25 أيلول 2017 الموافق لـ 04 محرّم 1439
En FR

العلم نور :: مكانة العلماء

ما قدمه العلماء عبر التاريخ



 

"لا شك أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمون كانوا يشكلون طوال تاريخ الإسلام والتشيع أهم قاعدة حصينة للإسلام في مواجهة الحملات والانحرافات".

الإمام الخميني قدس سره

هناك جانبان سنلقي عليهما الضوء في موضوع دور العلماء التاريخي: الجانب العلمي، والجانب الجهادي.

الجانب العلمي في تاريخ العلماء:
وهذه الدور يعتبره الإمام الخميني قدس سره أساسياً جداً، ويقول في إحدى كلماته:
"العلم هو كل شيء، العلم هو جميع النواحي، يضرب بالسيف من أجل بسط الفقه، فلا تظنوا أننا ما دمنا قد دخلنا في القضايا السياسية فلا داعي لأن نخوض المسائل العلمية. عليكم أيها الشبان أن تنموا التفقه..."
1.

ويمكننا أن نلاحظ ثلاثة أدوار علمية أساسية كانت ملقاة على عاتق العلماء والحوزة وعلمائها:
 

الدور الأول ـ حفظ التراث الديني من الضياع والتلف:
لقد حفظ لنا العلماء هذا الدين بما يحوي من تاريخ ومفاهيم ومناهج عملية وأخلاقية واعتقادات.

قد تتصور أن حفظ هذه الأمور مهمة سهلة لا تحتاج للعناء والتعب، ولكن الأمر ليس كذلك خصوصاً بالنسبة للتشيع الذي كان محارباً على امتداد العصور من قبل السلاطين والحكام والدول.

ليست المشكلة فقط في عدم وجود دولة تدعم جهود العلماء وتؤمن لهم الأرضية ومستلزمات عملهم، بل المشكلة أن تلك الدول كانت تحارب التشيع والشيعة، وتتلف كتبهم وتقتل علماءهم، ولولا جهود العلماء وتضحياتهم لما أمكن أن يصل هذا الدين إلينا، وقد نقل لنا التاريخ الكثير من معاناتهم وتضحياتهم (رضوان الله تعالى عليهم). فعندما نقرأ ـ كمثال على ذلك ـ ما جرى على محمد بن عمير، وهو من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، حيث ينقل لنا التاريخ أنه تعرض للاضطهاد والظلم والحبس من قبل المأمون ـ أحد خلفاء العباسيين ـ وبقي في السجن أربع سنين، فقامت أخته بدفن كتبه بالتراب حتى لا يجدها جنود المأمون، فبقيت تحت التراب أربع سنين فتلفت، ولكنه كان قد حفظ الأحاديث فصار يحدث مما حفظه.

فحفظ هذا التراث هو مهمة صعبة وثقيلة ألقيت على عاتق العلماء.

وقد قام العلماء بهذه المهمة وهذا الجهاد على الدوام واستشهد العديد منهم في سبيل ذلك كما يؤكد التاريخ.

وقد أشار الإمام الخميني قدس سره إلى هذه الحقيقة في بعض كلماته قائلاً:
"لم يكن سهلاً جمع العلوم القرآنية وآثار وأحاديث النبي العظيم والسنة وسيرة المعصومين عليهم السلام. وكتابتها وتبويبها وتنقيحها في ظروف كانت فيها الإمكانات قليلة جداً وكان السلاطين والظالمون يسخّرون جميع إمكاناتهم من أجل محو آثار الرسالة. وبحمد الله إننا نرى اليوم نتيجة تلك الجهود في الآثار والكتب، كالكتب الأربعة والكتب الأخرى التي أعدها المتقدمون والمتأخرون من فقه وفلسفة ورياضيات وعلم نجوم وأصول وكلام وحديث ورجال وتفسير وأدب وعرفان ولغة، وفي جميع فروع العلوم المتنوعة. وإذا لم نسمِّ كل تلك الجهود والمرارات جهاداً في سبيل الله فماذا نسيمها؟!!".

ويقول أيضاً:

"إن الحوزات العلمية هي التي حفظت الإسلام حتى الآن، ولولا وجود العلماء لما بقي للإسلام ذكر، فإن الذي أحيى الإسلام في الظروف السوداء والأزمنة المظلمة هم العلماء"
2.

الدور الثاني ـ شرح هذا التراث بالشكل الصحيح:
إن مهمة الحوزة وعلمائها لم تتوقف عند نقل الحديث والسيرة، وإنما تحملت مسؤولية شرح وترجمة هذه الألفاظ إلى معانيها الصحيحة، وهي مهمة شاقّة أخرى يجب القيام بها.

إن اللغات جاءت على شكل ألفاظ تعكس معاني ومفاهيم معينة، فإذا تلاعبت بها الأهواء والأيدي يمكن تحميلها معاني أخرى غير التي أرادها الله تعالى، ويكفينا كشاهد على ذلك الوضوء الذي جاء تفصيله في القرآن الكريم {اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} فرغم أن القرآن الكريم ذكر الوضوء بشكل مفصل وأوضح أن المسح يكون للرؤوس والأرجل، نجد بعض المسلمين أرجعوا كلمة (وأرجلكم) إلى (اغسلوا في أول الآية) وأفتوا بوجوب غسل الرجلين بدل مسحهما!

إن المسلمين لم يختلفوا في نص الآية لأنها قرآن كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكنهم اختلفوا في التفسير والشرح، وهذا التفسير أو ذاك الشرح يمكنه أن يقلب الحقائق، فحفظ الدين لا يتم بحفظ الألفاظ فقط بل لا بد من حفظ المعاني الصحيحة وشرحها ونقلها للناس كما هي.

وهذا نوع آخر من الجهاد قام به العلماء. فالفقهاء كانوا على الدوام ضمانة عدم تحريف المعاني والمفاهيم، هذا بالإضافة إلى تطبيق هذه المفاهيم على الأمور المستجدة.

وقد أكد الإمام الخميني قدس سره على هذا الدور وأهميته، حيث قال في إحدى كلماته: "لولا وجود الفقهاء الأعزاء لم يكن معلوماً كيف كانت ستعرض على الناس علوم القرآن والإسلام وعلوم أهل البيت عليهم السلام".

وقد أدى علماؤنا العظام تكليفهم طوال التاريخ على أحسن وجه كما يشير أيضاً الإمام الخميني قدس سره:
"في مجال الخدمات العلمية التي قدمتها الحوزات العلمية فالكلام كثير، ولا يسعه هذا المختصر، فبحمد الله إن الحوزات غنية بالمصادر وأساليب البحث والاجتهاد، ولديها ابتكارات في هذا المجال، ولا أتصور وجود طريقه لدراسة جميع جوانب العلوم الإسلامية دراسة معمقة أنسب من طريقة علماء السلف. فالتاريخ الذي تجاوز الألف عام من التحقيق والتتبع لعلماء الإسلام العظام، إنها شاهد على أدعائنا حول رعاية نبتة الإسلام المقدسة، لقد كان علماء الإسلام لمئات السنين ملجأ للمحرومين، وقد نهل المستضعفون دوماً من كوثر زلال المعرفة للفقهاء العظام".

ويقول في كلمة أخرى:
"لولا وجود فقهاء الإسلام منذ صدر الإسلام وحتى الآن لما كنا نعرف شيئاً الآن عن الإسلام، فالفقهاء هم الذين عرفونا الإسلام وهم الذين درسوا الفقه الإسلامي وكتبوه، وهم الذي عانوا وسلمونا إياه"
3.

الدور الثالث ـ نشر الدين وترويجه بين الناس:
بالإضافة إلى حفظ الدين وشرحه أخذ العلماء على عاتقهم نشر هذا الدين بين الناس، وقد بذلوا كل ما يملكون واستشهد حتى المراجع في سبيل ذلك، فهذا المرجع الكبير والعالم المعروف صاحب المؤلفات القيّمة محمد بن مكي العاملي المعروف بلقب الشهيد الأول، يسجن في قلعة دمشق سنة كاملة ثم تضرب عنقه، لا لذنب سوى أنه يظهر مذهباً غير الذي يعتنقه السلطان! وهذا زين الدين بن علي العاملي الجبعي العالم الكبير صاحب المؤلفات المعروفة، الملقب بالشهيد الثاني، يستشهد لنفس السبب أيضاً! وأمثالهم كثير في التاريخ.

لقد بذل هؤلاء العظماء دماءهم في سبيل نشر حكم شرعي من أحكام الله تعالى.

وقد أشار الإمام الخميني قدس سره إلى هذه الحقيقة حيث قال: "لقد بذل علماء الإسلام العظام أعمارهم في ترويج مسائل الحلال والحرام الإلهية، دون أي تدخل وتصرف فيها".

وكذلك يقول:
"إن العلماء المجاهدين والملتزمين بالإسلام بذلوا جهودهم طوال التاريخ وفي أصعب الظروف ـ وبقلوب ملأى بالأمل ونفوس فياضة بالعشق والمحبة ـ في تربية الأجيال وتعليمها وإرشادها".

الجانب الجهادي في تاريخ العلماء:
لم يكتفِ العلماء بثقل المسؤولية العلمية الملقاة على عاتقهم، فهم بالإضافة إلى ذلك حملوا عبء مواجهة الطواغيت وحفظ المجتمع
الإسلامي بكل الوسائل والإمكانات المتاحة لديهم، ويشير الإمام الخميني قدس سره إلى أهمية هذا الدور في بعض كلماته، حيث يقول:
"إلى جانب جهادهم العلمي والثقافي ـ الذي هو حقاً أفضل من دماء الشهداء في بعض جوانبه ـ فقد تحمل أولئك في كل عصر من العصور المرارات من أجل الدفاع عن المقدسات الدينية والوطنية، وتحملوا الأسر والنفي والسجون والأذى والمضايقات والكلام الجارح، وقدموا في الحضرة المقدسة شهداء عظام. إن الشهداء العلماء لا يقتصرون على شهداء المواجهات والحروب في إيران، بل إن عدد الشهداء المجهولين للحوزات والعلماء ممن قضوا غرباء خلال نشر المعارف والأحكام الإلهية على يد العملاء والجبناء كثير"
4.

فهذا السيد عبد الحسين شرف الدين، العالم المجاهد الذي واجه الفرنسيين أيام احتلالهم للبلاد وسطوتهم، وهذا العلامة مدرسي في إيران الذي واجه الحكومات الظالمة حتى استشهد، وهذا المرجع الكبير الشيرازي في العراق الذي قام بثورة التنباك... وهكذا كان للعلماء حضورهم الدائم في ميادين الجهاد، حتى قام الإمام الخميني قدس سره:
"أية ثورة شعبية إسلامية لا نجد فيها الحوزة والعلماء هم السبّاقون إلى الشهادة؟ واعتلوا المشانق، وعبدت أجسادهم المطهرة الطريق بالشهادة في الحوادث الدامية".
 

ويقول أيضاً:
"إن كل من يعرف التاريخ يعلم أن من قام ضد التسلط طوال التاريخ هم العلماء".

هؤلاء ليسوا استثناءً:
قد يتصور القارئ أن هذه الشخصيات المشرقة بين العلماء كانت شخصيات استثنائية ومميزة، وأنها لا تحكي عن الجو العام السائد في الحوزة العلمية، وقد يتمادى البعض ليتهم الحوزة أنها على طرف النقيض من هذه الشخصيات، ولرفع هذا الوهم نجد الإمام الخميني قدس سره يؤكد أن الحوزة ككل وبجّوها العام كانت هذه منهجيتها:
"إن الحوزات العلمية هي التي حفظت الإسلام حتى الآن"
5.

ويقول أيضاً:
"لا شك أن الحوزات العلمية والعلماء الملتزمون كانوا يشكلون طوال تاريخ الإسلام والتشيع أهم قاعدة حصينة للإسلام في مواجهة الحملات والانحرافات".

ودور العلماء هذا لم يكن خافياً على الطواغيت والمتكبرين، وكان العلماء هم هدف الاستعمار الرئيسي على الدوام، فكان يرتفع منهم الشهداء على الدوام. ولم يكن المستعمر هو المستهدف الوحيد للعلماء بل كان هناك عوامل أخرى تجتمع كلها على استهداف العلماء على أكثر من مستوى، فلنلقِ نظرة على استهداف العلماء.

 


1- من كلام له بتاريخ 6/3/1979 أمام جمع من العلماء والطلاب.
2- من كلام لسماحته بتاريخ 4/3/1979 يوم عودته إلى قم المقدسة.
3- من كلام لسماحته بتاريخ 8/9/1981 في جمع من أئمة الجماعة لمحافظة خراسان، صحيفة نور جزء 15، صفحة 150.
4- من نداء لسماحته إلى مراجع المسلمين وعلماء البلاد بتاريخ 22/2/1989.
5- من كلام لسماحته بتاريخ 29/2/1979 يوم عودته إلى مدينة قم المقدسة.

12-03-2016 عدد القراءات 323



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا