22 تشرين الثاني 2017 الموافق لـ 03 ربيع الأول 1439هـ
En FR

الشيعة تاريخًا وأصولا :: أصول الشيعة

طرق المعرفة



الاَصلُ الاَوّل: طرق المعرفة

يستعين الاِسلامُ لمعرفة الكون، وللوصول إلى الحقائق الدينيَّة بثلاثة أنواع من الاَدَوات مع أنّه يعتبر لكلّ واحدٍ منها مجالاً مختصّاً به.

وهذه الاَدَوات هي:
1. الحِسّ، وأهّم الحواسّ هما حاسّتا السمع والبصر.
2. العقل الّذي يكتشف الحقيقة في مجالٍ محدودٍ وخاصّ، منطلِقاً في ذلك من أُصول ومبادىَ خاصّةٍ.
3. الوحي الّذي هو وسيلة لارتباط ثُلّةٍ ممتازة ومميّزة من البشر بعالم الغيب.

وفي إمكان البشريّة جميعاً أن يستفيدوا من الطّريقين الاَوَّلين في معرفة الكون وفي فهمِ الشّريعة كذلك، بينما الطريق الثالث خاصّ بمن شملتهُ العنايةُ الاِلهيّة، وأبرز نموذج لهذا النمط من النّاس هم رسُلُ الله وأنبياؤه الكرام1

هذا مضافاً إلى أنّ أدَوات الحسّ وما يسمّى بالحواسّ الخمس، لا يستفاد منها إلاّ في مجال المحسوسات، كما لا يستفاد من أداة العقل إلاّ في مجال محدودٍ يملك العقلُ مبادئه.

على حين يكون مجال الوحي أوسع نطاقاً وأكثر شموليّة، كما انّه نافذٌ في جميع الاَصعدة سواء في مجال العقيدة أو في إطار الوظائف والتَّكاليف.

ولقد تحدّث القرآنُ الكريمُ حولَ هذه الاَدَوات الثلاث في آياتٍ متعددة نأتي هنا بنموذجَين منها: طرقُ المعرفة وأدواتها في الاِسلام…

فقد قال تعالى عنِ الحسّ والعقل: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالاْبْصارَ وَالاْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)2

والمراد من الاََفئدةَ في الآية ـ وهي جمع فؤاد ـ بقرينة لفظتَي: «السَّمع» و«البصر» هو العقل البشريّ.

على أنّ ذَيلَ الآية المذكورة الذي يتضّمن أَمراً بالشُكر يفيد أنّ على الاِنسان أن يستفيد من هذه الاََدَوات الثلاث لاَنّ الشّكر يعني صَرف كل نعمةٍ في موضِعِها المناسِب.

وحول «الوحي» قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رجالاً نُوحِي إلَيْهِمْ فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)3

إنَّ الاِنسان المتديّن يستفيد ـ في معرفة الكون والحياة، والعقيدة والدين ـ مِن الحسّ، ولكن غالباً ما تكون المدرَكات الحسيّة أَساساً ومنطلقاً لاَحكامِ العقل أي أن تلك المدرَكات تصنع الاََرضيّة للفكر وحُكمه، كما انّه قد يُستفاد من العقل والفكر في معرفة الله وصفاته وأفعاله وتكون حصيلةُ كلّ واحدة من هذه الطرق والاََدَوات مقبولةً، ونافذةً ومعتبرة في اكتشاف الحقيقة ومعرفتها.

الاَصلُ الثاني: دعوة الاَنبياء والرسل

تتلخّص دعوةُ الاَنبياء والرسُل في أمرين:
1 ـ العقيدة.
2 ـ العمل.
وتتمثل مهمتُهم في مجال «العقيدة» في الدعوة إلى الاِيمان بالله، وصفاته الجماليّة والجلاليّة، وأفعاله.

بينما المقصود من «العمل» هو التّكاليف والاَحكام التي يجب أن تَقوم الحياةُ الفرديّة والاِجتماعيّة على أساسِها.

والمطلوبُ في مجال العقيدة إنّما هو العلم واليقين، ومن المسلَّم أنَّه لا يكون شيءٌ ما حجةً، (وبعبارة أُخرى: لا يَتّسِمْ بالحجيّة) إلاّ ما يؤدي إلى هذا الاََمر المطلوب.

ولهذا يجب على كل مُسلمٍ أنْ يصلَ في عقائده إلى اليقين، فليس له أن يكتفيَ في هذا المجال بمجرد التقليد، فيأخذَ عقائدَه تقليداً، ويعتنِقها من غير تحقيقٍ.

وأمّا في مجال الوظائف والتّكاليف (العمل) فإِنّ ما هو المطلوب فيها هو تطبيق الحياة على أساسِها، والاَخذُ بموازينها في جميع المَجالات الفرديّة والاِجتماعيّة والسّياسيّة والاِقتصاديّة.

وفي هذا الصَعيد ثَمَّت ـ بالاِضافة إلى اليقين ـ طُرق أُخرى أيضاً قد أيَّدَتْها الشّريعةُ وفرض علينا الاعتماد عليها للوصول إلى هذه التّكاليف والوظائف، والرجوع إلى المجتهد الجامع للشّرائط هو أَحدُ الطرق التي أيّدها وأقرّها صاحبُ الشريعة.

الاَصلُ الثالث: حجّية العقل والوحي

نحن نعتمد في أَخذ العقائد والاَحكام الدّينيّة على حُجّتين إلَهيّتين هما: العقل والوحي.

وعمدة الفرق بين هذين هو أنّنا نستفيد مِن «الوحي» في جميع المجالات، بينما نستفيد مِن «العقل» في مجالات خاصّة.

والمقصود مِن «الوحي» هو كتابُنا السَّماوي «القرآن الكريم» والاََحاديث التي تنتهي أسنادها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا أحاديث أئمة أهل البيت: فبما أنّها تنتهي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتنبع منه، تسمّى جميعُها بالاِضافة إلى أحاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بالسُّنة، وتُعتَبر من الحجج الاِلَهيّة.

إنّ العقل والوحي يؤيّد كلٌ منهما حجيّةَ الآخر وإذا أثبتنا بحكم العقل القطعي حجيّة الوحي فإنّ الوحي بدوره يؤيّد كذلك حجيّة العقل في مجاله الخاصّ به.

إنّ القرآن الكريم يَقُودُ ـ في كثير من المواضع ـ إلى حكم العقل وقضائه، ويدعو النّاس إلى التّفكر والتّدبر العقلي في عجائب الخلق، ويستعينُ هو كذلك بالعقل لاِِثبات مضامين دعوتهِ، وليس ثمَّتَ كتابٌ سماويٌ كالقرآن الكريم يحترِم المعرفةَالعقليَّة (والقضاياَ المدلَّلُ عليها بالعقل السليم). فَالقرآن زاخرٌ بالبراهين العقلية في صعيدِ العقائد، حتّى أنّها تفوقُ الحصرَ.

ولقد أكّد أئمةُ أهل البيت: على حجيّة العقلِ وأحكامهِ في المجالات التي يحقُّ للعقل الحكمُ فيها، حتّى أنّ الاِمام السّابع موسى بنَ جعفرٍ (عليه السلام) عدّه إحدى الحجج إذ يقول: «إنّ لله على الناس حجّتين: حجّةً ظاهرةً وحجّةً باطنةً، فأمّا الظّاهرةُ فالرُّسل والاَنبياءُ والاَئمة، وأمّا الباطنةُ فالعُقول»4.

الاَصلُ الرّابع: العقل والوحي لا يتعارضان

لمّا كانَ الوحيُ دليلاً قطعيّاً، وكان العقلُ مِصباحاً منيراً جعلهُ الله في كيان كل فردٍ من أفراد النَّوع الاِنسانيّ، ـ لذلك ـ لَزِمَ أنْ لا يقع أَيُّ تعارُضٍ بين هاتين الحجّتينِ الاِِلَهيَّتين.

ولو بدا تعارضٌ بدائيٌ أحياناً بينَ هاتينِ الحجَّتينِ، فيجب أنْ يُعْلَم بأَنّه ناشىٌَ من أحد أمرين: إمّا أنّ اسْتنباطنا مِن الدِّينِ في ذلك المورد غيرُ صحيحٍ، وإمّا أنّ هناك خطأً وقع في مقدّمات البرهانِ العقليّ، لاَنّ الله الحكيم تعالى لايدعُو النّاس إِلى طريقينِ متعارضينِ مُطلقاً.

وكما أنّه لا يُتصَوَّر أي تعارض حقيقي بين العقل والوحي، كذلك لا يحدثُ أَيُّ تعارضٍ بين «العلم» و «الوحي» مطلقاً، وإذا لُوحظَ نوعٌ مِن التعارض بين هذين في بعضِ الاََحايين فإنّه أيضاً ناشىَ من أحد أمرين: إمّا أَنْ يكونَ استنباطُنا من الدّين في هذا الموضع استنباطاً خاطئاً، وإمّا أنَّ العلمَ لَمْ يَصِل في هذا الموضوعِ إلى المرحلة القطعيَّة.

إنّ التعارضَ ينشأُ غالباً من الشِّقِ الثاني أَيْ عندما تُتلقّى بعض الفرضيّات العلميّة على أنّها حقائق قطعيّة، وعند ذلك يحدث التصوّر بأنَّ هناك تعارضاً بين العلم والدّين.

الاَصلُ الخامس: حقيقة العالم مقولة غير خاضعة لتفكيرنا

في مجال الاَمور التكوينيّة ذات الواقع المستقلّ عنِ الفكر والتَّصوُّر، تكون الحقيقة مقولةً ذات صفة أبَديّة وخالدة. بمعنى أنّ الاِنسان لو توصّل عن طريق إحدى الاَدَوات الحسّيّة إلى معرفة أَمرٍ واقعيٍّ كحقيقةٍ من الحقائق فإنّ ما اكتشفه يكون حقاً ثابتاً، دائماً وأبداً.

وَامّا إذا اكتشف أَمراً بعضُه معلوم ومطابق للحقيقة، وبعضُه الآخر خَطَأٌ كان ذلك القسمُ الّذي يتَّسمُ بسمةِ الحقيقة، حقيقة إلى الاََبَد، بمعنى أنّه لا ولن يتغير أبداً بتغيّرِ الظروفِ وانقلابها.

وبعبارةٍ أُخرى؛ إنَّ النِّسبيَّة في الحقائق، بمعنى كون حصيلة معرفة في زمانٍ عينَ الحقيقة، وفي زمان آخر عين الخطأ، لا تُتصوّر في مجال المعرفة التي ترتبط بالتكوينيّات.

فإِذا كان حاصلُ ضرب 2 × 2 يساوي 4 مثلاً أمراً ثابتاً، فإنَّ هذا يكون ثابتاً مطلقاً، وإِذا لم يكن هكذا فهو ليس هكذا مطلقاً.

فلا يمكنُ أنْ تكون حصيلةُ معرفة من المعارف في مرحلة خاصّة عينَ الحقيقة وفي مرحلة أُخرى ترتدي رداءَ الخطأ.

إنَّ النسبيَّة في المعارف والمُدركات إِنَّما تُتصوَّر فيِ الاَُمورِ الَّتي ليس لها واقعية سوى فكر الاِنسان وتصديقه وتكون من مواضعاته فمثلاً، المجتمع الغربي مختار وحر في انتخاب نظام حكومته. فإِذا اتفقوا ذاتَ يوم على صيغة معيّنة للحكم اتّسمت تلك الصّيغَة بسمة الحقيقة ما داموا متفقين عليها.

وَأَمّا إذا اتَّفقوا ـ ذات يومٍ ـ على عكسها، كانت الصّيغة الثانيةُ هي الحقيقة، وفي نفس الوقت يكون كل من المعرفتين في ظرفها الخاصّ عين الحقيقة.

ولكنَّ الاَمورَ الَّتي لها بذاتها محلّ مشخّص ومحدود خارج الذّهن، إذا وقعتْ في إطار الاِدراكِ بصورةٍ صحيحة وثابتةٍ تكون صحيحة للاَبد، وكان خلافها كذلك باطلاً دائما وأبداً.

وبتعبير آخر؛ إنّ كل شيء له واقعية خارجية وراء ذهن الاِنسان فالمعرفة الواقعة عليه يدور أمرها بين الصحة والخطأ، وأمّا الاَُمور الاعتبارية التي يصنعها الذهن لاَجل أغراض اجتماعية، كصيغة الحكومة، والرئاسة والملكيّة فهي تتسم بالنسبيّة وتوصف بها. وتكون حقيقة في ظرف دون آخر.


1- جاءت الاِشارة في الاَحاديث الاِسلاميّة إلى مَن وُصِف بالمحدَّث وسيأتي الكلامُ عنه مستقبلاً.
2- النَحل | 78.
3- النحل | 43.
4- الكافي الاَصول: ج 1، ص 16، الحديث 12.

09-02-2016 عدد القراءات 414



الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد


جديدنا