19 أيلول 2017 الموافق لـ 28 ذو الحجة 1438
En FR

الفقه الموضوعي :: الأماكن / المال العام

الطرقات العامة



تمهيد
تتوقّف حياة المجتمع البشريّ على مجموعة من الاحتياجات، التي تسمّى المرافق العامة، فلا بدّ من وجود شبكة من الطرقات والجسور، التي تسهّل حركة الانتقال للمواطنين، وهذه الطرقات غير مملوكة بالنحو المتعارف لأحد من الناس ، ولكلّ فرد الحقّ في الاستفادة منها، وليس لأحد من الناس منع الآخرين من الاستفادة منها، أو التضييق عليهم في ذلك.

وقد حوت شريعة الإسلام على مجموعة من المقرّرات التي هي عبارة عن تكاليف ووظائف، تقع على عاتق الفرد المسلم ، تنظّم عمليّة الاستفادة بنحو لا يستلزم تصادماً بين الناس ، أو تعطيلاً للهدف الذي أُقيمت من أجله تلك المرافق العامّة.

حق الانتفاع: لمن وكيف؟
لكلّ مواطن في الدولة ولكلّ فرد يعيش على هذه الأرض الحقّ في الاستفادة من هذه المرافق العامّة، من شوارع وجسور وحدائق، وذلك ضمن الإطار الذي وضعت لأجله، فيستعمل الطريق للمرور؛ لأنه وضع لأجل ذلك، ولا يستعمله كملعب للكرة؛ لأنه خلاف الهدف الذي وضع لأجله، فالشوارع والجسور المجعولة لمرور السيارات لكلّ سيّارة حقّ المرور عليها، ولا فرق بين مواطن وآخر في ذلك، والأرصفة المجعولة للمشاة فإنّ لكل المشاة حق العبور عليها.

تصرّفات غير مشروعة
لا يجوز لأيّ أحد أن يقوم بالتسلّط على أيّ جزء من هذه الأماكن العامة، وذلك بالبناء عليها أو حفرها أو نحو ذلك من التصرّفات المتعارفة في الأملاك الخاصّة.
كما لا يجوز لأيّ شخص أن يقوم باقتطاع جزء من الشارع - مثلاً - حتى لو قدّم جزءاً من أرض للشارع مقابل ذلك 1.

حقّ الناس فوق المصالح الشخصيّة
لقد جُعلت هذه الأماكن العامة لتتم الاستفادة منها لكلّ الناس. والهدف منها تسهيل حياة الناس، وتوفير الراحة لهم. ولذا كانت مشروعية أي عمل في هذه الأمكنة متوقّفة على أن لا يكون في ذلك إزعاج أو تعطيل لحقّ الناس ونماذج ذلك كثيرة 2:

أ- الشرفات التي تجعل في البيوت، بنحو تتقدم فيه على الشارع، لا يجوز بناؤها إذا كانت موجبة للتضييق على حق المارة، لاسيّما ما يكون منها قريباً من الأرض.
ب- لا يجوز تسليط الميزاب من السطوح على الطرق العامة إذا كان ذلك موجبا لإزعاج المارة.
ج- تجوز الاستفادة من الشوارع والأماكن العامّة في بعض الأمور ضمن معايير سنذكرها بعد ذلك بالتفصيل، وكل ذلك بعيداً عن أحكام البلديات التي لها تفاصيلها الخاصة، والتي سنترك التعرض لها هنا، على أمل أن نتعرض لها في كتاب مستقل إن شاء الله تعالى، أما الموارد الجائزة:

1ـ وضع الإعلانات التجاريّة ونحوها.
2ـ النوم في الحدائق العامّة، والجلوس فيها والصلاة.
3ـ فرش البضائع للتجارة ونحوها.
4ـ إيقاف السيارات ووسائل النقل ونحو ذلك في الأماكن المخصّصة لها دون الأماكن التي تسبب زحمة في المرور.
5ـ قيام أصحاب المحلاّت بوضع البضائع على الأرصفة وأمام محلاتهم بطريقة لا تضايق المارّة.

ولكن جواز هذا كله يتوقف على أن لا يكون في ذلك تعطيل لحق الآخرين أو إلحاق الأذية بهم فلا يجوز:
1ـ وضع الإعلانات التجاريّة التي تعيق حركة الناس في الشوارع، أو تمنع الراحة عنهم في الحدائق.
2ـ فرش البضائع واستحداث أماكن تجاريّة تكون على حساب حقّ المارّة.
3- إيقاف السيّارات بنحو تتعطل فيه حركة الناس، أو يكون ذلك مزعجاً لهم، كما يقوم بعض الناس بإيقاف سياراتهم على الأرصفة المجعولة للمشاة بنحو يعطل حركة المشاة أو يمنعهم من المرور.

البسطات وحكم البائع المتجوّل
يعتمد بعض أصحاب التجارة المتنقّلة على الطرقات لعرض بضائعهم وبيعها، وهو أمر جائز إذا لم يكن فيه تضييق على حقّ المارة، وقد يعتاد بعضهم على ارتياد مكان خاص وبشكل يومي، ولكن هذا لا يجعل له حقّاً يمكّنه من منع الآخرين من الإقامة في ذلك المكان وافتراشه للتجارة وغيرها.

والمعيار الشرعي في ذلك أنّ من يسبق إلى وضع أمتعته هو الذي له الحق وليس للآخرين منعه، بل إنّه حتّى لو اعتاد على الجلوس لسنين متمادية فإن ذلك لا يجعل له حقاً ، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: " سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل "3.

ـ جرت عادة بعض أصحاب البسطات على وضع خيمة تقيهم حرّ الشمس أو مطر الشتاء، وهذا لا مانع منه مع ملاحظة المعايير السابقة، نعم لا يجوز له بناء شيء ثابت؛ لأن الطريق ليس ملكا له 4.

كيف يصبح الشارع عامّاً؟
لكي يصير الشارع من الأمكنة العامّة لا بد من تحقّق أحد أمور:

1ـ كثرة التردّد من قبل المارة على الأرض المشاع التي هي ليست ملكاً لأحد.
2ـ أن يقوم شخص ما أو مجموعة من الأشخاص بتقديم جزء من أرضهم لتصبح شارعاً عامّاً ذا طرفين للدخول والخروج منه.
3ـ أن يقوم جماعة ببناء قرية أو مدينة ورسم طرق في داخلها 5.

متى يجوز التصرّف في الشوارع والاستيلاء عليها؟
لو خربت منطقة ما ولم تصبح شوارعها مقصودة ولا محلاً لتردّد الناس تصبح حينئذٍ كالأمكنة العامة، فيجوز لأي إنسان التصرف فيها وإحياؤها.
نعم إذا كان الطريق قد جعل عن طريق التسبيل، أي من قبل أشخاص معينين، فلا يصح لأيّ أحد التصرف فيها 6.

حكم الشوارع الخاصّة
في بعض القرى توجد شوارع خاصّة، وما تمتاز به هذه الشوارع هو أنها لا تنفذ إلى شوارع أخرى بل هي عبارة عن ممر خاص ببعض البيوت وهذه الشوارع تكون ملكاً لأصحاب البيوت المحيطة، فيجوز لأصحاب هذه البيوت سدّ الطريق أو ضمّ جزء منه إلى الملك الخاص مع رضا جميع من له باب إلى هذا الطريق 7.

من آداب الطريق
يستحبّ للماشي على الطريق إذا وجد شيئاً يؤذي الناس أن يزيله ويرفعه فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " مرّ عيسى بن مريم بقبر يعذّب صاحبه، ثمّ مرّ به من قابل فإذا هو ليس يعذّب ، فقال يا ربّ مررت بهذا القبر عام أوّل وهو يعذب ومررت به العام وهو ليس يعذّب فأوحى الله جل جلاله إليه: يا روح الله قد أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً وآوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه "8.

اجتناب كلّ ما ينافي الحشمة كالأكل والعلك، وقد ورد في الحديث عن أبي جعفر عليه السلام قال: "الخذف 9 بالحصى ومضغ الكندر10 في المجالس وعلى ظهر الطريق من عمل قوم لوط "11.

اجتناب الاختلاط ومراعاة الحشمة والحياء، وقد ورد في الرواية عن أبي الحسن عليه السلام: "لا ينبغي للمرأة أن تمشي وسط الطريق ولكنها تمشي إلى جانب الحائط"12.

* الاماكن والاموال العامة، سلسلة الفقه الموضوعي، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية


1- الخميني - روح الله الموسوي – استفتاءات ، فارسي – دفتر تبليغات إسلامي – الطبعة الخامسة، ج 2 ص 591
2- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - الوسيلة للإمام الخميني قدس سره ج2 ص 187
3-الشيخ الكليني-الكافي- دار الكتب الإسلامية ،آخوندي-الطبعة الثالثة - ج3 ص 662
4- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج2 ص 188
5- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج2 ص 188
6- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج2 ص 189
7- الخميني - روح الله الموسوي - تحرير الوسيلة - دار الكتب العلمية - اسماعيليان - قم - ج 2 ص 186
8- المجلسي-محمد باقر -بحار الأنوار- مؤسسة الوفاء ،الطبعة الثانية المصححة - ج 110 ص 107.
9- الخذف: الرمي.
10- الكُندر: صمغ شجرة شائكة.
11- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –باب 36 من أبواب أحكام المساجد.
12- الحر العاملي - محمد بن الحسن - وسائل الشيعة - دار إحياء التراث - بيروت –، باب 97 من أبواب مقدمات النكاح الحديث رقم 3

07-03-2016 عدد القراءات 360



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا