الأوروبي أن تكون مجردة من وظيفتها الأساس حين تكون بمثابة الناقل لما أبدعه الآخرون؟

من جهة أخرى يرجع اهتمام الإمام الخميني قدس سره بأساتذة الجامعة إلى طبيعة الدور الذي يضطلع به الأستاذ الجامعي بغض النظر عما إذا كان هؤلاء الجامعيون مناضلين ثوريين أم غير ثوريين، ومن ثم تصوره للدور الذي ينبغي لهم الاضطلاع به في مرحلة تحقق الثورة وترسيخ دعائمها. مردّ هذا الاهتمام إلىأن الأستاذ الجامعي لا ينبغي له أن يكون معزولاً عن الشعب، فهو كفرد مكلف بأداء دوره في المجتمع فضلاً عن أنه يستحوذ على اختصاص يضيف الكثير إلى دوره هذا.ومع أن خطاب الثورة كان يشمل جميع الشرائح، ولكن الجامعيين كان لهم خصوصية في خطاب الإمام، فحين خاطب الإمام الخميني قدس سره الجامعيين بالقول "أيتها الأمة الإسلامية العالمية، السلام على الجامعيين والطلبة الأعزاء يا من تكونون جنوداً للإسلام"1. فإنه كان قد قرن هذا الخطاب بالإشارة ابتداءً إلى عالمية الإسلام كدين شامل يختزن رؤية عالمية، أي رؤية إنسانية وحضارية شاملة، ومن ثم عبرَّ عن كينونة الجامعيين انطلاقاً من الدور المحدد لهم وهو أن يكونوا جنوداً مجندة للإسلام، وهو يعبر عن مدى الدور الذي ستضطلع به هذه الفئة المثقفة. وليس لهم أن يكونوا على الحياد إزاء التغيير الذي تنشره الثورة.وهذا الاهتمام نجده من خلال دور هذه الفئة الذي يعول عليه الإمام.

يقول الإمام "إن النقطة المضيئة التي تمثل الأمل في نهاية حياتي هي وعي الجيل الشاب ويقظة ونهضة المثقفين المتسارعة المتنامية. وإن شاء الله تصل إلى نتائجها والتي هي قطع يد الأجانب وبسط العدالة. أنتم أيها الشباب الطاهرون مكلفون بتوعية الشعب وكشف الستار عن الحيل المختلفة للجهاز الحاكم، وتعريف العالم بالإسلام الذي يريد نشر العدالة"2.

حين يكون الأستاذ الجامعي محايداً في مرحلة اتقاد جذوة الثورة أي مع عدم تسلل الوعي الثوري إلى عقول هذه الفئة المستنيرة(الأساتذة الجامعيين) يعني أن الثورة كمنظومة من الأفكار الرائدة والهادفة نحو تغيير الوضع المتردي نحو وضع أفضل، يشوبها الكثير من الضعف والعجز وعدم الوضوح. في حين أن الثورة الإسلامية بمنطلقاتها وغاياتها كانت قد استندت إلى رؤية مستمدة من فهمها للإسلام كعقيدة وشريعة، وكحركة شاملة نحو بناء الحضارة الإنسانية باتجاه المطلق. فليس من المعقول والحال كذلك، أن يكون الأستاذ الجامعي محايداً. فما هو موقفه من الظلم؟ ومن ضرورة الارتكاز إلى مبدأ العدالة الإنسانية؟ ومن الأمان والرفاه والتنمية وغير ذلك مما ينشده الإنسان بطبعه وتحث عليه الديانات السماوية؟ قد تستشير هذه الأفكار من هم في دائرة المعاناة، ومن رزحوا طويلاً تحت سلطة الظلم والتعسف والاضطهاد والفقر، وتتحرك باتجاهها مشاعرهم قبل عقولهم. ولكن الثورة بحال اقتصارها على مخاطبة الوجدان قد لا يؤذن لها في النجاح، بل قد لا يعدو كونها زوبعة في فنجان لا تلبث أن تهدأ خلال المنعطفات الخطيرة لأحد مراحلها مهما طال أمد أوارها.

حين تخاطب الثورة الوعي والوجدان، تكون أكثر صلابة وتجذراً، فالوعي بمنطلقات الثورة وبمعقولية أهدافها، هو سابق على وجود الإنسان الثوري، بمعنى أنه صنيعة أفكار الثورة وهو يحتاج إلى جهد من رواد الثورة الأوائل لنقله إلى الآخرين، ومن أكثر ما تجذب هذه الأفكار بحال منطقيتها ومشروعية غاياتها وأهدافها، المثقفين والمستنيرين. ولكن مع ذلك، قد يكون هؤلاء أشد أعدائها خصوصاً الأساتذة الجامعيون، لما لديهم من ديمومة الاحتكاك مع عالم الأفكار ومع تجارب الأمم.

ليس من السهل إقناع من داوم على النقد والتحليل، بفكرة العدالة والمساواة وغيرها من القيم الإنسانية لمجرد طرحها. فهذه مفاهيم بالنسبة لهؤلاء، قد تكون مفاهيم عائمة تفتقد إلى الصلابة لتغير النظرة ونسبيتها حولها بين الأمم. كذلك فإن ترسيخ دعائم الحرية وقيام نظام جديد على أنقاض النظام البائد، دونه الكثير من تجارب الأمم خصوصاً في المجتمعات الحديثة التي تقدم نفسها كنموذج في الديمقراطية والمساواة. وهي نظم لا زالت تتراءى أمام ناظرَيْ وأمام عقل الأستاذ الجامعي، بمقابل حال التردي والعجز التاريخي على امتداد التجربة التاريخية، أو على الأقل منذ الاصطدام مع الحضارة الغربية والتي ما زالت مصدر معاناة مجتمعاتنا من الدكتاتورية ومن حال الفقر والتخلف والإخفاق في بناء نموذج حضاري ملائم ومتوافق مع المنطلقات الإسلامية.

فإن لم تكن أفكار الثورة قادرة على مخاطبة عقل ووجدان الشريحة الواعية فقد تجعلهم عرضة للشك وللخوف من تكرار النماذج البائدة. في حين أن العكس قد يحول هذه الشريحة إلى كتلة من اللهب الثوري لا تهدأ ولا تكل مهما عانت الثورة من منعطفات صعبة في مراحلها الأولى.

على هذا الأساس، كان الإمام الخميني قدس سره شديد الاعتناء بهذه الفئة لخطورة دورها في نقل أفكار الثورة إلى الشرائح المستنيرة والمثقفة، إذ لا ينبغي لها والحال كذلك، أن تكون محايدة وإنما يجب أن تكون منخرطة في صفوف الثوار من خلال ما تقدمه من تنظير ومن شرح وتعليل لأهداف الثورة ومن قدرتها على كشف عيوب النظام القائم والمستبد وفضح أساليبه التعسفية.

حيادية الجامعيين ليست وحدها كانت قد دفعت الإمام الخميني قدس سره لإيلائهم هذا الاهتمام، بل أيضاً من خلال الدور السلبي الذي لعبه بعض الأساتذة الجامعيين قبل الثورة سواء جراء عدم الوعي، أم جراء تأثرهم بالغرب، وجراء تعدد آرائهم وأفكارهم المستمدة من الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي. وفي هذا الصدد يقول الإمام "لو كانت جامعاتنا قائمة على ترتيب أصولي، لما كان لدينا طبقة من المثقفين الجامعيين تبتعد عن الشعب في أشد الأزمات التي مرّت بإيران والصراعات وعدد الطوائف، ولا تبالي بما يحدث للناس وكأنها لا تعيش في إيران. إن سبب التخلف يعود إلى سبب عدم المعرفة الصحيحة لأكثر مثقفينا الجامعيين بالمجتمع الإسلامي الإيراني، وهذا مع الأسف موجود، وإن أكثر الضربات المهلكة التي لحقت بشعبنا كانت بيد هؤلاء المثقفين الذين تخرجوا من الجامعات"3.

2 - علاقة الجامعة بالحوزة الدينية

الجامعة والحوزة صرحان تعليميان تربويان سبق أن اضطلعا بوظيفة رائدة في هذا المجال. غير أن واقع الحال جعل كلاَّ منهما صرحاً مستقلاً بذاته ويخلو من تلك العلاقة التفاعلية المطلوبة. بل أكثر من ذلك، فإن ركون الحوزة إلى التراث بحجة الأصالة وإحجامها عن تطوير مناهجها، وانفصام المناهج الجامعية عن أصالة المنطلقات الإسلامية، جعل الإمام الخميني? ينظر بعين الإصلاح لكل من هذين الصرحين ليس على نحو التجديد والتطوير المنفصل وإنما أيضاً في مجال العلاقة التفاعلية بينهما والوظيفة المنشودة لهذه العلاقة في سبيل النهوض بالمجتمع وتحصينه من الانحرافات السلوكية والفكرية.

لقد سبق أن بينا رؤية الإمام الخميني قدس سره لإصلاح الجامعة، وهو سلك هذا المسلك نفسه في ميدان الحوزات الدينية التي شابها الكثير من المعوقات إن لناحية المناهج، أو لناحية وظيفة العلماء الروحانيين، فضلاً عن تلك العلاقة المفترض قيامها بينهم وبين الجامعات.

فبنظر الإمام الخميني قدس سره لعبت الحوزات العلمية على مرّ التاريخ، وقبل تأسيس الصروح الجامعية، كأهم قاعدة للإسلام، دوراً كبيراً في الوقوف أمام الهجمات والانحرافات، وبذل علماء الإسلام جهدهم طوال التاريخ للترويج لمسائل الحلال والحرام الإلهية دون تدخل أو تصرف. وبرأيه "لولا الفقهاء لما كنا ندري اليوم ما هي تلك العلوم التي كانت تقدم للناس في عصرنا تحت عنوان علوم القرآن وأهل البيت عليهم السلام"4.

وقد لعبت الحوزة هذا الدور في ظروف تاريخية صعبة وفي ميادين علمية شتى من جمع علوم القرآن والمحافظة عليها وتدوينها وتبويبها وتنقيحها، وهو عمل ليس من السهل القيام به في ظروف كانت فيها الإمكانات قليلة، وكان السلاطين الظالمون يعملون كل ما في وسعهم لمحو آثار تلك الرسالة. وهذه الجهود التي قام بها العلماء، لا تزال ماثلة، ككتب المتقدمين والمتأخرين في الفقه والفلسفة والرياضيات والفلك والأصول والكلام وعلم الرجال، وعلم الحديث، والتفسير والأدب والعرفان واللغة وتمام فروع العلوم المتنوعة5. والحديث يطول عند الإمام في الخدمات العلمية التي قدمتها الحوزات الدينية ليصل إلى الدور الذي لعبه علماء الدين في انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية.

مع ذلك يرى الإمام أن الحوزة الدينية الراهنة باتت تقتصر على تقديم الثقافة النظرية والفلسفية، في حين أن ثقافة الجامعات والمراكز غير الحوزوية اعتادت على التجربة ولمس الواقعيات، وهو ما دفعه إلى الدعوة " للتوفيق بينها لكي تذوب الجامعات العلمية والدينية في بعضها بعضاً لفتح المجال أكثر لنشر وشرح المعارف الإسلامية"6، وبانفتاح الحوزات على ثقافة العصر عبر تجديد وتنويع مناهج. وإذ يدافع الإمام الخميني قدس سره عن الفقه التقليدي كأسلوب لاستنباط الأحكام الشرعية من المصادر المعتبرة والمنابع الفقهية، فإنه يدعو إلى اعتماد الفقه المتحرك الذي يأخذ عنصري الزمان والمكان في الاعتبار في الاجتهاد كممكنات تعين المجتهد على الإحاطة بمسائل زمانه، وإبداء وجهة النظر في المسائل السياسية والاقتصادية، وإدراك مواقع القوة والضعف لكلا القطبين الرأسمالي والشيوعي اللذين يرسمان الاستراتيجيات المتحكمة بالعالم7.

وبما أن شخصاً واحداً لا يمكنه التكفل بجميع الأبعاد التي جاء بها الإسلام، فلا بد من وجود التخصصية لدى الدارسين في الحوزة، كأن تتصدى بعض المجموعات الدارسة إلى الاهتمام بالجوانب العقلية، والأخرى بالجهات السياسية، والثالثة في مجالات أخرى، وهو ما لا يكون إلا بتدريس سائر علوم الإسلام في أبعاده المختلفة مثلما تعلم الفقه بأنحائه المختلفة8.

إن دعوة الحوزة للانفتاح على ثقافة العصر الموجودة عادة في مناهج العلوم الحديثة التي تدرس في الجامعة، لا تعني نقل الجامعة إلى الحوزة وإنما تتناسب تماماً مع الدور المنشود لعلماء الدين في مقام الافتاء في سائر الميادين الحياتية، ومع دعوته لمراعاة الزمان والمكان وأخذهما بعين الاعتبار في الاجتهاد الذي يقع على عاتق المجتهدين والأصوليين لمواجهة متطلبات الحياة الجديدة التي تتطور مع تطور العلوم وكشوفاتها في البيولوجيا والاقتصادات المالية والاحتكارات وسائر الأمور الاجتماعية والتعاقدية.

أما فيما يختص بعموم الحوزة والجامعة، فالجامعة بنظر الإمام يراد لها أن تبقى جامعة والحوزة كذلك، ولكن اقتضاء التعاون والانفتاح بينهما، ليس فقط لأسباب موضوعية تستهدف إغناء الثقافة وتنوعها بما يخدم أهداف الإسلام، وإنما أيضاً لشعور الإمام الخميني قدس سره بتلك العلاقة المأزومة بينهما في زمن الشاه جراء هذا الفصل بل النظرة المتناقضة بينهما. يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال: "كانوا يريدون منذ البداية أن يجعلوا جامعتنا هكذا، فلم يكن ممكناً ذكر عالم الدين في الجامعة ولا ذكر اسم الجامعي أيضاً في المدرسة الدينية، فكل واحد من هذين كان يشعر بالغربة في حال ذهابه إلى المكان الآخر، يشعر بنفسه أنه لا شيء، ويشعر إلى أي مكان سيىء قد دخل. لقد أرادوا لهاتين الجبهتين اللتين يمكنهما حفظ البلاد وإنقاذها من المشاكل أن يكونا عدوَّين فيما بينهما، فهذا يقضي على ذاك والآخر كذلك، ورأيناهم كيف حصدوا النتائج... لماذا كل هذا العداء في كل مكان ضد طبقة العلماء المظلومين؟ وفي الطرف الآخر الدعاية للجامعي والجامعة. لماذا كل ذلك؟ لأنهم يخافون أنه لو حصل التقارب والتفاهم بين هؤلاء لأدى إلى فهمهم للإسلام"9.

وبهذا المعنى يتضح حرص الإمام الخميني قدس سره على ضرورة العلاقة هذه،و مدى الأهمية التي تشكلها في نزع فتيل النزاع الذي ساد لعقود من الزمن بما فيه من تأثيرات سلبية على المجتمع ولما للجامعة والحوزة من أهمية بمعالجة مشاكل البلاد وتحصينها من المتربصين بها، ولو تمكنت هاتان الفئتان من التنسيق بينهما، لما شعر الإمام الخميني قدس سره بذلك النقص السائد في هذين الصرحين العلميين، إلى الحد الذي دفعه إلى وصف هذه الحال مؤكداً في هذا المجال، " ما ورد في الحديث المأثور عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام "إذا فسد العالِم فسد العالَم " فعامة الناس بنظر الإمام الخميني قدس سره استناداً إلى الحديث المأثور، لا تفسد العالَم بل ما يفسده هو العالم"10.

بهذا المعنى فإن تأكيد الإمام الخميني قدس سره على العلاقة بين الحوزة والجامعة يعبر عن محاولة إعادة ربط كل منهما بالجذور الفكرية للإسلام القائمة على الإيمان بالله والإيمان بالعقل بحيث يكون لكل فرد ولأي موقع انتمى، إنجاز ديني لكونه مبدعاً في مجال تخصصه بوحي من روح الإسلام الداعية إلى تطوير حياة الإنسان واستقامتها في ميادين الهندسة والطب والصناعة والعلاقات الاجتماعية وغيرها، ولا فضل لرجل من الرجال إلا بما يقدمه من منفعة للناس فكيف إذا كان متخصصاً مبدعاً؟ ولا معنى لهذا الإبداع إذا لم يكن تكاملياً تتضافر فيه جهود جميع أبناء المجتمع. أما انفتاح الحوزة على مناهج العلم الحديث، فلا يعني استبدالها وحلولها مكان الجامعة بقدر ما ينفتح الأمر على تأكيد التخصصية، ومواكبة الفقه لتطور الحياة الاجتماعية التي تتطور بتطور العلوم في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

3 - الوحدة الإسلامية

لطالما شكلت الوحدة الإسلامية هاجساً للإمام الخميني قدس سره بسبب حال التفرقة بين المسلمين في العالم الإسلامي والتي تتناقض في جوهرها مع دعوة القرآن الكريم إلى اعتصام المسلمين بحبل الله وأن لا تفرقهم بذور الفتنة والاختلاف بعدما وحدّ الإسلام بينهم بالعقيدة وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد استفاد الغرب من الفرقة بين المسلمين وراح يعمل على تنميتها عبر سياسة التفرقة التي اتخذها منذ وصوله إلى بلاد الشرق.

إن مهمة الدعوة إلى توحيد المسلمين هي مهمة كبيرة وتستلزم بنظر الإمام الخميني قدس سره تضافر جميع الجهود للعمل من أجلها فهي ليست محصورة بعلماء الدين بل بكل المفكرين والمستنيرين وبينهم الأساتذة الجامعيون وهي تحمل على معنى الوجوب والتكليف وليست من باب المستحبات وإنما هي واجب على كل ذي بصيرة. يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد: " يجب أن ينتفض علماء ومفكرو الإسلام العظام في جميع أنحاء العالم وأن يكونوا قلباً واحداً في طريق إنقاذ البشرية من السلطة الظالمة التي فرضت سلطتها على العالم من خلال مختلف الدسائس والحيل"11.

فعالم الدين والمفكر والأستاذ الجامعي هم أكثر من يستطيع بفعل المتابعة والإحاطة، التعرف إلى هذه الدسائس أكثر من غيرهم. وهم أكثر قدرة على التعامل مع هذه الدسائس التي تثير التفرقة بين المسلمين، بفعل قدرتهم على الكتابة وإطلالاتهم في الإعلام. يقول الإمام الخميني قدس سره في معرض بيانه لهذا الدور: " يجب أن ينتفض العلماء والمفكرون ليزيلوا ببيانهم وقلمهم وعلمهم ذلك الخوف الكاذب المسيطر على المظلومين، وأن يقضوا على هذه الكتب التي انتشرت مؤخراً بواسطة الأيدي القذرة للاستعمار وعبيد الشيطان، والتي تهدف لزرع الفرقة بين طوائف المسلمين، وأن يقضوا على جذور الاختلاف والذي هو منشأ مصائب جميع المظلومين والمسلمين، وأن يصرخوا جميعاً بوجه وسائل الإعلام التي تمضي عمرها في أغلب ساعات الليل والنهار، في إلقاء النفاق وزرع الفتن وإشاعة الأكاذيب، وأن يثوروا بوجه مصدر الإرهاب في البيت الأبيض"12.

إن الإرهاب الذي مصدره البيت الأبيض لمصادر أخرى لا تقل شأناً وهي إسرائيل التي يقف المسلمون عاجزون عن دحرها والذين كان يخاطبهم الإمام الخميني قدس سره بمقولته المشهورة لو أن كل فرد من المسلمين ألقى دلواً على إسرائيل لجرفتها السيول. إن وحدة المسلمين هي شرط ومقدمة لزوال إسرائيل. وكلُّ فرد مطلوب منه ذلك بحسب دوره، ودور الأستاذ الجامعي ببيانه وقلمه، من شأنه تسليط الضوء على الفتن التي يحولها هذا العدو، ومن شأنه العمل مع أقرانه علماء الدين على توحيد الكلمة.

4 - مقارعة إسرائيل
يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا المجال: "هي وحدة الكلمة بوجه العدو الأجنبي الذي يريد إلحاق الضرر بكم، لو حافظتم عليها لما أمكن لمجموعة من اليهود السارقين لفلسطين أن تفرق ملايين المسلمين في حين أن الدول الإسلامية جلست مع بعضها بعضاًلتقيم المآتم، كيف استطاع هؤلاء أن يأخذوا فلسطين ولا تستطيعوا أن تعملوا شيئاً؟"13.

الأستاذ الجامعي بحكم عمله بمجال الأفكار يضطلع بدور هام ومميز في هذا الصدد ولكنه أيضاً باعتباره فرداً من أفراد الأمة، فهو مشمول بالدعوة إلى تجهيز نفسه من خلال امتلاكه للروح الجهادية.كما ينبغي لكل أفراد الأمة الإعداد لمقارعة إسرائيل ليس لدوام احتلالها لفلسطين، وإنما لكونها غدة سرطانية باتت تنشر في جسد الأمة. وإسرائيل هذه يراها الإمام الخميني قدس سره بعين الواقع غدة سرطانية تثير المؤامرات وتحتل أجزاء من الشرق الأوسط ويقدم أفعالها كمثال لما يلحق المجاهدين في فلسطين ولبنان من قتل وتشريد فلا بد والحال كذلك من دعوته هذه إلى أنه يجب على كل واحد أن يجهز نفسه ضد إسرائيل وأن يدعم المجموعات المجاهدة التي تعمل على مقارعتها14.

إن الأستاذ الجامعي بفكره وقلمه وبروحه الجهادية يستطيع أن يقدم للأمة الكثير وفي محطات عدّة. لأن ما يمتلكه صرخته المدوية إلى جانب سائر إخوانه خصوصاً في يوم القدس ويضم صوته إلى ملايين المسلمين، عملاً برأي الإمام الخميني قدس سره حينما يقول "عندما يصرخ مليار شخص فإن إسرائيل تخشى صراخهم، إذا خرج المسلمون جميعاً يوم القدس من بيوتهم وصرخوا الموت لأمريكا والموت لإسرائيل، فإن صرخة الموت تجلب الموت لهم... وإنه من الجيد أن نعتبر قليلاً من هؤلاء الشبان الذين هم في أمريكا وانكلترا وبلاد الغرب حين يتظاهرون ويقفون بوجه الشرطة وتوضع القيود في أيديهم وهم يصرخون أيضاً ويطالبون بإحقاق الحق، وأن نتعلم منهم"15.

5 - بناء شخصية الأستاذ
لم تقتصر دعوة الإمام الخميني قدس سره على إصلاح الجامعة بإصلاح المناهج وانفكاكها من التبعية للغرب، وإنما اقترنت بالدعوة إلى إعادة صياغة وبناء شخصية الأستاذ نفسه، نظراً لما للأستاذ من دور خطير سواء في المدرسة أو في الجامعة. فالأستاذ هو مرب ٍّ فضلاً عن كونه معلماً.ولا قيمة لمناهج خاصة بدون وجود أساتذة يحملون منطلقات إسلامية ويقومون بتربية أنفسهم قبل تربية غيرهم.

إن خطورة دور الأستاذ جعلت الإمام الخميني قدس سره يقف على جانب كبير من الحذر تجاه من يعملون في هذا الميدان لأنهم يؤثرون بطبيعة الحال على الأجيال المقبلة. يقول الإمام الخميني قدس سره: " إنه لمن السذاجة أن يجعل الإنسان من المعلم المنحرف والمعلم الذي يميل إلى الشرق أو الغرب، أن يجعله معلماً للأولاد الذين لهم نفوس صقيلة كالمرآة، وإنه لمن السذاجة أن نتصور أن التخصص هو المعيار فقط، وأن العلم هو المعيار، بل إن العلم الإلهي ليس معياراً، وعلم الفقه والفلسفة والتوحيد ليس معياراً، إنما المعيار هو سعادة البشر من ذلك العلم الذي فيه تربية والذي ُينقل عن المربي. إن من السذاجة أن نفكر بأنه يكفينا وجود أشخاص يملكون العلم بل يجب أن يملكوا العلم والتربية، أو على الأقل يمتلكوا العلم ولا يكونوا منحرفين... فلو شافى المتخصص مرضنا الظاهري، فإنه سيوجد لنا أمراضاً باطنية، إنه سيجرّنا من مرض ضعيف إلى مرض كبير. إذا لم يزك المعلم نفسه، ويربّها تربية تسير على الصراط المستقيم، فإن بلادنا ستُجَرّ إلى الشرق أو الغرب "16. وبهذا النحو فإن الإصلاح لدى الإمام الخميني قدس سره يبدأ قبل إصلاح الجامعة من إصلاح الإنسان نفسه لكي يتمكن من تربية الآخرين. وهو إصلاح موجه للإنسان بشكل عام لأن لكل إنسان تكليفه الخاص في الميدان الاجتماعي. وهذا الإصلاح ليس ظاهرياً وحسب، وإنما هو إصلاح ينطلق من العقل والوجدان. يقول الإمام الخميني قدس سره في هذا الصدد: " يجب علينا أن نبدأ من عقولنا ومن قلوبنا وأن نكون بفعل مجاهدة النفس كل يوم أفضل من اليوم الذي سبقه "17.

فبناء الأستاذ هو مقدمة لبناء الطالب المتخرج لأن المدرسة والجامعة هما المركزا اللذان يعدّان الإنسان لأن المراد بحسب الإمام الخميني قدس سره الإنسان الجامعي المعلم والطالب، والجامعة عليها أن تخرج الإنسان لا المتعلم لأنها لو خرجت الإنسان فسوف لن يسلّم بلاده للآخرين لأن الإنسان لا يرضى الخضوع والذل. ويضرب الإمام مثلاً عن رضا خان والد آخر ملوك إيران وأنه كان في السابق يخشى من المدرِّس لأنه كان إنساناً، وكان رضا خان يعتبر منافسه هو المدرس الذي كان عندما يقف ليتحدث يزلزل الجميع. استمراراً لهذا الدور، يحث الإمام الخميني قدس سره أساتذة الجامعة على تجهيز أنفسهم لتربية أبناء إيران، وأن يغيروا تلك الأفكار التي دخلت عقول الشباب خلال عهود مضت، الأمر الذي أدى إلى توقف تلك العقول عن العمل والإنتاج18. وان هذا الأمر لن يحدث على الإطلاق إذا لم يبذلوا همهم أولاً لجعل الجامعة مركزاً للعلم والتهذيب حتى تكون جميع الاختصاصات في خدمة البلاد لأن فقدان هذا الإحساس، سيجعل الجامعة أسوأ مركز يجر البلاد إلى الفساد. العلم بنظر الإمام الخميني قدس سره لا ينفع وحده. حتى علم العقائد والتوحيد الذي هو أسمى العلوم، قد يتراكم علم العقائد في عقل الإنسان وقلبه، ولكنه سيبعده عن الله لو لم يكن هذا الإنسان مهذباً، وعندما يكون العالم غير مهذب فإن فساده يكون أكثر من الآخرين19.

بناء على هذه التحديدات، فإن مهمة الأستاذ الجامعي والمربي لكونها تقوم على بناء الإنسان فإنه لا بد أولاً أن يقوم الأستاذ والمربي بتهذيب وتربية نفسه لأنه في مقام القدوة للآخرين. ولا يستطيع أن يقدم نفسه كقدوة إذا لم يهتم ببناء هذا الجانب. إن عملية بناء الأستاذ الجامعي وسائر المربين لأنفسهم هي مهمة طويلة وشاقة، ولا بد لها من أن تجري وفق برنامج سبق للإمام الخميني قدس سره أن وضع أسسه التي تقوم على خطوات متعينة ومتواكبة مع بعضها بعضاً سوف يتم تبيينها في السطور اللاحقة.

6- مبادئ التربية وأساليبها
يعتقد الإمام الخميني قدس سره أن إصلاح المجتمع يبدأ من بناء النفس أولاً. ومرَدّهذا الاعتقاد نابع من فهمه ومن رؤيته لتعاليم الدين الإسلامي، ومن نظرته لدور الأنبياء في مقام بناء الإنسان. ولأنه لو لم يتربَّ الإنسان لم يتمكن من تربية الآخرين.

كان الإمام الخميني قدس سره وضع عدداً من المبادئ التربوية ،ولأنها تفيد الأستاذ الجامعي كما سائر الأفراد نورد بعضاً منها على الشكل الآتي:

أ- التفكر:

لقد جعل الإمام الخميني قدس سره من التفكر شرطاً لمجاهدة النفس. يقول في هذا الصدد: " اعلم أن أول شرط من شروط مجاهدة النفس هو التفكر. والتفكر في هذا المقام هو أن يفكر الإنسان في مولاه الذي خلقه وهيأ له كل أسباب الدعة والراحة. إن الإنسان العاقل لو فكر للحظة واحدة، عرف أن الهدف من هذه النعم هو شيء آخر، وأن الغاية من هذه الخلقة عالم أسمى وأعظم، وأن على الإنسان العاقل أن يترحّم على نفسه وعلى حاله المسكينة، لو فكر قليلاً في أحوال أهل هذه الدنيا من السابقين وحتى الآن وتأمل متاعبهم وآلامهم كم هي أكبر وأكثر بالنسبة إلى هناءتهم في نفس الوقت الذي لا يوجد فيه هناء وراحة لكل شخص. في كل حال ادع ربك بعجز وتضرّع أن يعرفّك على وظائفك فيما بينك وبينه تعالى، والأمل أن يفتح لك هذا التفكر طريقاً آخر إلى منزل من منازل مجاهدة النفس "20 .

ب- التلاوة والدعاء:
إن جميع العبادات وسيلة، وجميع الأدعية وسيلة لظهور لباب الإنسان وأن يصل ما هو بالقوة والإمكان إلى الفعل فيصبح الإنسان إنساناً ويصبح الإنسان الطبيعي إنساناً إلهياً. وبناء عليه يشدد الإمام الخميني قدس سره على هذه العبادات وبينها الدعاء. هذه الأدعية هي بنظره تنقذ الإنسان من الظلمة " إن هذه الأدعية وخطب نهج البلاغة ومفاتيح الجنان وسائر كتب الأدعية جميعها تعين الإنسان ليصبح إنساناً. وعندما يصبح الإنسان إنساناً يقوم بجميع تلك الأعمال فيزرع لله ويحارب لله". وتلاوة القرآن تأتي قبل الأدعية لأن غايتها هي تزكية النفس وتعليمها أيضاً، ومن أهدافها تصفية النفوس من ظلماتها الموجودة فيها حتى تصبح الأذهان والأرواح مستعدة بعد هذه التصفية لفهم الكتاب والحكمة21 .

ج - ترك الأخلاق الذميمة
إن أفضل العلاج لترك ودفع الأخلاق الذميمة هو مجاهدتها.
وهذه المجاهدة تسير بحسب الإمام الخميني قدس سره في خطوات متدرجة ومن هذه الخطوات: " هو أن تأخذ كل واحدة من الملكات القبيحة التي تراها في نفسك وتنهض بعزم على مخالفة النفس إلى مدّة، واطلب التوفيق من الله لإعانتك في هذا الجهاد. ولا شك أن هذا الخلق القبيح سيزول بعد فترة وسيفرالشيطان وجنوده وتحل محلهم الجنود الرحمانية "22.

يقدم الإمام نماذج من الأخلاق الذميمة فمثالاً لا حصراً يقول: " من الأخلاق الذميمة التي تسبب هلاك الإنسان وتوجب ضغطة القبر وتعذب الإنسان في كلا الدارين، سوء الخلق مع أهل الدار أو الجيران أو الزملاء في العمل أو أهل السوق والمحلة، وهو وليد الشهوة والغضب. فإذا كان الإنسان المجاهد يسعى لمدّة أنه عندما يعترضه أمر غريب مرغوب فيه، حيث تتوهج نار الغضب لتحرق الباطن، وتدعوه إلى الفحش والسيئ من القول، أن يعمل بخلاف النفس ويتذكر سوء عاقبة هذا الخلق ونتيجته القبيحة، ويبدي بالمقابل الشيء الحسن، ويلعن الشيطان في الباطن، ويستعيذ بالله منه، إني أتعهد لك أنك لو قمت بذلك السلوك، وكررته عدّة مرات فإن الخلق السيئ سيتغير كلياً، وسيحل الخلق الحسن في باطن مملكتك. استعذ بالله من الغضب الذي يهلك الإنسان في كلا الدارين، لأنه قد يؤدي إلى قتل نفس، ومن الممكن أن يتجرّأ الإنسان في حال الغضب على النواميس الإلهية "23.

هـ - تعزيز الإيمان
هناك فارق بين اعتناق الدين والإيمان بتعاليمه، فالدين يتحقق بالشهادتين وبأصول الاعتقاد، في حين أن الإيمان يزيد وينقص بحسب إتباع التعاليم. ولذلك كانت دعوة الإمام الخميني قدس سره نحو تعزيز البعد الإيماني في الشخصية لأنه لو وجد هذا الإيمان لأعان الإنسان على ترك المعاصي. الإيمان بحسب الإمام الخميني قدس سره هو تصديق ووعي القلب لما أدركه العقل. وهو يحتاج إلى المجاهدة حتى تفهم القلوب أن العالم كله في محضر الله. وبافتقاده إلى هذه المشاهدة، يقترب الإنسان من ارتكاب المعاصي. ويقدم في هذا السبيل برهاناً على قوة الحضور الإلهي في القلب في ترك المعاصي حيث يقول " إن البرهان العقلي قائم على أن الله تبارك وتعالى حاضر في كل مكان. فالبرهان موجود وجميع الأنبياء قالوا بذلك، لكنه لم يصل إلى قلوبنا. حتى إذا ما أردنا أن نغتاب أو نتهم أو نعمل قبيحاً، نرى أننا في محضر الله، ولا بد أن نحترم هذا المحضر... فعندما يكون الإنسان في محضر عظيم يعتقد بعظمته، فإنه يحترم ذلك المحضر. إذا كان يوجد عندكم شخص وتعتقدون أنه عظيم، فإنكم لا ترتكبون أية مخالفة أمامه فضلاً عن مخالفته هو في محضره إذا كنتم عنده، في حين أن المحضر هو محضر الله تبارك وتعالى، والمعصية مخالفة مع من نحن في محضره ".

ز- ترك المحرمات وملازمة الواجبات
يدعو الإمام إلى التزام الواجبات ومراعاة التقوى لأنها السبيل إلى ترك المحرمات وخلاص النفس من أعراضها التي هي أقوى بكثير من أمراض الجسد لأن أمراض الأجساد إنما يكون بسبب اختلالها المادي الذي يعالج بالطبيعة وبالدواء في حين أن أمراض النفس تحتاج إلى علاج من سنخه معنوياً حتى تعود إلى صحتها وسلامتها، ومن علاماتها إتيان الواجبات وترك المحرمات. يقول الإمام: " الإنسان الراغب في صحة النفس، والمترفق بحالها عليه المواظبة على الواجبات وترك المحرمات. ومن المعلوم أن ضرر المحرمات هو من المفسدات النفسية ولهذا كانت محرمة. كما أن الواجبات هي من صلاحها ولذلك كانت واجبة. أيها العزيز اعلم إن هاتين المرحلتين أفضل من أي شيء ومقدمة للتطور وأن الطريق الوحيد إلى المدارك الإنسانية وأهمها التقوى من المحرمات. أيها العزيز اعتبر أن المرحلة الأولى مهمة جداً، وحافظ وراقب أمرها فإنك إن خطوت الحظوة الأولى بشكل صحيح وبنيت هذا الأساس قوياً، كان هناك أمل بوصولك إلى مقامات أخرى وإلا امتنع الوصول وصعبت النجاة "24.

إن ترك المحرمات والإتيان بالواجبات وحتى المستحبات، قد يكون في بدايته لعدم التعود عليه، مهمة غير يسيرة على الإطلاق، وسوف تحتاج إلى جهد غير عادي في هذا السبيل. وإدراكاً من الإمام الخميني? لصعوبة المهمة يعرض سبيلاً عملياً إلى ذلك فهو يقول: " اعلم أن بداية هذا الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة يتحول التعب إلى راحة، بل تتبدل إلى لذة روحية خالصة بحيث إن أهلها لا يقابلون تلك اللذة بغيرها، ويمكن إن شاء الله بعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة أن تنتقل من هذا المقام إلى تقوى خالصة "25 .

كذلك يقدم الإمام أحد النماذج في المجاهدة النفسية وهو ما كان يقوله العارف الجليل آية الله محمد علي الملك آبادي حول المثابرة على تلاوة آخر آيات سورة الحشر المباركة مع تدبر معانيها في تعقيبات الصلوات وخصوصاً في آخر الليل حيث يكون القلب فارغ البال، وهي مؤثرة في إصلاح النفس وكان يوصي بالبقاء على الوضوء قائلاً "إن الوضوء مثل بزة الجندي". وعليك أن تطلب من القادر ذي الجلال والله المتعال جل جلاله في كل حال مع التضرع كي يوفقك ويعينك في الحصول على خالص التقوى26.

*الجامعة في فكر الإمام الخميني قدّس سرّه , سلسلة الندوات الفكرية , نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الإمام الخميني قدس سره، م. منهجية الثورة الإسلامية، مصدر سابق، ص271.
2- المصدر نفسه، ص279.
3- الإمام الخميني قدس سره، منهجية الثورة الإسلامية، مصدر سابق، ص278.
4- الإمام الخميني قدس سره، منهجية الثورة الإسلامية، مصدر سابق، ص296.
5- المصدر نفسه، ص296.
6- لمصدر نفسه، ص277.
7- المصدر نفسه، ص300.
8- المصدر نفسه، ص 303.
9- المصدر نفسه، ص185.
10- المصدر نفسه، ص186.
11- المصدر نفسه، ص 426.
12- المصدر نفسه، ص 427.
13- المصدر نفسه، ص429.
14- المصدر نفسه، ص 437.
15- المصدر نفسه، ص 438.
16- المصدر نفسه، ص242.
17- المصدر نفسه، ص244.
18- المصدر نفسه، ص 234.
19- المصدر نفسه، ص 235.
20- المصدر نفسه، ص 248.
21- المصدر نفسه، ص 252.
22- المصدر نفسه، ص 246.
23- المصدر نفسه، ص 247.
24- المصدر نفسه، ص 228.
25- المصدر نفسه، ص 230.
26- المصدر نفسه، ص 229.

12-03-2016 عدد القراءات 401



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا